الأمريكيون قبل وبعد تولى ترامب

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأحد 15 يناير 2017 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

نشرت مجلة بروسبكت الأمريكية مقالا لـ«باول ستار» المتخصص بعلم الاجتماع وأحد المؤسسين للمجلة، حول حال المجتمع الأمريكى الآن خلال عهد أوباما وقبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واحتمالات ما يمكن أن يكون عليه عقب تولى ترامب بشكل رسمى رئاسة البلاد خلال الشهر الحالى.

يبدأ الكاتب بأن خلال عهد أوباما كان الرئيس يتطرق إلى قضايا مثل تعذيب المسجونين والصعوبات التى تواجه المهاجرين والتمييز تجاههم على أساس الدين الذى ينتمون إليه فضلا عن معارضة المجتمع الأمريكى لمثل هذه الممارسات، ولكن الآن قد انتخب هؤلاء الأمريكيين الرئيس الذى يدعو بشكل فعلى إلى ممارسة وتطبيق هذه السياسات العدوانية. ويبدو أن الحديث عن تحديد القيم.

الوطنية بالمجتمع يتم اختفاؤها يوما بعد الآخر بشكل يدعو للقلق. مما نتج عنه عدد من التساؤلات عن عهد ترامب وعن ما سيعنيه أن تكون مواطنا أمريكيا؟ وهل وصول ترامب سيؤثر فقط على رؤية العالم للأمريكيين أم على رؤية الأمريكيين لأنفسهم؟

تترك الانتخابات الوطنية انطباعا وصورة عن الأشخاص، بل وتبعث بإشارة عن التغييرات التى بات يريدها الناخب. ولا شك أن صورة الناخب الأمريكى عقب اختيار دونالد ترامب قد تم تشويهها وخضعت للتأويل عقب ذلك الخيار المفاجئ، على نحو يصعب تجاهله. فى السياق ذاته فقد آثار عام 2016 والانتخابات التى صاحبته غضب الكثيرين وذلك لخيبة الأمل التى أصابتهم عقب فوز ترامب. وذلك عكس ما حدث قبل نحو ثمانية أعوام، حين انتخب الأمريكيون باراك أوباما ودشنوا تاريخا جديدا للولايات المتحدة. وتأكد ذلك عقب إعادة انتخابه وكان الديمقراطيون قاعدة ذلك التقدم، وأشار ما حدث بأن البلاد أصبحت تستوعب الأقلية والأكثرية وكل الفئات داخل المجتمع، وأن رأى البعض أن التوقعات الديموغرافية هذه مضللة، ولكن ذلك التقدم نحو المجتمع التعددى تجلى بالفعل فى عدد من القضايا جاء أبرزها فى مزيد من القبول الاجتماعى للمثليين وبخاصة وسط الفئات العمرية الشابة، وصدور قانون يسمح لهم بالزواج. وفى أعقاب ذلك فسر المحللون السياسيون بأن ما حدث من تحولات ديموغرافية وثقافية طرأت على المجتمع الأمريكى تأتى فى صالح الديمقراطيين وأن على الجمهوريين أن يتأقلموا ويستوعبوا ما حدث.

***

من جهة أخرى يشير «ستار» إلى أنه قبل الانتخابات التى أفرزت أوباما، كان أمر تولى رجل أسود رئاسة الولايات المتحدة أمرا أشبه بالمستحيل، وقبل بدايات عام 2016، كان ينظر إلى تولى رجل كترامب رئاسة الولايات المتحدة أمرا أيضا أشبه بالمستحيل. وفى أعقاب هذين الحدثين سيتساءل المؤرخون لعقود قادمة كيف حدث هذان الاختياران المستحيلان والمتناقضان بل وأيضا كيف حدثا عقب بعضهما البعض مباشرة؟!

إذا كانت الانتخابات تخلق انطباعا وصورة عن الشعوب والتغييرات التى يريدها الناخبون، فإن الأمريكيين لن يتمكنوا من خلق انطباعات ومؤشرات مختلفة ومتناقضة تعكس ما يريدونه أكثر مما لديهم الآن.

جدير بالذكر أنه عندما يحدث شىء كان من غير المحتمل أو غير المرجح حدوثه فيشير ذلك إلى أن الاحتمالات حوله كانت خاطئة، فى حين أنه عند حدوث أشياء لم يكن من المتوقع حدوثها فإن ذلك يؤكد على الخطأ على نحو أكثر عمقا، ويتجلى ذلك فيما يتعلق بالمواطنين الأمريكيين وخياراتهم؛ فقد بعث فوز كل من أوباما وترامب برسائل متصارعة ومتضاربة حول ماهية الأمريكيين ومن يكونوا حقا.

كان فوز أوباما يعطى دلالة على أن المجتمع الأمريكى قام بالحكم على رئيسه من خلال شخصيته وليس من خلال لونه، وحينما كان يرى البعض أنه من العار وصول رئيس أسود للبلاد، بقى ذلك فى نهاية المطاف تاريخا يتمنى كثيرون تكراره. انتخاب أوباما لم يكن فقط بارقة أمل فيما يتعلق بالقضاء على التمييز العنصرى ولكنه كان انتصارا قوميا وكان مؤشرا على الديمقراطية والتعددية والتسامح وقبول الآخر.

كان من الممكن أن يكون فوز ترامب ليس غريبا إذا كان الأمريكيون لم يقتنعوا بأداء أوباما ولم يحظَ بدعمهم، ولكن ما حدث أن أوباما خلال فترتيه ومع قرب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة لا يزال يحظى بالتأييد والدعم.

قصة فوز ترامب تعود إلى جذور عميقة وربما أكثر عمقا واختلافا عن قصة تولى أى رئيس أمريكى آخر؛ كرونالد ريجان، بوش، كلينتون، وكذلك أوباما، وتبعث بروايات أكثر مما يمكن أن تبعث به أى منهم. قصة فوز ترامب تشير إلى استخدامه ورقة القومية «التركيز على أمريكا» والتى كانت رابحة للغاية ــ ولكنها كانت رؤية مظلمة مثيرة للانقسام، وتجلت هذه القومية فى الشعارين الذين تبنتهما حملة ترامب وهما «أمريكا أولا»، و«جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، واستخدام كل ذلك كغلاف خلال مهاجمة ترامب لمن يرى أنهم يتآمرون على البلاد ويرغبون بإسقاطها.

***

السؤال الذى يُثار هنا، هل ترامب حقا سيقوم بتغيير الأمريكيين؟ يمكن القول إن الأمريكيين الآن يشهدون واحدا من أكثر المنعطفات والتحولات فى تاريخ السياسة القومية الأمريكية والسياسات بشكل عام. وأنه من الممكن أن تطرأ تغيرات على قواعد العمل الأساسية بالحكومة الأمريكية والمؤسسات الخاصة وكذا دور الولايات المتحدة فى العالم. بشكل عام فإنه من المتوقع أن يكون تأثير ترامب عميقا وواضحا على الولايات المتحدة.

لأن الحكومة تعكس دوما الرؤية الوطنية والتوجه العام للبلاد فإن الأمريكيين سيرون أنفسهم خلال حكومتهم الفترة المقبلة على نحو مختلف عما كان سائدا خلال سنوات أوباما. فى السياق ذاته فإن كثيرين سوف يرون ذلك نتيجة تولى ترامب ويصممون أن ذلك لا يعكس حقيقة الأمريكيين، ولكن العالم والكثير من الأمريكيين سيرون أن ذلك التوجه الجديد يعكس ما سيكون عليه الأمريكيون، إلا إذا رفض بعضهم وقاموا مرة أخرى بتنظيم أنفسهم وإعادة ترتيب أوراقهم.

***

بات المجتمع الأمريكى منقسما على نحو لم يحدث من قبل، يتجلى ذلك فى أمريكا التى ستكون عهد ترامب وأمريكا التى كانت خلال عهد أوباما. من الممكن أن يراها البعض مختلفة ومتناقضة للغاية، ولكن فى الوقت نفسه فالحديث هنا عن نفس الأمة ونفس المواطنين الذين انتخبوا أوباما مرتين والآن قاموا بانتخاب ترامب، فالواقع مشترك على الجميع؛ سواء من اختاروا أوباما أو لم يختاروه، ومن اختاروا الآن ترامب أو من رفضوا اختياره. والحديث هنا ليس عن خيار منهما بعينه، ولكن عن التناقض بينهما، وكيف أن الشعب الذى اختار أوباما هو نفسه الذى عاد بعد سنوات قليلة واختار ترامب ذا الآراء المتطرفة محل الجدل.

يختتم الكاتب بأن الخيار الذى جاءت به الانتخابات الرئاسية لعام 2016 ليست نتاج أسباب محددة سلفا ــ ديموغرافية كانت أو ظروف اقتصادية معينة أو أى ملامح أخرى. وأنه كان من الممكن أن تفوز هيلارى كلينتون بهذه الانتخابات إن فقط تمكنت من حصد الأصوات القليلة التى احتاجتها لترجيح كفتها على ترامب، وذلك إذا لم يكن بسبب تدخل روسيا أو مدير مكتب «إف بى آى» جيمس كومى. لكن الديمقراطيين لا زالوا غير قادرين على إحكام سيطرتهم على الكونجرس وعدد كثير من الولايات، وهنا لابد من التأكيد على أن الديمقراطيين لن يتمكنوا من هزيمة الجمهوريين والإحلال محلهم إلا إذا تمكنوا من الفوز بهذه الأغلبية الموزعة على نطاق واسع بأرجاء البلاد. وأخيرا فإن على الجمهوريين حتى يدركوا الفوز مرة أخرى ويخلصوا الولايات المتحدة من ذلك العار الذى لحق بها بوصول ترامب أن يتوجهوا إلى جميع الأمريكيين ويذكِروا المواطنين بما كانوا عليه وما يمكن أن يقومون به.

إعداد: نهاد محمود

النص الأصلى:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved