عن دولة «داعش» التى فضحت دولنا ورعاياها

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 15 يوليو 2015 - 11:20 ص بتوقيت القاهرة

فضحتنا «داعش»..

فضحتنا هذه «الدولة ـ الوهم» بشعارها الإسلامى المزور و«خليفتها» الآتى من الماضى، فكادت تلوى عنق مستقبلنا نحو المجهول وهى تصادر الحاضر فى قلب عجزنا عن مواجهتها، ثقافيا وفكريا واجتماعيا قبل العسكر والميليشيات، التى تحولت ـ بطائفيتها ومذهبيتها ـ إلى مصدر دعم لهذا التنظيم الآتى من الجاهلية مزودا بأحدث منتجات العقل البشرى فى مجال التواصل الاجتماعى وأدوات تعميم الخوف لفرض الاستسلام لهذا «القدر» طلبا للسلامة.

فضحتنا فى أنظمتنا الشديدة على شعوبها، الهاربة من ميدان المواجهة مع أعداء الأمة فى حاضرها وفى غدها إلى التسليم بشروطهم التى تذهب بالسيادة والكرامة والاستقلال، والتى تهدر ـ وهذا هو الأخطر ـ كرامة الدين فضلاً عن حق الإنسان (المواطن!!) فى حياة كريمة.

فضحتنا فى واقع مجتمعاتنا التى تكشف تخلفها وتمزقها وترديها فى وهدة الخوف من الحاضر بذريعة الحرص على المستقبل الذى يكشف عجزنا عن محاولة صياغته بما يحفظ كرامتنا الإنسانية.

فضحتنا فى عجزنا عن الثورة، لنقص إيماننا بأنفسنا وبقدرتنا على الفعل، هذا العجز الذى ذهب بانتفاضات «الميدان» إلى التيه لافتقادها القيادة المؤهلة والبرنامج الثورى لإعادة صياغة الحياة، والقادر على تحويل هدير الملايين فى الشوارع إلى قوة فاعلة تحمى المسيرة إلى التغيير من المصادرة بالمزايدة التى تطرح الانقلاب الشامل والفورى، حيث لا بدائل جاهزة: فلا قائد يفرضه الإجماع ولا قيادة تقدمها «النخب» ولا «جبهة» يتلاقى فيها المختلفون فى الأسلوب المتفقون نظريا على الهدف، حتى إذا صار الهدف فى متناول اليد تضاربت الأيدى وتشابكت فى صراع عبثى، وعاد الجميع إلى دوامة الضياع حول تحديد الأولويات.

فضحتنا فى جهلنا للسياسة لانقطاعنا القسرى عن ممارستها فى حياتنا اليومية بدافع الخوف أو الانتهازية ومداراة السلطان.. ومن مارسها بالممالأة خسر قضيته وخسر مع براءته أسباب قوته، فالمساومة مع السلطان تذهب بالبراءة والتطهر مغلبة الانتهازية التى تفتك بالثورة وحلم التغيير.
والثورة علم وتنظيم وتصميم وصبر عظيم وخطة للتحرك تحدد متى تتقدم وأين وإلى أى مدى، ومتى تتراجع تكتيكيا لتحمى مسيرتك ولو بطأت خطاك من دون أن تضيع منك الطريق أو يضيع الهدف فتراوح مكانك، بينما يستمد النظام من مراوحتك قوة فيغادر موقع الدفاع، ويهاجمك بشعاراتك فيقتلك بأخطر أسلحتك لإسقاطه.

***

لقد فضح «الميدان» تهاوى الأنظمة، ولكنه كشف بالمقابل النقص الفاضح عند معارضاته، ممثلاً فى فرقتها ثم فى غياب القيادة المؤهلة ومشروع التغيير الثورى عبر برنامج مدروس محددة مراحله ومقتضياتها التكتيكية.

بديهى أن الميدان لم يكن مهيأ ومستعدا للمواجهة مع مشروع مضاد كالذى يحمله «داعش»، خصوصا أنه لم يكن بكامل الاستعداد لمرحلة ما بعد إسقاط النظام.. من هنا فإن جهده قد تركز على محاولة استيعاب التداعيات المنطقية «للسقوط المنظم» للنظام، الذى لم يمنع الميدان من الاحتفال فرحا بالإنجاز، لكنه ـ بالمقابل ـ كشف عدم جاهزيته، لأن يتقدم إلى مركز القرار برموزه القيادية معززين ببرنامجه للتغيير.

ربما لأن النظام فى تونس، ثم فى مصر، قد سقط من دون قتال، وفى زمن قصير نسبيا، قد حرم «الميدان» من التقدم إلى الإمساك بالسلطة معلنا: «الأمر لى!.. وهذا هو برنامجى»، إلا أن الطبيعة ترفض الفراغ، وهكذا تقدم التنظيم الأقوى ـ نسبيا ـ فى تونس إلى الانتخابات، فلما أكدت تفوقه على باقى فصائل المعارضة اندفع الإخوان المسلمون إلى التفرد معتبرين أن موعدهم مع القدر قد حان.. لكنهم سرعان ما فوجئوا وبعد وقت قصير أن «الميدان» لا يقبلهم قائدا مفردا، فتراجعوا بسرعة معلنين التسليم بما تقرره اللعبة الانتخابية. على أن وقتا ثمينا قد ضاع عبر هذه المناورة، مما وسع هامش الحركة أمام «داعش» فوجه ضربات عدة، وفى مواقع حساسة، مما زاد من انكشاف أسطورة شعبية التيار الإسلامى المعتدل ممثلا بإخوان تونس الذين تميزت قيادتهم بأنها قد أفادت من تجربة أقرانها إخوان تركيا، الذين قدموا نموذجا لنجاح الفكر الإسلامى المعتدل لكى يقبله الغرب، فى قيادة السلطة.

***

ولعل تجربة إخوان تونس فى القفز إلى السلطة عبر جبهة أقيمت على عجل وفى آخر لحظة قد شجعت الإخوان فى مصر على ارتكاب جريمة التفرد بالسلطة فكانت النتائج كارثية، إذ استفزوا الميدان الذى استعاد روحه للحظة فحسم أمر إسقاطهم لكنه لم يكن فى وارد تشكيل البديل، فكان أن تقدم «التنظيم» الوحيد المتماسك والمنضبط والقادر على الإمساك بالأمور، الجيش، إلى سدة الرئاسة فتولاها، تاركا «الميدان» فى قلب المفاجأة: لا هو يستطيع أن يرفض الأمر الواقع، ولا هو يستطيع التسليم بأن دوره قد انتهى وعلى جماهيره الانصراف إلى حيث كانوا قبل تلبيتهم نداء الثورة للتلاقى فيه.

ولأن مناخ «الإسلاميين» فى تونس، لا سيما تنظيماتهم وتشكيلاتهم السرية المعترضة على «مدنية» الإخوان و«غربيتهم» كان أكثر تطرفا منه لدى «إسلاميى مصر»، خارج دائرة الإخوان المسلمين، فقد اندفع هؤلاء نحو «داعش» باعتبارها الطريق إلى المستقبل. وهكذا انتبه العالم إلى واقع ان مئات من شباب تونس قد التحقوا بـ«داعش»، واندفعوا يقاتلون تحت رايته فى سوريا، أساسا، كما فى العراق.

وكان منطقيا أن يستعيد «العهد البورقيبى» فى تونس اعتباره، بعد النكستين اللتين منى بهما الإسلاميون: فالمعتدلون لم يثبتوا جدارتهم بالقيادة فهزمتهم الديمقراطية التى اعتبروا التزامهم بها صك براءة من تهمة التطرف، أما المتطرفون فلم يتورعوا عن ارتكاب المجازر فى تونس ذاتها، وأن يتسببوا فى تدمير الصورة البهية للانتفاضة العربية الأولى ضد الطغيان التى حفرها فى الوجدان صوت محمد البوعزيزى، وهو يطلق صرخته عبر إحراق نفسه لإشعال نار الغضب فى بلدته بل فى تونس والأمة جميعا.

ومؤكد أن عودة البورقيبية إلى تونس ستشكل هزيمة للحكم الإسلامى المعتدل الذى باشر تقديمه من دون نجاح يذكر «الإخوان» مما سيزكى جنوح الإسلاميين، نحو مزيد من التطرف فى أحضان «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» وخليفتها «الإمام» البغدادى.

***

فضحتنا «داعش»!

لم يفضح هذا التنظيم الآتى من الجاهلية والآخذ إليها عبر آخر تجليات الهجوم بالشعار الدينى فى مجتمعات مضروبة بالديكتاتورية والتخلف وتحريم العمل السياسى، غياب الدولة لحساب الحكم بمعنى السلطة بل التفرد بالسلطة، بل هو فضح أساسا أن تلك السلطة فى أغلب الدول العربية إن لم يكن فى جميعها لم تكن تصدر عن «دولة» أو تؤسس لدولة، بل إنها قد تسببت فى إلغاء الدولة جميعا مكتفية منها بمؤسساتها الأمنية، التى تفرغت لحماية النظام بالأمن المطلق على حساب الدولة والشعارات الواعدة بمستقبل أفضل.

لقد استطاع هذا التنظيم المتوحش أن يفيد من التشوهات التى أحدثتها الأنظمة (التى ولد من رحمها) فى التاريخ وفى قدسية الأرض، حيث بات النظام أهم من الدولة، والرئيس أهم من النظام، والشعب قطيع يتلهى بترديد الشعارات، التى كانت تجسد أحلامه فى الحرية والوحدة والاشتراكية.

وهكذا تقدمت جحافل «داعش» فى أرض مفتوحة، بعض أهلها متواطئ معه لأسباب مذهبية ذهبت بولائه للدولة التى انتبه فجأة إلى أنها لم تعد دولته، وبعضهم الآخر يقاتله بشعار من صنف شعاره نفسه، ولكنه «يستعيد» الخلافة للأجدر بها بديلاً من الأقوى.

بديهى إذن أن تعجز هذه الدول التى ليست دولاً كالتى فى مختلف انحاء العالم المتقدم، حيث صندوقة الاقتراع هى الحكم، عن مواجهة «داعش»، الذى يحاول فرض «خليفته» بأسباب القوة ذاتها، التى يفرض فيها «الحاكم إلى الأبد» نفسه فى الأرض العربية، مضفيا على نفسه بعض مواصفات الذات الإلهية.

هل من الضرورى الإشارة إلى أن بين من يعيبون على «داعش» إنه لم يقاتل العدو الإسرائيلى، ولم يشر إليه، ولو بحرف فى بلاغ قيام خلافته، من قدم فى العداء بعض أشقائه العرب على إسرائيل فاندفع يقاتلهم من دون مبرر، كما تدل الحرب على اليمن، أو من ذهب إلى التحالف موضوعيا (ولو من دون إعلان) مع «داعش» ضد أنظمة عربية قد تختلف معه فى سياساته المعتمدة.

***

إن بعض الأنظمة العربية قد تجاوز حالة العداء مع إسرائيل إلى حالة تقارب التحالف معها.
وثمة أنظمة أخرى تبنى سياستها الآن وكأن «داعش» حليفها حكما، إن لم يكن اليوم فغدا، وبالتالى فإن مهادنته شرط حياة.

و«داعش» مرشح لأن يعيش مثل إسرائيل على الصراعات العربية العربية التى تنهك الشعوب وتفرض عليها الاستسلام أمام القوى الغاشمة سواء تمثلت بالنظام الحاكم أو بالمستعمر حاكم الحاكم، أو بـ«داعش» طالما أثبت أنه مؤهل لمواجهة هؤلاء جميعا!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved