هليوبوليس مدينة الشمس.. رائدة المجتمعات العمرانية السكنية الجديدة فى مصر

سامح عبدالله العلايلى
سامح عبدالله العلايلى

آخر تحديث: الإثنين 14 أغسطس 2017 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

بداية لا يمكن التطرق إلى موضوع مصر الجديدة قبل الاعتراف بالفضل لصاحبها.. إدوارد إمبان؛ رجل الأعمال المغامر المستنير عاشق الشرق، ذو العقلية والإمكانيات الفذة. لقد كان عمل إمبان مغامرة كبرى بمقاييس زمنها كان يمكن أن تقضى على صاحبها، إلا أنه بفضل رؤيته الثاقبة وقدرته على المناورة وإرادته الصلبة وإصراره على النجاح تمكن من تخطى جميع العقبات والمعوقات التى كان يمكن أن تُجهِض حُلمه منذ البداية.
كذلك علينا أيضا أن نتذكر بالتقدير الباحث الفرنسى روبير أيبير Robert Ilbert، الذى قام بدراسة هذه التجربة دراسة مستفيضة، ونجح فى صياغة سيناريو مترابط دقيق البنيان ومتكامل لقصة مصر الجديدة منذ مرحلة الفكرة الأولية، من خلال تجميع وتحليل كم هائل ومتناثر من المعلومات فى بروكسل ومصر الجديدة بالإضافة إلى الدراسات الميدانية، وحصل ايبير على درجة الدكتوراه عن ذلك البحث عام 1979 من قسم الدراسات الإسلامية بجامعة إكس إن بروفنس فى جنوب فرنسا وعنوانها « هليوبوليس.. شباب مدينة»، لقد أتاح ذلك العمل الفرصة للعديد من المتخصصين والباحثين للتعرف على خلفيات ذلك الحدث التاريخى المهم.
إن مصر الجديدة تُمثل نموذجا أثبت نجاحه من نماذج المدن والتجمعات العمرانية الجديدة السكنية المقامة فى اتجاه الصحراء، وكان وراء نجاح ذلك النموذج مبادرة فردية قام بها رجل أعمال غريب عن البلاد، طرأت على ذهنه فكرة خيالية عن تعمير صحراء مصر بإنشاء ضواحى ومدن وتجمعات سكنية فى اتجاه الصحراء الفسيحة، بهدف جذب سكان وادى النيل الضيق كثيف الازدحام المكتظ بالبشر والمنشآت من مواقع استيطانهم التقليدية إلى مواقع جديدة، مما يساهم فى إعادة توزيع السكان بأسلوب متوازن على أرض البلاد ويخفف من الآثار السلبية للعدوان العمرانى المتزايد على المسطح الأخضر المحدود، وبذلك يكون هذا المغامر الأجنبى قد سبقنا نحن أهل البلاد بقرن من الزمان فى التفكير فى حتمية توجيه النمو العمرانى فى مصر نحو الصحراء.
***
نشأ إدوارد إمبان، الأب الروحى لمصر الجديدة فى وسط ريفى من عائلة عديدة الأفراد شحيحة الموارد، إلا أنه لم يستسلم لواقعه الاجتماعى الاقتصادى، حيث سعى لإنهاء دراسته فى مجال الهندسة الكهربائية، وانطلق بعدها فى مجالات الحياة والعمل، وعلى الرغم من أنه قد بدأ حياته من الصفر إلا إنه أنهاها وهو متربع على عرش واحدة من أكبر إمبراطوريات الأعمال والصناعة فى القرن العشرين، وحصل على رتبة جنرال فى الجيش البلجيكى دون إطلاق رصاصة واحدة، كما أُنعم عليه بلقب بارون وهو القادم من طبقة اجتماعية متواضعة لينضم بذلك إلى طبقة نبلاء بلجيكا.
بدأت علاقة إمبان بمصر فى أواخر القرن التاسع عشر منجذبا إليها أولا بسبب عشقه للشرق، وثانيا بسبب قوة ومصالح الجالية البلجيكية فى مصر قليلة العدد كثيرة النفوذ، وقام بإنشاء عدد من الشركات فى مجالات النقل الحديدية والملاحية، بالإضافة إلى اهتمامه بالتاريخ والتراث المحلى حيث تولى تمويل حفريات عالم المصريات «جان كابار»، ومع زيادة ارتباطاته وزياراته لمصر ولدت فى ذهنه فكرة مدينة الشمس.
فقد لمس إمبان بنفسه خلال هذه الفترة مدى تكدس السكان فوق مساحة محدودة من أراضى الوادى الأخضر بينما بقية الأراضى الصحراوية خاوية تماما من مظاهر الحياة، كما تنبه إلى انخفاض مستوى المساكن المتوفرة آنذاك فى مدينة القاهرة، عندئذ طرح إمبان على نفسه سؤالا عن إمكانية توفير مواقع جديدة لاستيطان السكان فى اتجاه الصحراء، حيث تتوفر مساحات هائلة من الأراضى زهيدة الثمن هوائها صحى نقى جاف، كما تساءل عن كيفية جذب سكان القاهرة المتكدسين وإقناعهم بالانتقال للعيش فى بيئة جديدة.
وتصادف أن تلك الحقبة صاحبها حمى مضاربات عقارية على الأراضى، وخاصة تلك المطلة على النيل، وانتشرت أعمال الهدم للمبانى القديمة لإعادة البناء، حيث كان ذلك يمثل أفضل استثمار خلال فترة سميت بحمى الخديو إسماعيل، وسجلت أسعار الأراضى ارتفاعا هائلا مقداره أربعون ضعفا خلال عشر سنوات من 1895 إلى 1905، وساهم ارتفاع ثمن الأراضى فى إبطاء حركة البناء، وغرقت القاهرة فى أزمتى غلاء معيشة ونقص شديد فى توفر المساكن المناسبة، كما أثرت أعمال الهدم على حالة النظافة العامة وغمرت الأتربة المدينة بشكل لم يكن معروفا من قبل، هنا يمكن أن نتفهم سر تلك الفكرة العبقرية التى تبلورت فى خيال إمبان، بإمكانية حصوله على أراضٍ شاسعة فى صحراء مصر القريبة بثمن بخس لإقامة واحة خضراء يتخللها العمران، مع العمل على جذب سكان القاهرة بشتى الوسائل لإغرائهم بالانتقال للإقامة والاستقرار فى مجتمع عمرانى سكنى جديد، يجوز الإشارة هنا، إلى أن هذه الفكرة العبقرية لم تولد بهدف اجتماعى، وإنما كان وراءها مشروع استثمارى عقارى هائل لم يسبق له مثيل، مع ملاحظة أن فكرة رفع القيمة العقارية لأراضٍ بعيدة عن المراكز العمرانية القائمة من خلال توفير وسائل مواصلات عامة سهلة اقتصادية صديقة للبيئة، مترو مصر الجديدة أحد معالم الضاحية الذى أزاله للأسف أخيرا بجره قلم محافظ سابق للقاهرة، قد سبق تنفيذها فى الولايات المتحدة فى توقيتات متقاربة، كما لم يغب عن ذهن إمبان أن تحقيق ذلك المشروع من شأنه أن يوفر حجم عمل لا نهاية له لشركاته العاملة بالفعل فى مصر أو تلك التى قد يُنشئها خصيصا من أجل المشروع.
***
من حسن الحظ فإن ذلك المستثمر الجرىء اتسم بالوعى والتقدير لقيمة التراث المحلى، حيث استغرقه حب الشرق والحضارات القديمة إلى الدرجة التى أراد بها تسمية مدينته الجديدة «هليوبوليس» إحياء لذكرى المدينة المصرية القديمة المفقودة، ويُقال إن إمبان اصطحب المعمارى «جاسبار» فى جولة على ظهور الخيول حيث حدد موقع هليوبوليس المرتقبة وقال «هنا سأقيم هليوبوليس مدينة الشمس وسأبدأ بإنشاء مبنى ضخم هو فندق هليوبوليس بالاس» ــ قصر الاتحادية حاليا ــ وأتمنى أن يكون متوافقا مع تقاليد وتراث البلاد». لقد كان على المعماريين فيما بعد تجسيد أفكار إمبان لإخراج معمار المدينة بالصورة التى تخيلها،
كما اهتم إمبان بالتأكد من خلو الموقع المختار من الآثار، ذلك الاهتمام الخاص بحماية التراث ومعالم الحضارات القديمة أمر نادر الحدوث فى مجالات الأعمال والاستثمار، كما اهتم بعدم التصريح بإقامة منشآت متنوعة فوق أراضٍ ذات نوعيات تربة غير متماسكة، حيث استخدمت هذه الأراضى فى إقامة حدائق ومسطحات مفتوحة مثل أرض الجولف «الانتفاخية» وأرض السباق «الانهيارية».
ومع انطلاق إمبان لتحقيق حلمه طبق النظرية المعروفة فى مجال الأعمال باستقطاب الشخصيات المؤثرة للمشاركة فى المشروع، فاتجه إلى الجاليات البلجيكية والإنجليزية والفرنسية بهدف استقطابها، بالإضافة إلى «بوجوس نوبار» ابن الوزير المعروف الذى سهل لإمبان العلاقة مع القصر الخديوى وولى العهد الأمير حسين «السلطان حسين فيما بعد» وبعض أفراد العائلة الخديوية والحاشية.
لقد سُجلت تجربة إقامة مشروع هليوبوليس على أنها مغامرة لا مثيل لها، ولدت فى ظروف غير مواتية حيث صاحبها كم كبير من المشكلات والعقبات التى تُثنى أشجع المغامرين، إلا أن إرادة إمبان الصلبة ونظرته البعيدة ساعدته فى الانتصار فى النهاية حيث حقق من خلال هذه التجربة عملا كبيرا يُدرس فى مدارس العمارة والتخطيط فى جامعات عديدة أجنبية لأهميتها وتفردها.
***
لقد توالت أحداث قصة إنشاء هليوبوليس منذ صدور قرار تأسيس شركة سكك حديد مصر وواحات عين شمس فى عام 1906 حيث خُصص لها قطعة أرض مساحتها 25 كيلومترا مربعا = 5952 فدانا بثمن بخس يساوى 1 جنيه للفدان، بالإضافة إلى 50 كيلومترا مربعا أخرى جهة الشرق للتوسع المستقبلى الأول، وتعرض المشروع منذ بدايته لأزمات متتالية من عام 1907 وحتى عام 1920 وهى فترات التدهور الاقتصادى فى مصر، وتأثير نشوب الحرب الإيطالية التركية البلقانية والحرب العالمية الأولى، وقاوم إمبان هذه الأزمات باستخدام أمواله الخاصة فى استكمال أعمال المشروع، ونجح بعد سنوات من المحاولات فى تسجيل أسهم الشركة فى بورصة باريس، كما استخدم أساليب مبتكرة فى الدعاية لمشروعه من طباعة النشرات الدورية أو تنظيم الاحتفالات الموسيقية التى دعيت لها فرق عالمية كذلك إقامة المهرجانات المتنوعة الرياضة والثقافية والشعبية.
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية فترة العشرينيات من القرن الماضى بدأت أركان المدينة فى التكامل وأصبحت حقيقة مؤكدة تفيض بالحياة وبذلك فاز إمبان فى النهاية برهانه ضد كل التوقعات التى تنبأت له بالفشل المؤكد للمشروع.
واستمرت حياة المدينة بعد ذلك فى طريقها المرسوم ونمت طبقا لرؤية إمبان الأولية زهاء أربعين عاما، إلا أن دوام الحال من المحال، فقد بدأت إرهاصات التغيير مع تأميم شركة مصر الجديدة وواحات عين شمس، حيث تغيرت نظم الإدارة والمتابعة والصيانة، ولم تلتزم الشركة الجديدة التى أُقيمت على انقاض الشركة القديمة بمعايير الجودة التى وضعها إمبان، فكانت النتيجة هى انحسار فى المستوى العام لأداء المدينة وتشويه لصورتها البصرية وإهمال فى مرافقها وتداخل فى مكونات هيكلها العمرانى حيث اختلط الحابل بالنابل وجاءت الضربة القاضية مع إلغاء الشركة المساهمة وتحويلها إلى نظام الإدارة المحلية الذى أدى إلى تفكك وحدتها وقدراتها وخضوعها لنظام الإدارة المتردى الذى تعانى منه جميع القطاعات فى مصر.
هناك عينات من مبانى مصر الجديدة الأصلية التى يصل عمر بعضها إلى نحو 100 عام، بعضها حافظ على قيمته وأكثرها أصابته حمى «المسخرة المعمارية». التى حدثت لأنه لا حسيب ولا رقيب مع شيوع الجهل والفساد، وبذلك فقدنا قيمة عمرانية معاصرة كبرى ولدت على أرض مصر كان من الممكن أن تستنبط من نتائجها دروس ومواعظ ذات فوائد جمة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2017 ShoroukNews. All rights reserved