جامعة دول عربية.. لمـــــن؟

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 15 يونيو 2016 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

يتساءلون، وأقصد أصدقائى المتابعين للشأن العربى، إن كانت وزارات الخارجية العربية ستواصل تعاملها مع جامعة الدول العربية وكأن شيئا لم يتغير غير شخص الأمين العام، يتساءلون ويجيبون.


●●●


توقعوا أن يعود المندوبون العرب وعلى قوائم اهتماماتهم كالعادة موضوع تعديل ميثاق ولوائح الجامعة والميزانية وحصص الدول فيها، وربما تقدمت مندوبيات دول بعينها، بالتشاور مع قياداتها فى عواصمها أو باجتهاداتها الذاتية، بأفكار تسمح لها بتغيير أوضاع داخلية فى الأمانة العامة تتيح فرصا جديدة للتدخل أو التوجيه، كل منها لهدف معلوم أو مستجد. أما الأهداف المعلومة فيتصدرها هدف السعى للتأكد من أن الأمين العام الجديد يأتى مستوعبا رغبات ومصالح كل دولة عضو فى الجامعة ومتفهما حقيقة وضع توازن القوى السياسية والمالية لكل عضو وانعكاسات هذا الوضع على صنع القرار داخل الجامعة.

من الأهداف أيضا التثبيت المبكر لأقدام ونفوذ مندوبى الدول داخل الأمانة العامة، بحجة الرغبة الطيبة والبريئة نحو ترشيد أداء العاملين وتجديد ولاءاتهم أو كسب ولاءات جديدة.


يعود الكثيرون من المسئولين عن العمل العربى المشترك إلى اجتماعاتهم فى الأمانة العامة لتفاجئهم حقيقة أن أمورا كثيرة تغيرت. التغير لم يقتصر على شخص الأمين العام ومستشاريه المقربين إنما يطال مفهوم الجامعة وجوهر وظائفها وأدوارها، بل لعله يلامس سبب وجودها. التغيرات وصلت إلى النظام الإقليمى الذى جاءت الجامعة العربية لتحمل اسمه وتحقق طموحاته وتدافع عن هويته، بل لقد شرفها التاريخ حين سجل لها دورها ومشاركتها فى نشأته.


واقع الأمر أننا، وأقصد أنا وعددا من الذين راقبوا مسيرة العمل العربى المشترك على مدى سنوات عديدة، منا من راقب المسيرة من داخلها ومنا من راقبها من الخارج، توصلنا إلى اقتناع كامل بأن تعديل الميثاق الراهن وإصلاح لوائح العمل والأداء بالجامعة وتبديد طاقة الأمين العام ومساعديه وأرصدتهم الشخصية على التوسل المهين لزيادة الميزانية السنوية، هذه الموضوعات وغيرها من التى يجرى الآن تصفيفها استعدادا لإعادة عرضها على مجالس الحكام العرب ومندوبيهم انتهى وقتها.

أخشى أن يصبح الحديث فيها فى أفضل الأحوال وبأحسن النوايا أداء واجب لقاء راتب أو تجميل ما هو قائم وأثبت فشلا. إنما نعتقد وبحق أنه قبل أن نسأل عن ميثاق الجامعة الراهن وتعديلاته والمواقف العربية المتناقضة من هذه التعديلات وأنهار الحبر الذى تدفق لكتابة مسوداتها، أن نسأل السؤال الجوهرى الذى يجب أن يشغلنا كسياسيين وحكام ودبلوماسيين ومراقبين، ولا شك يشغل الباحثين والأكاديميين عربا وغير عرب، وهو هل لا تزال جامعة الدول العربية الوعاء الأمثل المعبر عن الحال النظامية الراهنة فى « العالم العربى»؟،

وللسؤال تتمة ليست بأقل أهمية، وهى عن «العالم العربى» الذى يفترض أن تمثله وتنتمى إليه وتحميه وترفع شاراته وراياته هذه الجامعة العربية. أتجاسر وأزعم أننا صرنا نواجه مشكلة حقيقية فى تعريف عبارتى الوطن العربى والعالم العربى غير واثقين تماما من أننا ونحن ننطق بأيهما لا نهدر حق وتطلعات شعب وطائفة أو نتجاهل ما طرأ على الخريطة من تغيرات وما نراه وما نتردد فى وصفه بكيانات غير عربية الهوى أو الهوية فى طور التكوين.


قامت الجامعة العربية لترمز لنظام إقليمى عربى. صعب علينا الآن أن نفترض أن هذا النظام موجود، نظام تنطبق عليه الشروط «الأكاديمية» والسياسية والاستراتيجية التى تؤهله لحمل صفة «العربى» وصفة «الإقليمى»، ولتمثله منظمة تدعى لنفسها صفتين لا تتوفران معا فى أى مكان آخر، وهما الإقليمية والقومية.

هل نبالغ أو نخدع فنستمر فى الزعم بأن هذه المنظمة ما زالت تمثل بالفعل كتلة مصالح «عربية» وتعكس «هوية» استقرت عليها الدول الأعضاء كشرط عضوية؟، أو الزعم بأن هذه الدول الأعضاء وشعوبها وطوائفها وأعراقها تلتزم «العروبة» عقيدة معلنة أحيانا وكامنة بعض الوقت كما عند الأزمات وفى الأعياد والمناسبات.


إن الإجابات التى نسمعها على أسئلة من هذا النوع، وهى الآن ملىء الساحات المدمرة والحدود المخترقة وملىء سجون غاصة بالشباب والنساء والأطفال، لا تعنى بالضرورة أكثر من أن بعض من فى هذه «الأمة» أصبحوا أشد ميلا من أى وقت مضى للاعتقاد بأن النظام الإقليمى العربى قد سقط أو بكلمات أخرى، للتخفيف من وقع الصدمة فى قطاعات عديدة، هو نظام آيل للسقوط.


أسباب السقوط سواء حدث أو يحدث، كثيرة اختار منها ما سبق أن حذرنا من عواقب عدم معالجتها، اختار مثلا تسلط حكام وأنظمة حكم بعينها على شعوبها لفترات تطول أو تقصر، حقق بعضها درجة أو أخرى من النمو ولكنه النمو المهدد دائما بثورات لاستعادة الحقوق يعود به إلى نقطة الصفر أو تحتها بكثير، وهو أيضا من نوع النمو الذى لا تصاحبه قدرة أو نية على الخلق والابداع والابتكار. سقط النظام الإقليمى العربى، أو هو يسقط الآن، لأن حكومات دول الإقليم المتسلطة رفضت تسهيل عبور وانتقال السلع عبر حدودها، وانتقال الأفراد للعمل بحرية. رفضت إقامة المشروعات التكاملية التى تنشر روح المشاركة بين شعوب الإقليم وتترجم شعارات النظام وعقيدته القومية إلى أعمال ملموسة على الواقع.

سقط لأن الحكومات لم تشجع شعوبها على المشاركة فى تقرير مصيرها ومصائر أمنها، ونادرة هذه الحكومات العربية التى أقامت حكمها على أسس التعددية الثقافية وحقوق الأقليات فى مجتمع عربى كبير.


سقط النظام الإقليمى العربى أو ها هو يسقط أمام عيوننا ومعظم دول الإقليم مستمرة فى ممارسة هواية بل عقيدة الاستئناس برأى الأجنبى وسلاحه وأمواله فى كل صغيرة وكبيرة، ومستمرة فى الادعاء، ساعة الهزيمة أو الفشل، وما أكثر هذه الساعات، بأن العالم كله ينفذ مؤامرة ضد العرب.

سمعنا هذا الادعاء أيام هزيمتنا فى حروب فلسطين الأولى ونسمعها الآن فى أيام انغماسنا فى حروب غبية وسقيمة، لم يهتموا باستشارة شعوبهم ولكن اهتموا برأى الأجنبى المرحب دائما بأى حرب فى هذا الإقليم أو غيره.


سقط أيضا النظام الإقليمى العربى لأن الحكام لم يهتموا بتشجيع فكر التكامل أو الاندماج الإقليمى. رحل التكامليون العرب من الآباء المؤسسين لفكر التكامل ولم يخرج أمثالهم من بعدهم، ولم أعرف، من جانبى على الأقل، أن جهدا مدروسا بذلته الجامعة العربية والمؤسسات التعليمية العربية والمنظمات العربية المتخصصة من أجل تشجيع جيل جديد يرتفع إلى مستوى إبداع وانجازات التكامليين فى بروكسل أو فى أمريكا اللاتينية.


●●●


أضيف إلى قائمة أسباب سقوط النظام الإقليمى العربى الخطأ الكبير الذى ارتكبه عدد غير قليل من حكومات الإقليم حين استهانت بخطورة الغضب المكتوم فى مجتمعاتهم، وانسداد منافذ التنفيث والتعبير.

كانت النتيجة أنه بدلا من أن يحدث الانفجار فى إطار منظم وبقيادات قوى سياسية مسئولة وتنظيمات شبابية وطنية، وأن تنتهز التيارات المتحضرة والتقدمية داخل الحكومات الفرصة للاستفادة بطاقة هذه الثورات فى تطوير أساليب الحكم وعقيدته ونظامه، تعاملت بعض الحكومات مع جماهير الثورات بالعنف وتستخدم عناصر فوضوية وخارجة على القانون لإثارة فوضى متعمدة، كانت النتيجة أن انفرطت ثورات ثم انفرطت مجتمعات ثم انفرطت دول، ثم انفرط أو ها هو ينفرط النظام الإقليمى العرب.

لا ننسى أنه على مسافة أمتار من أيقونة ثورات الربيع تقف على طرف فى ميدان التحرير بالقاهرة جامعة الدول العربية تسأل الرائح والغادى «من أكون ومن أمثل إذا كان الإقليم بدون نظام إقليمى؟».


●●●


أقول دائما إن التاريخ كان كريما معنا نحن العرب. منحنا قرنا كاملا، من ١٩١٦ إلى ٢٠١٦، لنتدبر أمر واقعنا وأمور مستقبلنا. جرب معنا كل أساليبه، جرب معنا الحرب والسلم وجرب الهزيمة والنصر وجرب الاشتراكية والرأسمالية. أذاقنا طعم الاستقلال فرفضنا التنكر لطعم التبعية. جربنا معه التدخل فى الشئون الداخلية لبعضنا البعض، ولكن جربنا فى الوقت نفسه الالتزام بالقومية والسيادة الوطنية واحترام التعددية الثقافية، كنا من بين أوائل من جربوا التكامل الإقليمى وأتيحت لهم فرص للاستمرار فى التجربة ورفضنا.


كان التاريخ بالفعل كريما معنا، منحنا دولا بحدود وشعوب وعقيدة وتاريخ وحماية أجنبية ومنحنا عدوا ليجمعنا ويحفزنا، ساعدنا لنقيم نظاما إقليميا وجامعة عربية ولم نكن أوفياء لأى منهما، أسقطنا النظام الإقليمى العربى، أو ها نحن ندفعه للسقوط.. وجمدنا جامعة الدول العربية أو ها نحن نحذف من عنوانها عروبتها.


●●●


أتطلع بلهفة لرؤية وجوه هؤلاء الذين سوف يتصدون لمهمة تكوين نظام إقليمى جديد، ولعلهم بيننا يخططون ويستعدون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved