أرق الفراش المزدوج

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 13 أكتوبر 2009 - 9:04 ص بتوقيت القاهرة

 كانوا ينصحوننا بالنوم مبكرا، فالنوم العميق لا يكون إلا فى الثلث الأول من الليل، ثم اكتشفنا أن وراء هذه النصيحة نية أخرى، هى أن ينام الصغار والمراهقون مبكرا ليستيقظوا نشيطين وأصحاء، أو ليهدأ البيت للكبار ويستريحوا من «دوشة» الأطفال وطلباتهم ومن فضولهم.!

وعندما عرفنا قلة النوم والأرق، تراوحت النصائح بين أن نتناول وجبة العشاء خفيفة ونقرأ من كتاب ليس بالضرورة شيقا أو منشطا للذاكرة وبين نفخ الوسادة بين حين وآخر والنوم على جانبها الأبرد والاستماع إلى موسيقى هادئة وتجنب محاسبة الذات على ما فعلته عدلا أم ظلما خلال النهار. نصائح أغلبها يركز على تهدئة الخاطر وعدم «تشغيل» العقل.

دارت الأيام وتعقدت حياة الإنسان وصار الأرق عند بعضنا مرضا مزمنا. واهتم الطب وصناعته وبخاصة شركات الأدوية التى لا تسمع عن شكوى إلا وصنعت لها دواء وإن قلت الشكاوى اخترعتها وروجت لها لتصنع لها دواء كما فعلت قبل أن تطرح عقار البروزاك الشهير. ولكن الاهتمام الأكبر بمشكلة الأرق جاء من أصحاب العمل الذين لاحظوا تراجع إنتاجية الفرد الذى لا يحصل على حاجته من النوم.

وراحت شركات كبرى تنفق الملايين تشجيعا للعلماء على تقصى الأسباب والتوصل إلى العلاج.

وأعلنت الأسباب، وكان بعضها مذهلا. ظهر مثلا أن أكثر من 50٪ من حالات الأرق سببها الاشتراك عند النوم فى فراش واحد.

وراح الباحثون يدققون فى الأمر، وذهب بعضهم إلى حد تحميل هذا الفراش المزدوج مسئولية مشكلات عديدة وليس فقط الأرق، وعاد إلى التاريخ وسجلاته يبحث عن موطن هذا الاختراع وجذوره فى عادات الشعوب وتقاليدها.

يقول البروفسور نيل ستانلى من جامعة Surry بإنجلترا، إنه بالبحث فى الوثائق وسجلات التجارة وبالرجوع إلى رسومات قصور كبار الإقطاعيين ورجال المال فى أوروبا، اكتشف أن الفراش المزدوج لم يظهر إلا فى خلال الثورة الصناعية فى غرب أوروبا، أى أن عمره لا يزيد على ثلاثة قرون، ويعتقد أن السبب فى ظهوره كان التكدس الهائل الذى رافق عملية التصنيع وانتقال الفلاحين من الريف إلى المدينة والسكن فى العشوائيات ومدن الصفيح. ويؤكد ستانلى أن «السرير المفرد» حتى ذلك الحين كان القاعدة أما المزدوج فكان الاستثناء.

وفى مؤتمر انعقد تحت رعاية مهرجان العلوم البريطانى فى سبتمبر الماضى أعلن البروفسور ستانلى نتائج بحثه وشاركه آخرون من المتخصصين أثبتوا جميعا أن الفراش المزدوج لم يكن مستخدما فى عصر الرومان، وأن الأساطير والحكايات العربية والإسلامية مثل ألف ليلة وليلة لا تأتى على ذكره. وتحريت بنفسى مع علماء تراث وآثار مصرية أبدوا ما يشبه الاعتقاد الجازم أن الفراعنة لم يناموا على فراش مزدوج. المعروف والسائد على مر العصور هو الفراش المفرد. ويعتقد الباحثون، ومعهم كثير من الناس يشاركونهم الرأى وإن لا يفصحون، أن النوم مسألة شخصية جدا، بل لعله الأشد أنانية بين مختلف ممارسات الإنسان. لأنه عند النوم لا يريد الفرد أن يقترب منه أو يتكلم معه أحد، النوم «لحظة فردية وشخصية» بامتياز. النوم هو اللحظة التى ينتظرها الإنسان على امتداد النهار ليخلو بها إلى نفسه. والمنطقى، إن صدق هذا الاعتقاد، أن الإنسان الذى يريد بالنوم أن يخلو لنفسه وينفرد بحاله لن يختار بإرادته الحرة فراشا مزدوجا يشاركه فيه إنسان آخر.

كثيرا ما سمعت الشكوى المعتادة من نساء ورجال عن خلافات يتسبب فيها النوم فى فراش مزدوج. بعض هؤلاء يعرب عن ثقته فى صحة المعلومة عن علاقة الفراش المزدوج بحالات الأرق، ويعترف أن الخلافات التى تنشب بين شريكى الفراش المزدوج وبسببه هى بالفعل عديدة، منها مثلا الخلاف على استعمال كواتم الصوت وأقنعة الضوء وعلى اختيار القناة التليفزيونية المفضلة وعلى النصيب العادل من الغطاء وعلى الشخير وإرضاع الأطفال أو اصطحابهم إلى الفراش أو السكوت عن تسللهم إليه. ومع ذلك يبقى النزاع الأهم هو ذلك الذى ينشب بسبب ما يزعم طرف فى الفراش بأنه راغب فى الالتصاق والتودد ويفسره طرف آخر بنوايا توسعية ورغبة فى احتلال مساحات أوسع من الفراش.

****

كان لا بد فى مؤتمر لكبار علماء النفس يناقش موضوعا على هذه الدرجة من الأهمية ويتصل بشكل أو بآخر بقضية من أهم قضايا السلام الاجتماعى أن يثير المشاركون مسألة صعوبات الإنجاب فى غياب الفراش المزدوج.

جاءت الردود على من أثاروا هذه المسألة واضحة وقاطعة «من يريد الإنجاب أو سلوك الطرق الموصلة إليه لم يمنعه على امتداد التاريخ النوم فى فراش مفرد ولن يمنعه فى المستقبل».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved