مسئولية شعب مصر فى انتخاب رئيس المستقبل العربى

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:10 ص بتوقيت القاهرة

تتركز الأنظار الآن، عربيا وإسرائيليا ودوليا، على مصر. يتابع الجميع حراكها الثورى، بإنجازاته وإخفاقاته واضطراب سياقه نتيجة الضغوط المتقابلة والمتوازنة، وهى ثقيلة بتأثيرها على الداخل.

 

صارت «معركة اختيار» الرئيس هى عنوان الصراع بين مختلف القوى السياسية فى الداخل، والقوى الخارجية التى تحاول تمويه تأثيرها وضغوطها بعناوين داخلية بينها الدين والاقتصاد والأحوال الاجتماعية.

 

ولأنها المعركة الأولى والتى لا سابق لها فلا تقاليد تحكم الصراع بين المرشحين ولا مرجعيات فكرية وسياسية يمكن القياس عليها إلا التاريخ الشخصى لهذا المرشح أو ذاك.. خصوصا أن بين المرشحين من يتقدم باسم حزبه الذى لا يمكنه الادعاء أنه يمثل المصريين جميعا، وبينهم من يتقدم باسمه الشخصى وليس له من تاريخه ما يمكن اعتباره برنامجا، وإن تمايز المرشحون ــ فى نظر الناخبين ــ بما يحفظون لهم من مواقف إزاء النظام الديكتاتورى الذى أسقطته الثورة.. لكنه تمايز لا يرقى إلى مستوى قطع الشك باليقين.

 

الصورة لا تكفى هوية للمرشح، لا هى وعد بالالتزام بالمبادئ والشعارات التى نادت بها الثورة، ولا هى تصلح عنوانا لبرنامجه، خصوصا أن العديد من المرشحين كانت لهم مواقعهم فى النظام الذى عجل فساده فى تفجير الثورة لإسقاطه، يستوى أن يكون «موظفا» يعمل بالأمر، أو حليفا اضطراريا جىء به فى لحظة دقيقة لتخطى مأزق أو لتمويه سياسة منحرفة.

 

***

 

وفى الوطن العربى، مشرقا ومغربا، يتابع الجميع ــ ومن داخل الاضطراب السائد فى دنياهم ــ معركة الرئاسة فى مصر، بقلوبهم وأفكارهم، بتمنياتهم ومخاوفهم وقلقهم على المصير فى أقطارهم المهدد معظمها بحروب أهلية، يحمل بعضها نذر «الفتنة الكبرى» مجددا.

 

بعضهم من يتابع من قلب خوفه على مصر، وبعضهم يتابع وهو خائف من مسار التطورات فى مصر وتأثيراتها المحتملة على نظامه الذى كان حليفا للمخلوع فى مصر وظل معه حتى اللحظة الأخيرة، ثم حاول بعد سقوطه أن يمنع محاكمته، وأن يطوق شباب الميدان بحملة الشعار الإسلامى وبتردد الجيش فى الحسم وخوفه من اتهامه بمصادرة الثورة وخشيته من أن تمس الثورة امتيازاته وموقعه فى النظام الجديد.

 

إنها لحظة ولادة جديدة، تعاظمت فيها الضغوط، وتفاقمت فيها الالتباسات، وغالبا بقصد مقصود، حتى يسود الغموض وتتداخل الألوان وتتماهى الآراء والأفكار فيضطرب القرار فى غياب اليقين.. وكل ذلك ليس فى مصلحة الثورة ولا مصر ــ الغد.

 

بالمقابل هى، بالافتراض، نقطة نهاية لمرحلة يريد المصريون أن يطووا صفحتها، بقدر ما يريدون أن يستشرفوا غدهم الجديد، عبر القادرين والمؤهلين والمزودين بأفكار ومبادئ وثوابت وقواعد تؤسس للدولة الجديدة، وتمكن وحدة الشعب، وتفتح باب المستقبل الأفضل.

 

فمعركة الرئيس الجديد تلخص معركة الدولة الجديدة بهويتها ودورها.

 

إنها ذروة المعارك السياسية التى دارت على امتداد عام ونصف العام قريبا فى ميادين مصر بعاصمتها ومدنها الكبرى وأريافها وصعيدها: فهى ستحدد المسار إلى الغد الأفضل، بالتمييز بين الأخ الشقيق والصديق، بين العدو والحليف، وهى التى سوف ترسى ركائز العلاقات بالمبادئ والمصالح الوطنية العليا، وهى التى ستؤكد الهوية عبر تحويلها هتافات الجماهير فى الميدان إلى سياسات مؤهلة لتحقيق الشعارات المرفوعة.

 

هى، فى التمنى، ذروة القطع مع نظام الطغيان وتحالفاته، بحماته وصداقاته وارتباطاته.

 

وهى، بالمقابل، المدخل إلى توضيح معالم النظام الجديد، نظام الثورة وسياساته، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

 

لقد تم القطع، بين زمان الثورة ومجتمعاتنا، منذ عهد بعيد.

 

بل إن فكرة الثورة قد تم تشويهها من خلال ربطها بأشخاص أو بأحزاب قدمت نموذجا رديئا عن أداة التغيير.

 

فمع سقوط الاتحاد السوفييتى تم تشويه الكثير من القيم والأهداف العزيزة على قلوب الناس، وتم تسفيه كل ما يتصل بالاشتراكية وتمت تزكية مجانية للنظام الرأسمالى. صار النظام الامريكى بكل تقاليده وشعاراته وتطبيقاته العملية هو النموذج وهو الهدف المرتجى.. حتى إذا جاءت «غزوة أيلول» التى ارتكبها عتاة المتطرفين الإسلاميين فى تنظيم القاعدة فرض على المسلمين عموما، وبينهم العرب، أن يقبعوا فى موقع المتهمين وصار الطريق لإثبات براءتهم من الإرهاب أن يبتدعوا نسخة جديدة من الإسلام تقرها وتعتمدها الإدارة الأمريكية.

 

***

 

ومع التنويه بالأسلوب الحضارى الذى اعتمده الإعلام المصرى، الفضائى تحديدا، بشقيه الرسمى والخاص، فى المناظرات بين المرشحين، فلا بد من الإشارة الى اللمسة الأمريكية فيها.. بدءا بالعلم الوطنى على صدر المرشح، مرورا بالتشابه المقصود مع المناظرات بين المرشحين للرئاسة فى الولايات المتحدة الأمريكية.

 

بالمقابل فلا بد من التوقف أمام الهجوم المضاد الشامل على الثورة، بشعاراتها الأساسية، وعلى حملة هذه الشعارات أو المنادين بها، حتى من قبل أن تكتسح الميدان: لقد استخدم الهجوم المضاد الأسلحة جميعا، التقليدى منها والاستثنائى، بما فى ذلك «القدس» وأولها الشعار الدينى، سلفيا أو بصياغاته الحديثة.

 

وللشعار الدينى من يموله ويرعاه، ومن يسلحه ويساعد على تنظيم أتباعه، سلفيين ومحدثين.

 

ثم هناك الضغط الاقتصادى، وهو الأعظم تأثيرا على القرار السياسى.

 

وهنا لا بد من الإشارة أن هذا الضغط قد شمل جبهات ثلاث: الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل، ثم أهل النفط العربى.

 

وإذا كانت حركة إسرائيل مكشوفة، برغم أنها حاولت جاهدة الاحتجاب وعدم الظهور على مسرح التطورات، حتى أنها «تواضعت» فى رد فعلها على قرار وقف تصدير النفط والغاز إليها، فإن الولايات المتحدة لم تتورع عن التلويح بوقف المساعدات (وهى تخص الجيش أولا وأساسا) وعن المضى فى معركة الجمعيات الأهلية إلى النهاية، فارضة التراجع عن أحكام قضائية ضد بعضها، وبطريقة فظة.

 

بالمقابل فإن أهل النفط العربى قد لعبوا ورقة المساعدات الاقتصادية، بما فى ذلك القروض التى كانوا قد تعهدوا بتقديمها لمصر، قبل الثورة، ثم جددوا التلويح بها، لضمان وقف محاكمة حسنى مبارك أو إرجائها إلى ما بعد معركة الرئاسة وكان لهم ذلك.

 

***

 

هل يمكن التغاضى عن اندفاع أهل النفط إلى تحويل مجلس تعاونهم إلى اتحاد، ولو كونفيدرالى، فى هذه اللحظة بالذات، وموقعه فى سياق الضغوط التى تمارس على حركة التغيير التى تجتاح الأرض العربية وتسقط الأنظمة الديكتاتورية، ولو كانت «جمهورية».. فالطغيان واحد، ملكيا كان أم جمهوريا.. والنظام العربى الذى كان قائما قبل تفجر الأرض العربية بالانتفاضات تبدى كالبنيان المرصوص يساند بعضه بعضا، لا فرق بين الجمهورى فيه والملكى، بين السلطانى والأميرى.

 

إن أهل النفط يتصرفون بمنطق: نحن الأغنى والأقوى.. أما الآخرون، فننأى بأنفسنا عنهم بذريعة إيران وادعائها «فارسية» الخليج. هنا، فى مواجهة إيران نحن العرب. أما مع «العرب» فهم الفقراء رعايا الجمهوريات، دعاة القومية والاشتراكية والعلمانية وغيرها من شعارات الكفر. معنا الامريكان والغرب كله وإسرائيل ضمنا. فما لنا بهؤلاء الفقراء القائلين بالثورة والذين يريدون تهديم الاستقرار ونشر الفوضى فى المنطقة كلها.

 

ضمن هذه الخطة يندرج هذا التبنى العلنى، بالمال والسلاح والتحريض على العنف فى سوريا، بذريعة مواجهة النظام الديكتاتورى وشراسته الدموية فى التصدى لمعارضيه.

 

ضمن هذه الخطة تندرج الحملة على حكومة العراق ومحاسبتها على الانتماء الطائفى لرئيسها وليس على سياساتها، مع التجاهل التام لهوية رئيس الدولة، والأخطر: مع التغاضى عن الحركة الانفصالية للشمال (الكردى).

 

أما فى البحرين فالحملة تتركز على المعارضين وليس على النظام، وتطرح التبريرات المذهبية علنا.. بل يصل الأمر إلى حد المناداة بالوحدة بين «المملكة الصغيرة» و«المملكة الأم» ــ السعودية، بذريعة حماية عروبة البحرين التى حماها شعبها على الدوام، وأبرز المحطات كانت فى الاستفتاء الذى أشرفت عليه الأمم المتحدة فى العام 1971، والذى حسم شعب البحرين موضوع هويته العربية رافضا الالتحاق بإيران.. وكان فيها الشاه الذى عامل حكام تلك المنطقة جميعا بوصفهم بدوا متخلفين، لا يستحقون أن تكون لهم دول وكانوا يتقبلون منه تلك المعاملة.

 

***

 

نعود إلى مصر بوصفها معركة الغد العربى فى كل الأرض العربية وليس لأبنائها فى أرض الكنانة وحدهم.

 

ومع الوعى بأن الظروف السائدة، لم تمكن شباب الميدان من استكمال ثورتهم، نتيجة النقص فى جاهزيتهم لاستلام السلطة، وتضاؤل قدراتهم المادية، وضعف تنظيماتهم الشبابية، فإنهم يملكون السلاح الأقوى: أصواتهم، لنصرة المرشح الأقرب إلى مبادئهم وأفكارهم وطموحهم إلى مستقبل أفضل.

 

ويتمنى العرب، خارج مصر، أن ينتصر وعى الناخب المصرى على الخدع البصرية وعلى الضغوط المادية والمعنوية، فيحسن اختيار مرشحه للرئاسة. إنه إنما ينتخب بصوته رئيس الغد الأفضل.. وهذه مسئولية جسيمة سترسم معالم المستقبل العربى جميعا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved