طويل العمر

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

شاهدته جالسا فى الصف الأمامى يستند بذقنه على عصاه وقد تدلت نظارته حتى لامست ذبابة أنفه. سمعته يسعل أكثر من مرة ولكنه السعال الذى لا ينبئ بخطر داهم ولا يثير جزع أصحاب الاحتفال والمشاركين. كان يستمع كما كنا إلى بعض منظمى الجلسة وهم يحفزون الحضور ويحرضونهم. فجأة انتفض صاحبنا انتفاضة رجل عجوز ونهض واقفا وقفة إنسان تؤلمه عضلات ساقيه ومفاصلهما ويزعجه أيما ازعاج انفلات غضاريف سلسلته الفقرية. سعل سعلتين ثم انطلقت من فمه كلمات كالرصاص. أظن أنه اكتشف بعد تقاعده أن التقدم فى العمر فى حد ذاته يمكن أن يصبح وظيفة تدر مالا أو أمنا أو جاها أو كلها معا. كان منفعلا بغضب مفتعل افتعال كبار السن والأطفال عند لحظة الرغبة الملحة لتوصيل رسالة إلى من بيده الأمر. ركز مضمون صراخه على الأصغر عمرا من زملاء المهنة ورفاق الطريق. اتهمهم بأنهم لا يعرفون. تنقصهم الخبرة والتجربة. خضعوا للغواية ومتآمرون. لا يرقى فكرهم ولا تاريخهم ولا تدريبهم إلى مستوى عظائم الأخطار والمؤامرات التى تهدد الوطن. توقف فجأة عن الصراخ ولسان حالى يقول همسا «ما أتعسه وطن يمتطيه كل مخرف وهاوٍ وانتهازى وفاسد وجاهل وعبدلسلطة أو سلطان».
***

ما من مرة جاءت سيرة كبار السن فى وجود أولادى وأحفادى إلا وتذكرت طفولتى. أشعر أن أقرب الأهل إلى بعضهم شبها وارتياحا هم الأطفال والمتقدمون فى العمر. ارتسمت فى خيالى صورة لا تبارح. صورتنا ثلاثة أبناء وبنات خالات وقد جلسنا على فخذى جدتى نلهو معها. كانت ونحن فى هذا الوضع المريح جدا لنا تطعمنا وتدغدغنا وتغسل لنا وجوهنا بعد إطعامنا. تتداخل الصور فأذكرها فى واحدة منها وهى تدعو لنا ونحن على وشك العودة مع أمهاتنا إلى بيوتنا «روحوا انشالله ربنا يكتبلكم الزوجة المطيعة والذرية الصالحة». عشت طفولتى أعرف أن كل الجدات سمينات سمنة جدتى وحجر الواحدة منهن يتسع لطفلين وأكثر وحنانهن يفيض وصبرهن لا ينفد ولا يستقبلن ضيوفهن إلا وقد ارتدين الأسود. عشت أتخيلهن كجدتى لا يتركن الفراش جالسات فيه ومن حوله فى الغرفة الواسعة بناتها مستلقيات أو منشغلات بتحضير طعام أو ترميم جوارب وتثبيت زراير وأطفالهن عند المشربيات يتسلون بحركة الشارع وينادون على بائع البليلة.
***

عملت خلال مراحل شبابى مع كثيرين من المتقدمين فى العمر. لفت انتباهى ذاكرتهم القوية فى كل ما يتعلق بالماضى البعيد نسبيا. كانوا يلجأون الينا من أجل تفاصيل الأحداث القريبة. أحدهم كان يعتمد اعتمادا كاملا على ذاكرتى لاستحضار تفاصيل مقابلات دبلوماسية حضرناها معا. وجدت نفسى عندما تقدمت فى العمر ألجأ إلى جوجل أو أفعل مثله فألجأ إلى زملاء من الشباب حتى اكتشفت أنهم هم أنفسهم صاروا يعتمدون أكثر فأكثر على نفس المصدر ليتذكروا أحداثا عاصرناها معا أو أشياء اشتركنا فى صنعها. تصادقت وأحد رؤسائى من متقدمى العمر. كنا نقضى الساعات هو يحكى حكايات نجاحه وأنا أبحث فيها عن حكمة أو درس. حاولت مرارا أن أبدو منتبها وأنا أسمع للمرة العاشرة تفاصيل عن وقائع مثل العشاء الذى أقامه لتكريم رئيس بلاده. قال ونسى إنه قال إنه اختار صحونا وكئوسا زهرية اللون ومفارش سفرة وفوط مائدة كذلك زهرية وألبس النادلات ملابس زهرية واقترح على المدعوين أن يشربوا النخب شمبانيا زهرية اللون. وعدت نفسى أن أتفادى التفاصيل عندما يتقدم بى العمر وتدفعنى الظروف إلى سرد حكايات إنجاز أو التفاخر بسلامة الذاكرة.
***

أهى الذاكرة تقوى أم هو الوفاء لمراحل وأحداث ووقائع فى الماضى؟. عرفت أصدقاء تقدم بهم العمر فراحوا يبحثون عن شركائهم فى أول قصة حب. سمعت من صديقة تعتز بنفسها وقوامها وشخصيتها وهى فى هذه السن المتقدمة سمعتها تقول إنها قضت بعض أجمل سنوات شيخوختها تبحث عن رجل يصغرها قليلا تعرفت عليه وهى فى الخامسة وعشرين من عمرها. أحبته ولم يعرف. ظلت قريبة منه وهو لا يشعر لفترة من الزمن قبل أن يختفى هو وعائلته. انشغلت بما راحت تحققه هى وأولادها وأحفادها من نجاحات وشهرة فى المجتمع. كبرت عائلتها الصغيرة وتفرعت ثم انفرطت وبقيت هى وحيدة. راحت تبحث عن الرجل الذى لم يكن لها. تقول «يا ريت أشوفه عشان أقول له إن أنا كنت باحلم إن أنا وأنت حنتجوز ونخلف ونبقى جدة وجد ونعجز سوا». لحظة صدق لا يدرك قيمتها إلا من تقدم به العمر فلم يعد يخشى أحدا أو يكتم سرا أو يتنكر لأحلى ما مر به ولم يعش فيه. هو نوع من الوفاء، وفاء الشيوخ تلقائى وطبيعى كوفاء الأطفال.
***

عشت لفترة قصيرة فى مطلع شبابى، ربما بعد تخرجى مباشرة، فى بنسيون بحى كامب شيزار تملكه وتديره سيدة أجنبية تقدم بها العمر. أذكر يوما جمعنا فيه على مائدة عشاء احتفال بمناسبة خاصة. جلس معنا على المائدة رجل جعله الشيب وسيما والذكاء حكيما وحلاوة اللسان جذابا وحسن اختيار الملبس أنيقا. كاد يبدو فى نظرى إلها من آلهة أساطير اليونان. أفقت من انبهارى على صوت سيدة الدار تدعونى أشرب فى نخب العلاقة التى ربطت بينهما على امتداد عشرين عاما. قالت «دعونى أشرب فى صحة الرجل الذى استطاع بقلبه الدافئ وخلقه الطيب أن يمنحنى السعادة وكل هذا الحب». ثم نظرت إليه وقالت «أنت العمر الذى أضفته إلى عمرى. بوجودك فى حياتى عشت عمرا آخر وربما ثلاثة. أشكرك يا أغلى البشر».
***
هكذا كان الحب عند الكبار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved