الرقص ببذلة الغوص

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2015 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

تعودت أن أقرأ مذكرات السياسيين، وفى ذهنى شكوك. تعودت كذلك أن انتهى من قراءة مذكرات سياسيين عرب لأكتشف أننى لم أخرج بجديد.

أعترف أننى بعد محاولات عديدة على مر سنوات كثيرة لم أقرأ باستمتاع أو بشغف شديد مذكرات لأحد السياسيين العرب. لعلها ثقافتنا السياسية التى تقيدنا بولاءاتنا الأولية فلا نكتب ما يمكن تفسيره تطاولا على معتقدات أو خيانة لقسم أو إفشاء لأسرار. سمعت سياسيا من أصل عسكرى يعتب على عرض نشرته تعقيبا على مذكرات كتبها. كان العتاب خافتا فى أحد جوانبه، جانب المحتوى النقدى للعرض.

فهمت لاحقا أنه يعتبر علاقة الرئيس بالمرءوس التى كانت تربطنا ترتد على كل المراحل، حتى على مرحلة تقاعدنا وافتراقنا. أما الجانب الثانى من العتاب فكان غير خافت، لأنه تعلق بافتقار المذكرات إلى معلومات محققة وقصص مثيرة. كانت حجته أنه أقسم ذات يوم ألا يذيع سرا، وأنه مثل معظم أقرانه اعتبر مرحلة العمل السياسى امتدادا لمرحلة العمل العسكرى وبالتالى خاضعة للقسم. كان غضبه شديدا، وإن ودودا، عندما سألته عن العوامل التى دفعته لكتابة مذكرات فى السياسة إذا كان فى نيته أصلا عدم الخوض فى ألاعيب السياسة وإذا كان لهذه الدرجة كارها لها وللعاملين فى رحابها. الظاهرة، ظاهرة الافتقار إلى معلومات مدققة ومحققة، تكررت مع سياسيين آخرين من أصول مدنية فى مذكرات عديدة الصفحات شحيحة المعلومات.

***
لماذا يكتب بعض الناس مذكراتهم؟ كنا، ونحن صغار، ندون بأقلام الرصاص مذكرات يومية. نبوح للورق ببعض أسرارنا الصغيرة فترتاح نفوسنا. منا من اعتبر النوتة أو الكراسة التى يدون فيها مذكراته صدرا حنونا يعود إليه فى نهاية اليوم. ومنا من اعتبر التدوين تمردا وعملا سريا ينفث فيه طاقة مكبوتة فى الفصل وفى البيت. كبرنا وعاد الحنين إلى التدوين. كبرنا وكبر معنا الشعور بأن الماضى لن يعود. الماضى يبتعد ومع كل خطوة فى ابتعاده يزداد حنيننا إليه. نلجأ إلى أغانٍ ليس فقط لأننا كنا نحبها ولكن لأن إنصاتنا لها يعيد إحياء لحظات من الماضى سرعان ما نلقى بانفسنا فى أحضانها. أسأل كثيرا: كيف كان الأقدمون يتذكرون الماضى فى غياب أغانٍ وموسيقى وأفلام مسجلة؟

ما أعرفه عن نفسى هو أننى مع كل أغنية قديمة استمع إليها أجد نفسى وقد عدت أنشغل بالإجابة عن السؤال «من كنت»؟ أعرف، أو أظن أننى أعرف، الإجابة عن السؤال «من أنا»؟ ولكن ما زلت أجد صعوبة فى الإجابة عن السؤال «من كنت؟»، أبحث ولا أتوقف عن البحث معتقدا أن الإجابة عن هذا السؤال تمهد لسؤال ثالث لا يقل أهمية، وهو «كيف وصلت؟».

***
هناك من يكتب مذكرات لأنه أدرك أخيرا أن الماضى لن يعود ويتخيل إمكانية بعثه، وهناك من يكتب مذكرات بدافع التشفى والانتقام، أو لإرضاء غرور وإشباع «أنا» تتضخم، وهناك من يعتقد حقيقة بأنه حامل رسالة وواجبه أن ينقلها بصدق من خلال مذكرات يكتبها. أسر لى أحد هؤلاء أنه ووجه عند الكتابة بعقبات لم يتوقعها، واجهته الرقابة الذاتية وبعنف أحيانا، وكذلك الالتزامات العائلية والتكلفة المادية والعلاقات الشخصية، هذه العقبات وغيرها تعمل على تكتيف كتاب المذكرات، ولعلها السبب وراء تفاهة معظم المذكرات التى يكتبها السياسيون العرب خصوصا. أصفها أحيانا ببذلة غوص تفرض فرضا على راقصة شرقية لترتديها وترقص بها. النتيجة لا جسم رأينا ولا رقص أمتعنا.

***
أنتظر الصدق من شخص قرر أن يكتب مذكراته، واقترح عليه العودة إلى مصادر أخرى غير ذاكرته الشخصية. أنتظر منه أيضا الابتعاد عن المألوف والمكرر، فلا يعيد علينا ما رآه آخرون وسجلوه. أريد أن أقرأ ما لم يكتبه أحد من قبل. أتصور أحيانا كاتب المذكرات فى مكان صحفى ضليع فى مهنته، يبحث عن غير المألوف فى القصة التى يستقصى تفاصيلها. اهتم جدا لو كتب أنه خلال مفاوضات حساسة اكتشف أن المفاوض الخصم يرتدى فردة حذاء بنية اللون فى قدم وأخرى سوداء فى القدم الأخرى. اهتم أيضا لو قرأت فى المذكرات أن علبة مشروب غازى مستعملة كانت ملقاة فى سلة المهملات بمكتب رئيس دولة، وأهتم كذلك بمذكرات نقلت عن فتاة تنظيف الغرف أنها أخرجت ستين زجاجة مياه معدنية فرنسية فارغة من حمام فى الجناح الذى كان يشغله فى الفندق رئيس الدولة. تسجيل هذه المعلومة وغيرها هى من صلب عمل الصحفى الناجح، ولكنها أيضا ضرورة لا غنى عنها لكاتب يتمنى لمذكراته انتشارا واسعا وصدقية كبيرة.

***
قرأت نصيحة من أستاذ أدب يدرس لطلبته فنون الكتابة وبخاصة كتابة المذكرات. دعاهم إلى عدم إهمال أى معلومة أو فكرة تتصل من بعيد أو قريب بمذكرات يكتبونها. إن العودة لزيارة مطعم صغير فى زقاق ضيق بوسط مدينة روما قد يكون الفاتحة نحو كتابة صفحات عديدة أو فصل كامل فى مذكرات. يطلق الأستاذ على هذه المعلومات وشبيهاتها عبارة «قمة جبل الثلج»، بمعنى أن بعضها قد يكون راقدا على كنوز من المعلومات والحكايات.

****
تذكرنى هذه النصيحة بنصيحة أخرى ليست أقل قيمة. تقول النصيحة لكاتب المذكرات: اجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ولكن جهدك الأكبر ستبذله عند التخلص من أكثرها.. قيمة أى مذكرات جادة هى فى حجم ونوع ما استبعده الكاتب من معلومات وليس فقط فيما أدخله فيها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved