حديث عن الغد العربى بلغة الأمس: متى يحمى العرب وجودهم ودورهم؟

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 15 مايو 2018 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

انفض جمع «العرب» وانقسموا دولا مصطرعة، يتآمر بعضها على بعض، ويتواطأ بعضها مع واشنطن أو حتى مع تل أبيب على البعض الآخر، بل إن الأغنى ذهبا أسود أو أبيض يقاتل «إخوته» الفقراء ويحتل بلادهم برا وبحرا، ويقيم قواعد عسكرية ستكون، بالتأكيد، لغيره، الأقوى والأبعد.

ابتعد أغنياء العرب عن فقرائهم مستظلين بالعلم الأمريكى (والإسرائيلى) واندفعت الدول الأصغر والأغنى فى مغامرات عسكرية فى بعض البلاد «الشقيقة»، كسوريا وليبيا، فضلا عن اليمن.

بل إن بعض هذه الدول قد جهرت بتأييدها للعدوان الإسرائيلى الواسع على منشآت عسكرية وقواعد صواريخ ومطارات فى سوريا، الأسبوع الماضى، بذريعة أنها «إيرانية»، متجاهلة أن المهاجم هو العدو، وأن من تعرض للهجوم هو الأخ الشقيق.. خصوصا أن «الإيرانى» لم يدخل غازيا إلى سوريا، ولا هو موجود خلافا لإرادة النظام السورى.
لم تعد كلمة «العرب» تعنى جسما سياسيا أو كتلة مؤثرة فى السياسة العالمية أو الإقليمية. أسقطت «فلسطين» من القاموس السياسى، ولم تسقط سهوا، واحتلت «إسرائيل» مركزا مميز فى القرار العربى بعدما أسقط العرب «الحدود» بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.. وانفض جمع دول عدم الانحياز بعد أن غادره «العرب» منحازين إلى المعسكر الأمريكى، وبعد أن زادوا من علاقاتهم التجارية مع روسيا لأسباب تتصل بالاقتصاد والسلاح الذى لا تبيعهم مثله الإدارة الأمريكية.
الأسوأ أن العرب، والمقصود دائما الأنظمة العربية، يقتتلون ولا يقاتلون عدوهم الواحد، ناهيك بداعمه الأعظم، الأمريكى..

***

كذلك فإن قوات عربية تشارك ــ ولو مُمَوّهةً ــ فى الحرب فى سوريا وعليها، وتعلن الإدارة الأمريكية بصراحة فجة أن قوات سعودية أو ممولة من المملكة، وقطرية أو ممولة من قطر تقاتل ضد النظام فى دمشق بذريعة «مناصرة السنة» ضد «النظام العلوى».
وها هى الانتفاضة الفلسطينية المجيدة ضد الاحتلال الإسرائيلى فى الذكرى السبعين لإقامة دولة العدو القومى والدينى على الأرض المقدسة، لا تجد معينا عربيا.. بل إن العواصم العربية التى كانت جماهيرها تخرج لدعم الشعب الفلسطينى فى كفاحه من أجل تحرير أرضه، تبدو صامتة إلى حد الخرس عن «إدانة» الاحتلال، وعن رفض القرار الأمريكى بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.. كما أن وفودا عربية تخرج عن الحد الأدنى من موجبات المقاطعة فترسل وفودا إلى القدس المحتلة (المغرب والبحرين) قافزة من فوق جثث الشهداء الذين يتساقطون برصاص العدو خلال انتفاضته المجيدة التى «تشوش» على احتفالات إسرائيل بالذكرى السبعين لإقامة دولتها على أرض لم تكن لليهود فى أى يوم عبر التاريخ المديد.
إن الدول العربية، وأولياء العهد والأمراء والرؤساء والوزراء يتزاحمون على أبواب واشنطن، حاملين إليها قناطير الذهب، وترامب يطالبهم بالمزيد منوها بأنهم لا يستحقون ثرواتهم الخرافية، بل أن واشنطن أحق بها لأنها سوف تستخدمها من أجل تقدم أمريكا بدلا من إنفاقها على القصور والحريم.
إن العرب يُهانون كل يوم، بأشخاص بعض حكامهم، وعلى المستوى الدولى فلا يملكون ردا، لأن «جماهيرهم» معتقلة أو مهددة بالاعتقال، أو مخدرة بانعدام الإمكان، وبإقفال ميدان الثورة فى وجه هذه الجماهير بعد بعثرتها بالرشوة أو بالإرهاب أو بمقولة «ما فيش فايدة... غطينى يا صفية»!!.
إن المواطن العربى يتقلب بين إذلال الداخل والإهانات الجارحة التى تتساقط عليه كالمطر، يوميا.
لقد اغتيلت أحلامه بالوحدة والتقدم والعدالة الاجتماعية، وما جرى هو العكس تماما: تكتل أغنياء العرب، بالثروات التى تفجرت بها أرضهم أو مياههم، بعيدا عن «إخوتهم الفقراء»، وانحازوا ــ سياسيا واقتصاديا ــ إلى أعدائهم: الإمبريالية الأمريكية والعدو الإسرائيلى.

***

تجمعت الأنظمة الملكية والإماراتية الغنية من المغرب حتى أبو ظبى، مع استثناء العرش الأردنى نأيا بالنفس عن القضية الفلسطينية، وتركت الجمهوريات الفقيرة أو المنهكة بالحروب فيها وعليها (مصر، سوريا، العراق، لبنان، السودان، الصومال.. إلخ) لمصيرها.. فى حين اشتد الصراع بين الإخوة الأغنياء على «استعمار» الأفقر من إخوتهم، كما يجرى فى بعض أنحاء ليبيا والسودان والصومال وصولا إلى تنزانيا.
بل إن الدول العربية الغنية تتقصد إذلال «الإخوة الفقراء» بحاجتهم إليها، وثمة أمثلة يومية لا تحصى، يمكن قراءتها فى اقتصاديات مصر والسودان، فضلا عن سوريا ولبنان..
وإذا ما استعرضنا عناصر القوة الذاتية لدول الذهب الأسود والأبيض لثبت لنا أن هذه «النزعة الاستعمارية» لديها لا يمكن أن تكون ذاتية، بل لا بد أن تكون مسخرة لخدمة «الأصدقاء الأقوياء» ــ أى الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها وصولا إلى إسرائيل – باستغلال العداء لإيران.

*****
هل اندثر العرب، وفقدوا دورهم وتأثيرهم فى يومهم، وخسروا بالتالى مشروع مستقبلهم الواحد والواعد وعادوا قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب مصطرعة وقد نسيت هويتها الجامعة وأحلامهم فى الوحدة والحرية؟

إن الوطن العربى، اليوم، قد عاد إلى مثواه فى الأحلام.
إن الدول العربية قبائل وأفخاذ وعناصر مقتتلة.
وماذا ينفع العرب إذا خسروا دور مصر القيادى وربحوا، مثلا، قطر كبديل؟
ومن يعوض سوريا فى دورها التاريخى المعبر عن القلق على المصير والشوق إلى الوحدة والتحرير بعنوان فلسطين؟
ومتى يستعيد العراق عافيته ووحدته ويعود إلى موقعه الطبيعى فى خدمة القضايا العادلة لأمته، وأخطرها أن يكون عونا لا عبئا.. لاسيما وقد باشر تقدمه على توفير حل مقبول لمسألة أكراده.

***

السؤال الأخطر عن دور مصر: إنها القيادة. وقد علمتنا التجارب أن «الوحدة» تكون بها أو لا تكون، وأن العدالة الاجتماعية تكون بها ومعها أو لا تكون، وأن المستقبل العربى لا يمكن صياغته كما يتمنى أهله إلا بها ومعها، خصوصا إذا ما تلاقت مع المشرق بعنوان سوريا..

هى أحلام؟
ربما.. ولكن، متى كان الإنسان يعيش بلا أحلام؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved