المفاضلة بين الأخطاء


صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 14 سبتمبر 2016 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

نشرت صحيفة الشرق الأوسط مقالا للكاتبة والشاعرة التونسية آمال موسى تقول فيه إنه عندما نمعن الاستماع والنظر فى الخطاب الشعبى السائد فى مجتمعاتنا العربية، فإننا نمسك بسهولة كبيرة بأهم مسببات التأزم العربى، ونتعرف إلى الخلل الحقيقى الذى يحول دون تغير طرائق التفكير. ولعل مواقع التواصل الاجتماعى بوابة مهمة تمكننا من التلصص على تمثلات مجتمعاتنا وتصوراتها، التى تمثل لنا معطيات للقياس وللفهم. نتصفح شبكات التواصل الاجتماعى هذه الأيام فإذا بأصوات تعبر عن تحسرها على زمن معمر القذافى، ونحتك بالناس فى الفضاءات العمومية التونسية، فنسمع ما يشير صراحة إلى حنين لزمن زين العابدين بن على...

إن هذا الحنين إلى زمن ما قبل الثورات، الذى ما فتئ يتكرر، يستحق منا وقفة تفكير؛ لأنه مؤشر خطير جدا، ويدل على أن مجتمعاتنا ما زالت تحتكم إلى الانفعالية، وتفتقد إلى حّد كبير إلى العقلنة فى تقويم الأوضاع. طبعا هذا الحنين الصادم لأنصار الثورة هو فى النهاية نتاج إخفاق الثورات العربية فى تقديم البدائل، وفى تحسين ظروف الناس. وفى المثال الليبى رأينا كيف أن البلد تحول إلى ملجأ للإرهابيين ولأكثر التنظيمات التكفيرية عنفا، وأيضا اضطرار أعداد كبيرة من الليبيين إلى العيش فى المنفى هربا من مأساوية الأوضاع. صحيح أن كل البلدان العربية التى عرفت ثورة تعيش صعوبات أمنية واقتصادية جّمة، ولكن هل يعنى تراجع الأوضاع وتأزمها فى مرحلة ما بعد الثورة أن نمجد مرحلة ما قبل الثورة، وإعلان اليأس التام، وإفراغ الحاضر من كل بارقة أمل؟ يبدو لنا أنه بمثل هذا الحنين كمن يفاضل بين الأخطاء، وهى مفاضلة تفتقد إعمال العقل والمنطق. لذلك ترى موسى أنه مهما يبدو الوضع الحالى سوداويا ومفجعا، من المهم أن نتحلى بالقدرة على التمييز وعلى التوصيف الدقيق والعقلانى للأشياء. فالخطأ خطأ. والوضع السيئ يظل سيئا حتى لو وقعنا بعده فيما هو أسوأ. يجب أن نعود أنفسنا على النقد الواضح، وألا نخلط الأشياء بشكل يكشف عن خمول ذهنى ورغبة فى تفسير الوقائع بأكثر التفسيرات سهولة وراحة للنفس. فالعقل الذى يعمل استنادا إلى المنطق يدرك أن الثورة، بلفت النظر عن حيثياتها وما إذا كانت ربيعا أو خريفا، إنما هى صيحة احتجاج تستحق الجدية فى القراءة وفى الفهم والتفهم. كما أن ما عرفته بلدان الثورات العربية من انتكاسات متتالية وعميقة يجب عدم التعامل معه بصفته نتيجة عكسية من نتائج الثورة؛ بل لأن إدارة مرحلة ما بعد الثورة هى التى كانت سيئة، وأدت إلى ما آلت إليه الأوضاع من خيبات. قد تبدو لنا هذه الجزئيات فى بادئ الأمر غير مهمة، ولكنها مع الأسف متحكمة فى عملية التفكير وضاغطة عليها مما جعل منها عائقا للتفكير العقلانى الذى وحدهُ يمكننا من دقة الفهم والتشخيص؛ حتى نستطيع التجاوز والتقدم نحو الأمام فى الإصلاح والتنمية والديمقراطية والحريات الأساسية والعامة التى تطمح لها مجتمعاتنا.

يجب ألا نفاضل بين السيئ والأقل سوءا والفساد والأقل منه فسادا وبين الخطأ والخطأ. ولكن كيف يمكن تهيئة العقل الاجتماعى الشعبى على هذه العقلنة فى تقويم الثورة وما قبلها وما بعدها؟ إن هذه المشكلة ذات الصلة بكيفية إدراك حدث الثورة فى معناه العميق والفكرى، هى نتيجة حتمية وطبيعية جدا للتغييرات التى عرفتها المنطقة العربية دون أن تستند هذه التغييرات إلى أرضية ثقافية طبعا لا ننكر أنه فى الأسابيع الأولى لما بعد الثورة ارتفع منسوب الأمل والحرية. فلقد كانت تغييرات مفاجئة ومباغتة. المراقبون يصفون ذلك بالربيع العربى. وكان بالإمكان استثمار حالة الاستعداد النفسى والذهنى العربى لحدوث ثورة على مستوى العقل وطريقة التفكير والتقويم. ولكن ما حصل هو العكس؛ ضاعت حالة التوهج الشعبى وعوضت بالإحباط: فقر أكبر وبطالة أعم، وفساد مكشوف وتحالفات مفتوحة، ومكاسب اهترأت وبنية تحتية انهارت فى ليبيا، ومكاسب المشروع التحديثى التونسى ضربت فى مفاصل حساسة مثل التعليم والصحة... وفى كل يوم فى مصر نسمع فتاوى التكفير وعمليات إرهابية...

تختم الكاتبة قائلة أن النخب قد أهدرت حالة الاستعداد النفسى والذهنى لتطوير العقل العربى وتغيير محدداته واستبدال أخرى عقلانية بها. ونقصد النخب الفكرية وبشكل أساسى النخب السياسية، التى منعها جوعها للحكم وتعطشها التاريخى للمشاركة السياسية من إنجاح المرحلة واستثمار اللحظة التاريخية. وبالاستسلام إلى مرض حب السياسة لأطماع شخصية ضيقة سقط الحلم وظهرت النخبة السياسية فى حال أحيانا أسوأ من النخب التى كانت تحكم ما قبل الثورة. مؤسف أن يتحسر الكثيرون على أزمنة ما قبل الثورة، وأن تتزايد من خيبة إلى أخرى ظاهرة شيطنة الثورة... والأكثر أسفا أن نقارب ذلك من منظور انفعالى يفاضل بين الأكثر سوءا والسيئ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved