لن يموت قبل أن يموت

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 14 أبريل 2010 - 11:49 ص بتوقيت القاهرة

لا يترك المقعد الجالس عليه. تربطه أسلاك شتى وأنابيب إلى طاقة كهربائية وأكياس الجلوكوز والطعام السائل. يتنفس بفضل مضخة هواء. يكاد يلتصق بشفتيه ميكروفون صغير ينقل إلى السامعين فى الغرفة صوته المغلف بحشرجات تزعجه أكثر مما تقلق الآخرين.

قال إنه شعر باقتراب المرض «عندما استخدمت ذات يوم كل قوتى لأقذف بالكرة كالعادة إلى أبعد مسافة ممكنة، فإذا بها تطير متكاسلة ثم تهوى قبل أن تصل إلى منتصف المسافة التى كنت قررت أن تصل إليها. عرفت فى تلك اللحظة أن شيئا خطيرا على وشك أن يلم بى ونشطت ذاكرتى تربط بين الأعراض عن اسم المرض. ولم تبحث طويلا، فالمرض معروف باسم لو جهريج lou gehrig نسبة إلى لاعب أمريكى للبيسبول اشتهر بقذف الكرة إلى أبعد مما يستطيع لاعب آخر فى عصره. كان يلعب ذات يوم فى حضور عشرات الألوف من مشجعيه فقذف بالكرة كما تعود أن يقذف وإذا بها تترنح فى الطريق وتسقط على بعد ياردات قليلة».

خرج صوته من الميكروفون متقطعا بحشرجة مقلقة. كان يشرح حالته فيقول أنه فاقد السيطرة تماما على جميع أطرافه ويتنفس عبر مضخة الهواء التى تعمل بدون توقف ليل نهار. لا يشعر بألم والسبب بسيط وواضح، إذ لا شىء فى جسمه يتحرك. ولكنه لا يحب الليل، ففى الليل يطلب جلده الحك حين لا يكون فى الغرفة أحد يحكه له. وكان اكتشافا بين اكتشافات كثيرة وقع عليها خلال ثمانية عشر شهرا قضاها مربوطا إلى هذا المقعد. اكتشف أن الحاجة إلى حك الجلد تكون أحيانا موجعة بأكثر من الحاجة إلى التخفيف من أوجاع صدمة أليمة أو جرح شديد غائر.

ـ ـ ـ ـ ـ

لا أظن أن أحدا فى ظروفه العادية دار بخلده ما دار بخلد مريضنا عن أهمية هذا الرأس الذى نحمله فوق أكتافنا. يقول إنه لم يعرف يوما عدد وحجم المهام التى يعين على الرأس أن تقوم بها إذا تعطلت أجزاء أخرى فى جسم الإنسان. فبالعينين نبصر ونراقب ونلاحظ وبتوقد لمعانهما نرسل رسائل وإشارات وبانطفائهما نبلغ الرغبة فى هدوء أو نوم. وبالأذنين نسمح للآخرين بأن يديروا حوارا مع ما يدور فى أذهاننا. ومن فتحتى الأنف تمر أنابيب الغذاء والهواء. ومن الفم تخرج الأنفاس وتدخل ويصدر الصوت، هذا الصوت الذى لم يعرف صديقنا المقيم دائما فى مقعده أهميته حتى أصابه المرض فخضع لتدريب على «تكوين» نوع من الشهقات والزفرات تخرج عن طريق غير طريق حبال الصوت ومنها تمر فى أسلاك متصلة بميكروفون يحولها إلى حروف وكلمات. للرأس فوائد كثيرة غير الفائدة الأعظم التى يقدمها المخ الذى يلعب الدور الأساسى فى التعويض عن فقدان الأحاسيس والأطراف. فالمخ، إن صح، يبقى مهما كان حال الجسد قادرا على توليد عوالم افتراضية للحب والغضب والتفاؤل والتشاؤم والإبداع فكرا وعلما وأدبا.

تحدث مريضنا إلى زائره عن مرضه قائلا إنه بمثل هذا المرض «يفقد الإنسان استقلاليته، وما أصعب هذا الأمر على شخص تعود أن يتعامل مع حريته الشخصية بحساسية شديدة». ولكنه يؤكد أنه «لا هذا المرض أو غيره يستطيع قمع الإرادة الأدبية والأخلاقية لإنسان حريص عليها.. المريض قد يحزن وقد يتشاءم وقد يغضب ولكنه يستطيع دائما أن يبدو غير بائس، فالبؤس لا يأتى إلا مع فقر الإرادة الأدبية والأخلاقية، وهذا على كل حال يمكن أن يصيب بشرا كثيرين، خاصة من فئة الكتاب والعاملين فى قطاعات الإعلام والعمل العام، ويعتبر فى حد ذاته أحد أهم خصائص محترفى العمل السياسى. هؤلاء، فى الغالب، بائسون معظم الوقت وإن لم يعترفوا بذلك.

نقل الزائر إلينا بدهشة شديدة إصرار مريضنا المقيدة حركته وحريته على اتهام السياسيين بأنهم أقزام، واختار مثلا طونى بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق ليقول عن إنه «نما فصار قزما» واختار جوردن براون الرئيس المقيم الآن فى 10 داوننج ستريت مثلا ثانيا ليقول عنه إنه «انكمش فصار قزما»، والسبب فى رأى مريضنا المؤرخ هو أن كلا منهما فاقد للإرادة الأدبية والأخلاقية. أحدهما جاء إلى الساحة السياسية فاقدا إياها، والآخر جاء بها وفقدها بالعمل السياسى. هذان الرجلان، مثل كثير من السياسيين، يتحركان بحرية وأطرافهما سليمة ويتنفسان طبيعيا من أنفيهما وفميهما ويخطبان فى الناس بكلمات عزفتها حبال صوت عاملة وأخرجتها حنجرة قوية، «ولكنهما بائسان لافتقادهما الإرادة الأدبية والأخلاقية». أمامنا رجل يصف نفسه بأنه مومياء بشرية حية يجلس فى وضع «المتقرفص» فاقدا للحركة ومعظم البصر وكل الصوت، ومع ذلك ما زال يمثلك القدرة على أن يعبر عن رأيه بإرادة حرة ويقوم أمور الدنيا بموضوعية ويصدر أحكاما بدون شائبة أخلاقية.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

مريضنا «المومياء الحية والإنسان الحر»، هو الكاتب والأديب والمؤرخ طونى جاط الذى وجه الدعوة إلى زملاء له من الصحفيين وأساتذة الجامعات والأدباء ليتحدث معهم عن مذكراته التى قضى شهور مرضه «منكبا على كتابتها» إن صح التعبير فى مثل حالته، وليقول لهم وهو يودعهم بلمعة برقت فى عينيه، «يمكننى فى لحظة أن أطلب من زوجتى أو ممرضتى سحب أنابيب الحياة وأسلاكها، وبخاصة السلك المتصل بمضخة الهواء، ولكنى لن أفعل ... لأننى لا أريد أن أموت قبل أن أموت».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved