لبنان المعزول عربيًا


صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 14 مارس 2016 - 10:45 م بتوقيت القاهرة

يشكل القرار الأخير لجامعة الدول العربية بتصنيف «حزب الله» تنظيما «إرهابيا» نقلة جديدة فى مستوى تدهور العلاقات العربية مع لبنان، وليس فقط مع «حزب الله». إنه تدهور يفوق الأزمة الأخيرة مع دول مجلس التعاون الخليجى التى اعتمدت التصنيف نفسه للحزب. ذلك أن عزلة لبنان الآن هى عزلة عربية بامتياز، بعد أن كان البلد الذى يحن العرب إليه وعليه. لم يعد العرب مستعدين لتفهم عذر لبنان، كما طالبهم وزير خارجيته، لتبرير عدم تأييد القرار الخليجى ومن بعده القرار العربى، بأنه عاجز عن السير فى قرار كهذا بحق ما يسمى «مكونا أساسيا» من مكونات المجتمع اللبنانى، يمس التعرض له «الاستقرار الداخلى». لأن هذا العذر يثبت ما يقوله العرب من أن لبنان أصبح بلدا مغلوبا على أمره، باتت القرارات السياسية مفروضة عليه بقوة السلاح غير الشرعى، وبالتهديد بتعريض أمنه لخطر الحرب الأهلية بواسطة هذا السلاح، إذا تجرأ أى مسئول على الإقدام على أى قرار يستفز «حزب الله» أو يتعارض مع مواقفه ومصالحه.

من هنا ليس منصفا تحميل الوزير جبران باسيل وحده مسئولية هذا الابتعاد عن الإجماع العربى، عندما يتعلق الأمر بـ «حزب الله». إذ لو كان أى وزير آخر مشاركا فى اجتماعات الجامعة العربية فى القاهرة نهار الجمعة الماضى، لما تجرأ على اتخاذ أى موقف آخر، سواء كان هذا الوزير من الكتل الحليفة لـ«حزب الله» أو من خصومه. وقد تابعنا رئيس الحكومة السابق سعد الحريرى فى إطلالته التلفزيونية الأخيرة، التى أكد فيها أكثر من مرة ضرورة استمرار الحوار مع «حزب الله»، حرصا على ما أصبح متعارفا عليه بـ «السلم الأهلى»، على رغم ما لدى الحريرى من تحفظات على سلوك الحزب وممارساته فى مختلف الدول الخليجية والعربية، فضلا عن ممارساته فى لبنان نفسه، وسياسة التعطيل التى يفرضها على عمل المؤسسات الدستورية، إذا كان عملها وقراراتها تسير بعكس ما يخدم أهدافه. والدليل الأوضح على ذلك ما يمارسه الحزب بتعطيل جلسات مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية.

ينزعج الفريق الموالى لـ «حزب الله» عندما يصف المسئولون العرب لبنان بأنه بلد «مخطوف» من قبل الحزب. إذا لم يكن هذا السلوك خطفا، فماذا يمكن أن يكون؟ أليس المخطوف هو ذلك الشخص الذى تتم مصادرة قراره واحتجازه بانتظار كسب الثمن المناسب لإطلاقه، أو الإجهاز عليه إذا لم يتم تحصيل هذا الثمن؟

أبعد من تداعيات القرار العربى على لبنان، لابد من الانتباه إلى الجانب «القومى» فى أبعاد هذا القرار، الذى يكرس صراع المصالح الإقليمية بين العرب وايران، ويطرح بالتالى سؤالا على الشيعة العرب يتعلق بموقعهم الحقيقى فى هذا الصراع. لقد شكل الاجتماع الأخير للجامعة العربية منصة لإبراز هذا الصراع على حقيقته، وربما للمرة الأولى فى تاريخ الجامعة على هذا النحو. لم يكن ابتعاد جبران باسيل عن الإجماع العربى هو الظاهرة اللافتة الوحيدة، بل كانت المداخلة الحادة لوزير الخارجية العراقى ابراهيم الجعفرى، الذى وصف العرب بأنهم «إرهابيون»، إشارة بارزة إلى طبيعة الاصطفافات فى هذه المرحلة، إذ باتت الخلافات فى الانتماء المذهبى انعكاسا للخلافات فى الانتماء القومى، حيث لا يتردد وزير «عربى» أن يقف على منصة جامعة العرب ليدافع عن ايران ضد زملائه المفترضين من أبناء الهوية المشتركة.

أخطر ما فعلته الميليشيات الطائفية فى المنطقة هو إرغام فئة واسعة من أبنائها على السير فى ركب هذا الاصطفاف المذهبى والانقلاب على هويتها الحقيقية وانتمائها القومى. من هنا أهمية النداء الذى وجهه شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب، واستنكر فيه ممارسات «حزب الله» و«الحشد الشعبى» العراقى، والدعوة التى وجهها إلى المراجع الشيعية المعتدلة فى العالم العربى، لإصدار فتوى صريحة «تحرم عمليات القتل الممنهجة التى ترتكبها هذه الميليشيات ضد أهل السنة»، وتلتزم مبدأ الحوار والاعتدال كسبيل لحل الخلافات بين أبناء الدول العربية.
  
  الحياة ــ لندن
  
إلياس حرفوش

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved