أصوات المدينة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 14 مايو 2014 - 2:55 ص بتوقيت القاهرة

عاد سرادق العزاء بمكبرات الصوت يزيد المرور تعقيدا والسمع إهلاكا، لا سبيل لإقناع أصحاب العزاء ومؤجرى المكبرات أن المقصود بالعزاء هو الرحمة للفقيد وللأهل والمعزين.. الذكرى الطيبة والطمأنينة وسلام المناسبة. لا أمل فى اجتذابهم للرأى القائل أن لا ذنب لعشرات وربما مئات الألوف من سكان الحى فى الحدث وتبعاته المرورية والصحية، وأن لا سلطة ولا حق لشخص يسمح له بأن يفرض على هؤلاء السكان المطحونين فى نهارهم المشاطرة فى الحزن والخضوع قسرا لجهاز يكبر الصوت ويقتل الكلمات ومعانيها العظيمة.

•••

نشرت مجلة بروسبكت الأمريكية مقالا ورد فيه حديث عن دراسة أجريت فى عام 2012. تؤكد الدراسة أن رفع الصوت اصطناعيا، أى باستخدام مكبرات الصوت، يؤدى المبالغة فيه إلى الصمم. تشير أيضا إلى دراسات سابقة أثبتت أن جينات البشر غير مجهزة لاستقبال درجة عالية من الضوضاء. تتسبب هذه الضوضاء، كما نعرف، فى الإصابة بالصداع وحالات إغماء وفى العجز الجنسى وضعف النظر، كما تتسبب فى مشكلات بالقلب والأوعية الدموية، وفى المعدة والأمعاء والجهاز التنفسى. دراسات أخرى وجدت أن سكان أشهر أحياء نيويورك ضجيجا وصخبا قليلو الذكاء وأكثر عرضة للسكتة القلبية.

•••

ليس غريبا على ضوء هذه الدراسات، أن تستخدم الجهات المتخصصة فى تعذيب البشر الضجة العالية لإجبار المعذبين على الإدلاء بمعلومات أو الشهادة زورا أو الاعتراف بذنوب لم يرتكبوها أو كلها معا. قام بذلك الجيش الأمريكى فى العراق. وأبدع فى ممارستها شياطين التعذيب فى معسكرات الاعتقال بأفغانستان. اتضح أيضا أن الأسطول البريطانى يستخدم مكبرات الصوت لبث أغانى وموسيقى بهدف إخراج القراصنة الصومالية من مخابئهم، ويستخدمها المتظاهرون فى أوكرانيا ضد خصومهم الموالين لروسيا والداعين للانفصال.

•••

على كل حال، يشهد التاريخ على أن محاولات جادة وحقيقية جرت عبر القرون لتنظيم «الصوت» داخل المدن جرت آخر المحاولات فى مدينة نيو أورليانز وهى المدينة الأشد صخبا فى أمريكا. يحاولون هناك وضع قانون جديد يسعى لتنظيم «الصوت» فى شارع بوربون كما يطلق عليه بالفرنسية «Rue des Bourbon» بعد أن تغير طابعه الشهير ليصبح حيا سكنيا وإداريا، بعد أن كان الحى الأشهر سمعة فى عالم الجاز والأفراح والجنائز والملاهى الليلية والبيوت الحمراء. باءت جميع المحاولات السابقة بالفشل، وكان أقدمها قانون صادر عام 1831. المشكلة التى وقفت حجر عثرة، كانت ومازالت، فى الخلاف حول التعريف القانونى لكلمتى السلام والهدوء.

•••

الصخب مصاحب للبشر. أينما وجد الإنسان وجدت الضوضاء. قرأنا أفلاطون الذى قرر ألا يزيد عدد سكان «الجمهورية» عن 5040 مواطنا، باعتباره العدد الذى يضمن وصول كلمات الخطباء إلى أسماع كل المواطنين، أى العدد الذى لن يتسبب فى صخب يضيع معه صوت الخطباء والزعماء. أما يوليوس قيصر فقد أصدر قانونا يحرم على العربات الثقيلة دخول المدن بين الفجر وغروب الشمس، بسبب الصوت الذى يصدره احتكاك العجلات الخشبية والحديدية بالطرق المرصوفة بالحجارة الثقيلة. وفى العصور الوسطى، كان لأجراس الكنائس وظيفة أخرى غير وظائف الدعوة للصلوات والجنائز والإبلاغ عن الكوارث، وهى ان يتغلب صوت الأجراس على أى صوت آخر فى المدينة، فلا يعلو صوت على صوت الكنيسة.

وفى إنجلترا، صدرت فى القرن الثالث عشر قوانين عديدة تحرم إقامة ورش حدادة فى مواقع معينة داخل لندن، حين كان العامة يعتقدون أن الصوت الصادر عن ارتطام الأزميل بالحديد الساخن، الأسوأ بين مسببات الصمم والجنون.

•••

قيل فى سالف الأزمنة إن الصمم أخطر على المجتمعات من العمى. فالعمى قد يفصل الإنسان عن الأشياء، بينما الصمم يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان. قيل كذلك على لسان الراوى فى ملحمة جلجامش ما معناه أن الناس تكاثروا حتى ازداد الضجيج فتعذر على الإله الأعظم النوم. تقرر على الفور انعقاد المجلس الأعلى للآلهة ليستمع إلى الشكوى ويناقش الأمر الخطير، وفى نهاية الاجتماع صدر بيان المجلس تتصدره العبارة التالية: لقد قرر الآلهة مجتمعين إبادة البشر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved