كريموف، حافظ، صدّام إلخ...


صحافة عربية

آخر تحديث: الثلاثاء 13 سبتمبر 2016 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

ذكّرتنا وفاة إسلام كريموف بحياته. لكنّ سيرة الطاغية الأوزبكى، الذى قضى قبل أيّام، تذكّر أيضا بطُغاتنا وبطرق معهودة فى تسيير سياساتنا، وأوجه من سِيَر مجتمعاتنا. فكريموف كان الأمين العامّ للحزب الشيوعى الأوزبكى حين باشر الاتّحاد السوفياتى تفسّخه وانحلاله، لكنّه لم يكن من أوائل الذين غادروا المركب الغارق: فقد تعاطف مع الانقلاب العسكرى لإطاحة ميخائيل جورباتشوف صيف 1991، وربّما زاد فى تعاطفه خوفُه من مسارعة السكّان إلى إعلان الوفاة المبكرة للرابطة السوفياتيّة. فقد ظهر فجأة اهتمام واسع بتيمورلنك بوصفه بطلا قوميّا أوزبكيّا، وفى طشقند وسمرقند راحت تماثيله الجديدة تطرد تماثيل لينين، كما عُمّد الفاتح قتيبة بن مسلم أوزبكيّا، لا عربيّا.

***

وفقط بعد انهيار المحاولة الانقلابيّة فى موسكو، أعلن كريموف استقلال أوزبكستان عن البناء اللينينى المترهّل. وهو سريعا ما استدرك محاولا اللّحاق بالعواطف المحلّيّة المناهضة للروس، فأعلنت بلاده، إلى جانب قازخستان وقيرغيزيا وتركمانستان، تحويل لغاتها الإثنيّة لغات قوميّة، حاذية حذو كازاخستان التى كانت الأبكر فى القومنة الثقافيّة، لأنّها كانت أكثر جمهوريّات آسيا الوسطى تعرّضا للترويس السكّانى والثقافى.

بيد أنّ ما فعله كريموف اضطرارا آنذاك، بوصفه أبغض الحلال على مناضل شيوعى، ما لبث أن صار نهجا يختاره بكامل حرّيّته، كما لو أنّه لم يكن مرّة شيوعيّا. فهو جعل بلده، منذ الحرب الأمريكيّة على أفغانستان فى 2001، حليفا للولايات المتّحدة، يقدّم لها القواعد ويوصل إمداداتها العسكريّة والتقنيّة إلى كابول. وبهذا التحالف مع من كانوا، قبل سنوات قليلة مضت، «أشرارا إمبرياليّين»، حمى بلده ممّا اعتبره ميلا روسيّا متأصّلا إلى التوسّع، كما اشترى صمت الغرب عن انتهاكاته حقوق الإنسان فى بلده.

والانتهاكات هذه كانت الثمن الفظيع لاستقرار شهد له الجميع، وأُعجب به البعض. فهو قمع العصبيّات القبليّة الكثيرة والمتناحرة، كما اضطهد النخب المدينيّة المتأثّرة بمثالات غربيّة وليبراليّة. إلاّ أنّ الإسلاميّين، الذين لم يبرأوا من رضّات الكبت الروسى، كانوا أشدّ المستهدَفين بطغيانه وباذلى أفدح أكلافه، خصوصا وقد حملوا السلاح ونفّذوا عمليّات إرهابيّة ضدّ نظامه الإرهابى. والقمع هناك كان من عيار فلكى، يرمز إليه سجن جسليك الشهير وتُتداول فى وصفه آلاف الحوادث التى يتصدّرها ما ذاع عن إحراق منشقّ حى، أو قتل متظاهرين مدنيّين بالمئات فى 2005.

***

شىء آخر وُصف به حكم إسلام كريموف الذى دام 27 عاما ثقيلة، هو أنّ التحالفات والمنافسات والمكائد المتبادلة بين زوجته وابنتيها غولنار ولولا، وموقعه هو فى هذه الخريطة البيتيّة، وموقعهنّ حياله، غدت أحد المداخل الأهمّ لفهم الحياة «السياسيّة» واتّجاهاتها، كما لفهم تداول الثروة وتوزيعها، فى أوزبكستان.

فحين رحل كريموف عن دنيانا، أبقى أمر موته سرّا لأيّام، تماما كما حصل بُعيد رحيل جوزيف ستالين فى 1953، الذى هيمنت صورته على طفولة الديكتاتور الأوزبكى ومراهقته. ذاك أنّ «البلد المستقرّ جدّا» بسبب كريموف، الذى ساوى نفسه بالبلد، مهدّد بوجوده ذاته بعد موته.

والحال أنّ سيرة الطاغية الأوزبكى صالحة، فى جوانب كثيرة منها، لأن تكون سيرة لحافظ الأسد أو صدّام حسين أو معمّر القذّافى. ففى الحالات المذكورة جميعا، ليست الأيديولوجيا والتحالفات مهمّة إلاّ فى تعبيدها الجسر إلى السلطة، وفى توفيرها اللحمة التى تتطلّبها تلك السلطة. أمّا السجون والقتل والاستئصال فمشتركة، لا فضل فيها لواحدهم على الآخر، ومشتركٌ بينهم خصوصا أنّ الإسلاميّين يبقون العدوّ الأوّل والأكبر، كما يبقون المرشّحين المرجّحين للوراثة. ومحلّ جسليك، يمكن أن نكتب تدمر وأبو غريب وأبو سليم، ومحلّ غولنار ولولا وأمّهما، تُكتب أسماء عديّ وقصيّ وبارزان ووطبان، ورفعت وبشّار وباسل وبشرى وآصف ورامى، وسيف الإسلام والمعتصم والساعدى...

لكنّ المشترك الأكبر والأساس أنّ هذه الأنظمة جميعا تؤسّس استقرارا عبوديّا يفضى حكما إلى حرب أهليّة يكاد يستحيل اجتنابها. والأشدّ بؤسا أنّها حروب أهليّة لن تنتهى إلى استقرار ينعم به بشر أحرار. فإمّا عسكريّون وأمنيّون وحزبيّون وجهازيّون يقيمون استقرارا يشبه ما تعرفه القبور، وفى عداد هؤلاء كريموف والأسدان وصدّام والقذّافى، وإمّا إسلاميّون وشعبويّون على أنواعهم ينشرون التبديد والاحتراب والتعصّب، كأنّهم الشياطين التى أغمضت عينا، وهى مغصوبة على النوم فى قبور الاستقرار، لكنّها أبقت عينا أخرى مفتوحة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved