خسرنا الأفارقة ولم نربح فى فلسطيـن

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 13 أكتوبر 2010 - 9:29 ص بتوقيت القاهرة

 وفقا لقاعدة «من ليبيا يأتى الجديد» التى اكتشفها فعممها «الأخ القائد» معمر القذافى، صارت لأهل النظام العربى قمتان فى السنة بدلا من قمة واحدة، وهكذا يمكن لقادة العالم والكتّاب والمعلقين والمراقبين والدبلوماسيين ان يضحكوا من « العرب» وتعثراتهم وارتباكهم داخل أتون خلافاتهم التى لا تنتهى فى وصلات متصلة، لا تكاد تنتهى أولاها حتى تجىء ثانيتها بمزيد من اللطائف والطرائف غير المسبوقة.

وها نحن قد شهدنا التجربة الأولى للقمة الطارئة التى افتتحت يوم السبت الماضى فى مدينة سرت الليبية التى اعتمدها القذافى عاصمة بديلة من طرابلس، وقد تعززت بعد ساعات بقمة أخرى استحدثت على عجل لتجمع شتات العرب مع شتات القارة الأفريقية، بغير تمهيد وبغير جدول أعمال محدد.
ولقد تلاقى الحشد: أغراب يلاقون أغرابا، خصوصا ان الرابط الأعظم بينهم، ونعنى مصر بالأساس، قد أهمل دوره وترك مسئولياته المباشرة، مصريا وعربيا وأفريقيا للريح على امتداد أربعة عقود طويلة، فخلا الجو لإسرائيل كى تملأ «الفراغ» العربى موظفة قدراتها وإمكاناتها الذاتية إضافة إلى «التسهيلات» الأمريكية خاصة والغربية عموما، وكذلك الخلافات العربية ــ العربية.
هل نسينا أن أكثرية العرب «أفارقة» بدءا بمصر، مرورا بالسودان والصومال فضلا عن تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا إضافة إلى ليبيا برئيسها ملك ملوك أفريقيا.. ولو إلى حين!
ثم إن الجزائر التى كان لها الموقع المميز قد انشغلت بالصحراء فصيرتها قضيتها البديلة من فلسطين، ساحبة معها المغرب إلى صراع عبثى على الأفارقة مما وسع هامش النفوذ الإسرائيلى على حساب العرب جميعا.

وأما موريتانيا فقد حولتها الانقلابات العسكرية المصنعة غربيا إلى ما يشبه القاعدة الإسرائيلية فى غيبة قبائلها المشغولة بصراعاتها..

يمكن القول باختصار: إن أهل النظام العربى قد تسببوا فى خسارة فادحة، إذ أهملوا بل نفّروا مجموعة من الشعوب الصديقة التى كادت تصل فى روابطها الحميمة مع العرب إلى حد الإخوة (وهذا هو المنطقى والطبيعى)، ودفعوها دفعا إلى أحضان إسرائيل، حتى كادت تصبح فى موقع الحليف لها والمخاصم للعرب. يكفى هنا الاستشهاد بالطرح المباغت لإعادة النظر فى توزيع الأنصبة فى مياه النيل والذى شكل «صدمة» لمن باع أصدقاءه ولم يربح عدوه، ومن غفل عن حقوق بلاده الوطنية فلم يحسن حمايتها، فلما فوجئ بتهديدها جديا ارتبك ولم يجد ما يفعله غير الهياج الأرعن الذى يزيد من خسائره السياسية والمعنوية ولا يعيد إليه أصدقاء لم يعرف كيف يحفظهم.

فأما القمة العربية التى غاب الكثير من «نجومها» فقد غرقت فى جدل لغوى عن الفوارق اللفظية بين «الجامعة» و»الاتحاد» وكأنما المشكلة فى التسمية فحسب، قبل أن يكتشف المجادلون أن الوقت المخصص لجدول أعمالهم المزدحم بالمآسى والكوارث القومية قد انتهى، فأوكلوا إلى وزرائهم النابهين أن يعملوا على صياغة بيان مخادع يتستر على فضيحة عجزهم عن التوافق على الحد الأدنى، ثم غادروا معتمدين على تفهم الإدارة الأمريكية، برئيسها ذى الجذور الإسلامية، لأسباب حرجهم، لعلها تساعدهم على تأجيل جديد للحظة الانفجار فى فلسطين عبر إقناع القيادة الإسرائيلية بإرجاء الاستيلاء الكامل على أراضى الضفة حتى الأغوار، لاستيراد المزيد من المستوطنين والتعجيل بإعلان «التطهير المطلق» لدولة يهود العالم من « الأغراب».

وهكذا ربحت الإدارة الأمريكية شهر الإنذار العربى من أجل إقرار أخطر صفقة تسليح لإسرائيل، تزودها خلالها بطاقة تدمير تكفى لإعادة المنطقة من حولها إلى عصر الإنسان الأول.

كما ربحت إسرائيل الفرصة لإقرار القانون الجديد الذى يفرض على كل من يعيش فى الأرض المحتلة أن يقسم يمين الولاء لإسرائيل الدولة اليهودية الديمقراطية... وهى بدعة لا سابق لها فى التاريخ إذ تزاوج العنصرية بالديمقراطية فتنتج هذا المسخ الذى يفرض كنموذج معاصر للتقدم الإنسانى.

... وعبر القمتين كانت أكثر المطالب العربية تطرفا أن يمدد نتنياهو المهلة شهرا بإغراءات أمريكية هائلة بالسلاح والمعدات الحربية والمساعدات الاقتصادية (التى قد يدفع بعض أثمانها وتقديماتها أهل النظام العربى أنفسهم)، مما سوف يجعل إسرائيل ــ حقيقة لا تصورا ــ واحدة من الدول العظمى، والأقوى من دول الشرق الأوسط جميعا بدءا بمصر وانتهاء بإيران، ومعها ــ على الأرجح ــ تركيا.

ومع أن مبدأ تلاقى العرب والأفارقة على مستوى القمة(؟!) هو تطور إيجابى، إلا أن اجتماع ألف ضعيف لا ينتج قوة، فكيف إذا كانت الخلافات تعصف بصفوف الطرفين، وهذا ما ثبت فى القمة الأولى وتأكد فى القمة الثانية.

وكيف إذا كانت إسرائيل قد اخترقت صفوف الجمعين معا، فغدا لها وجود مؤثر، ومع الوجود نفوذ معزز بالمساعدات والاتفاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وباتت تملك حق الفيتو على القرار فى العديد من الدول العربية والأفريقية.

وكيف إذا كانت «السلطة الفلسطينية» تتهاوى ضعفا وارتباكا وتوالى تقديم التنازلات (بتحريض مباشر من أهل النظام العربى، بل وبرعاية مصورة، بغض النظر عن واقعة التزوير فى الصور..)، فإذا جاءت اللحظة الحاسمة وحاولت المكابرة عبر التهديد بالاستقالة، ضاع تهديدها فى الهواء، لان قرارها ــ حتى فى الاستقالة! ليس فى يدها... ولطالما كابرت فحاولت أن ترفض بعض العروض المهينة، لكنها عادت فقبلتها لا فرق أن يكون هذا القبول قد تم بضغط أمريكى أو عربى أو مشترك أو بفعل تخوفها من حالة التآكل الداخلى التى تجعل تهديدها موجها إلى الشعب الفلسطينى وليس إلى إسرائيل التى كانت عدوا فباتت مرجعا.. للسلام!

لقد واكبت قيادات عربية مؤثرة المحاولة الأمريكية البائسة لتليين «التطرف الإسرائيلى» ليس من اجل حقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه، وفى دولة له فيها، بل لحماية أوضاعها من الهزات الارتدادية على « الداخل».

وبمعنى ما فإن رئيس السلطة الذى لم يشتهر عنه التطرف قد وجد نفسه مضطرا إلى رفض العرض الانتحارى الذى قدم له وكان مستحيلا عليه قبوله، حتى وهو محاصر «بحماته» و«مناصريه» بل محرضيه على الرضا بالمقسوم طالما أن الأمريكى هو الضامن..

ولم يكن بحاجة إلى ذكاء خارق لكى يتحقق أن الرئيس الأمريكى الأسمر قد انقلب على ذاته وابتلع خطبه «العربية» ولكنته الإسلامية لينضبط خلف «دولة يهود العالم» متعهدا بأن يقدم لها ما يجعلها إمبراطورية الشرق بوصفها الوجه الآخر لإمبراطورية الغرب ومن موقع الشريك وليس التابع أو النصير أو الأخ الأصغر.

بديهى والحال هذه أن يتدبر أهل النظام العربى أمرهم، وأن يتحولوا من موقفهم الضاغط لتحسين شروط المفاوض الفلسطينى إلى حماية أوضاعهم المتهالكة بالضغط عليه(عبر التواطؤ معه) فيتذرع بهم ويتذرعون بوضعه الدقيق والحرج وضرورة استنقاذ ما يمكن إنقاذه. حتى لا يدينهم التاريخ!

كانت القمة فى بداية اعتمادها موعدا للقاء سنوى يتم فيه استعراض مجمل المشكلات العربية، تتم فيه مصالحات تنهى إشكالات أو خصومات لا مبرر لها، ويتفق فيه على خطة أولية للتحرك المشترك عبر وحدة الموقف إذا ما تعذر الاتفاق على هدف موحد.

ثم اختلف الزمان فباتت القمة لا تعقد إلا بوساطات وشفاعات وتهديدات ومداخلات أجنبية (أمريكية غالبا) لانتزاع تنازل عربى جديد، أساسا فيما يخص قضية فلسطين، وإجمالا فى ما يتصل بتخلى العرب عن الموقف الجامع الذى يجعل منهم قوة سياسية مؤثرة.

من هنا يمكن القول، إن إسرائيل الغائبة بالمعنى الرسمى هى الأعظم حضورا بالمعنى العملى، فلها جمهور أفريقى مؤثر كما لها جمهور عربى معطل لأى توجه نحو معاملتها كعدو، للعرب أساسا، ولجماهير الشعوب المستضعفة عموما.

إسرائيل الآن «قوة تعطيل عربية»، بقدر ما هى قوة تأثير افريقية... وما يعز عليها نيله منفردة يأتيها عبر الأغراء (أو الضغط) الأمريكى.

بل إن العديد من الدول الأفريقية التى صدقت العرب فقاطعت إسرائيل أو خاصمتها لحين من الدهر تشعر اليوم بمرارة هائلة لان أولئك العرب اندفعوا إلى مصالحة إسرائيل بشروطها، وتركوا «أصدقاءهم الأفارقة» فى وضع دونكيشوتى طريف: يقاتلون لحساب من صالح، بدافع من الأخوة والشراكة فى المصير، بينما «رفاق السلاح العرب» باتوا يلومونهم على استمرارهم فى موقفهم العدائى بل العبثى الذى لم يعد له ما يبرره.

لا اتفاق بين العرب المنقسمين الآن بين مصالحين بالشروط الإسرائيلية، ومعترضين إما لأسباب مبدئية (وهم قلة) وإما لأنهم أهملوا طويلا... فكيف، وبأى من المنطقين سيقنعون أشقاءهم الأفارقة؟
آخر الطرائف: أن أهل النظام العربى، لاسيما الأغنياء منهم، قد باتوا من كبار المستثمرين فى الدول الأفريقية. ولقد تفاءل المواطن العربى، للحظة، مفترضا أن «المال العربى» سيوظف، أخيرا، من اجل نصرة قضاياه، لاسيما وانه يفيد أشقاءه الأفارقة.

لكن واقع الأمر أن هذا التوظيف قد صب لمصلحة إسرائيل، عندما اكتشف أهل النظام العربى أن لإسرائيل قوة تأثير لا يمكن تجاهلها... وبالتالى صار عليهم واجب طمأنة إسرائيل حتى لا تتهمهم ــ لا سمح الله ــ بأنهم يجيئون إلى أفريقيا لطردها منها.

قمتان بدل قمة واحدة... هزيمتان بدل هزيمة واحدة، وفى توقيت مناسب تماما لإعلان قيام دولة يهود العالم على الأرض التى كانت تسمى فلسطين!

ماذا لو استغنينا عن القمم، واكتفينا بفضائح على مستوى السفح؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved