لسنا وحدنا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 13 أكتوبر 2010 - 9:02 ص بتوقيت القاهرة

 يروق للمسئولين فى بلدنا أن يرددوا ويسمعوا عبارة «لسنا وحدنا» كلما تعالت الشكوى من تفاقم الفساد واختناقات المرور وارتفاع الأسعار وزيادة الجريمة وتوحش الرأسمالية وحوادث القطارات. الناس، فى رأى المسئولين، يجب أن يعرفوا أن كل ما نشكو منه تشكو منه شعوب أخرى وإن كانت مشكلاتهم لا تأتى مجتمعة كما يحدث عندنا. كذلك يجب أن يعرف الناس فى مصر أن الحاجة وإشباعها تخضعان لاعتبارات تختلف من شعب لآخر ومن نظام حكم إلى نظام آخر.

قرأت فى إحدى صحف الأسبوع الماضى خبرا عن العجز فى اللحوم الحمراء فى مصر، عجز فى المنتج المحلى وعجز فى المستورد وعجز فى المعروض للبيع وعجز شديد ومتنامٍ فى نصيب الفرد المصرى من اللحوم. وقرأت فى صحيفة أخرى فى اليوم نفسه عن أزمة اللحوم الحمراء فى الأرجنتين. خطر على بالى أن أحدا سيدلى فى اليوم التالى بتصريح يحشر فيه العبارة الشهيرة «لسنا وحدنا».

قبل سنوات كان المواطن الأرجنتينى يقول: إن لم يأكل طوال اليوم إذا فاته لسبب أو آخر تناول وجبتين من شواء اللحم. أذكر عن السنوات التى قضيتها فى بيونس ايرس أننى كنت أتعمد تغيير خط سيرى صباحا متوجها إلى العمل لا لسبب سوى الرغبة فى الخروج عن المألوف وتحاشيا للملل الناتج عن التكرار. كنت فى صباح معظم الأيام أقابل فى الطريق عمالا وبنائين وكناسين يتناولون إفطارهم من اللحم المشوى وفى الظهيرة أمر عليهم فأراهم يشوون غذاءهم. كانت الأرجنتين فى تلك الأيام تنتج اللحوم بوفرة وتصدرها بوفرة وتستهلكها بوفرة، ولمن لم تسنح له فرصة التعرف على اللحوم الأرجنتينية بالتذوق أو الالتهام أو «الفرجة» أقول بكل ثقة الرحالة وخبرته إنه لا لحوم تعادل فى الجودة والمذاق اللحم الأرجنتينى، إلا ربما نوع من لحوم بقر فى اليابان يخضع لتربية خاصة يحسده عليها بشر كثيرون.

سرحت بالذاكرة وأنا اقرأ خبر أزمة اللحوم فى الأرجنتين فى مواطن البقر الأرجنتينى، سرحت فى سهول البامبا الشاسعة حيث يسلمك أفق إلى أفق آخر. تذكرت يوم جلس إلى جانبى فى السيارة خلال إحدى رحلاتى فى تلك السهول رياضى مصرى عرفه العالم والأرجنتينيون بخاصة، أكثر مما عرفته مصر والمصريون، وأنا هنا لا أبالغ فى وصف حب الأرجنتينيين للبطل المصرى فقد تجولنا معا فى أنحاء الداخل الأرجنتينى وقابلنا شيوخا وشبابا، رعاة ومزارعين، مسئولين محليين ومواطنين عاديين وتجولنا معا فى مصر. أكثر الناس هناك رحبوا به وهللوا لوجوده بينهم وأقلهم هنا عرفوه. ظل يسألنى خلال رحلة عبور البامبا «ألا من نهاية لهذه السهول.. مضى علينا ونحن على الطريق عشر ساعات لم نقابل قرية أو مدينة صغيرة أو مجموعة بيوت متقاربة، لا شىء إلا قطعان أبقار لا تعد ولا تحصى وبرفقة كل قطيع فارس من الجاوتشو Gaucho، راع للبقر مرتديا زيه التقليدى وعلى كتفه قيثارته وبين أمتعته المربوطة بإحكام على ظهر حصانه «شواية» لحم. وعلى بعد بعيد فى جميع الجهات الأصلية، أى فى الشمال والغرب والجنوب والشرق، يمتد أفق يتحدى الخلود بعنفوانه وعظمته.

عدت من «سرحة» الذكريات لأستكمل قراءة خبر أزمة اللحوم فى الأرجنتين، ومنه عرفت أن بعض ملاك الأراضى حرثوا فى السنوات الأخيرة 14 مليون هكتار من سهول البامبا ليزرعوا فول صويا بعد أن اتضح أن عائد بيعه أعلى من عائد تربية الماشية. وعرفت أيضا أن الطبقة الوسطى الأرجنتينية واصلت نموها فزاد حجم استهلاكها، وأن الصين بعد أن ارتفع مستوى رفاهيتها وتغير نمط استهلاك شعبها بدأت تطرق بشدة أبواب الأرجنتين لتحصل على عقود طويلة الأجل تضمن لها تدفقا مستقرا ومتناميا من لحوم الأرجنتين، عرفت أيضا أن الأوروجواى، وهى الشقيقة الصغرى للأرجنتين حصلت مؤخرا على شهادة دولية تثبت بأن شعبها هو الأكثر استهلاكا للحوم فى العالم.

الآن فهمت. الأرجنتينيون غاضبون لأنهم فقدوا المركز الأول بين الشعوب الأكثر استهلاكا للحوم فى العالم، وهو سبب كاف للغضب ولكنهم غاضبون أيضا لأن الحكومة ستضطر إلى إلغاء القيود المفروضة على تصدير اللحوم، مما يعنى نقصا مؤكدا فى المعروض من اللحوم الممتازة للاستهلاك المحلى. وبمعنى آخر، لن يأكل الأرجنتينيون اللحم سوى مرة واحدة فى اليوم، علما بأنه ما زال يرعى فى سهول البامبا نحو 48.9 مليون رأس ماشية، وما زال اللحم الأرجنتينى الأطيب مذاقا وما زال الاستهلاك اليومى للفرد الأرجنتينى من اللحم بين الأعلى فى العالم. وما زال يشكو.

كل الشعوب تشكو.!!... «لسنا وحدنا»!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved