الغياب العربى مطلق وللغرب الأمريكى حق القرار

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 15 أكتوبر 2014 - 7:50 ص بتوقيت القاهرة

يوم الأحد الفائت تلاقت معظم دول العالم (الغربى) فى القاهرة، فى اجتماع دولى تحت عنوان «إعادة إعمار غزة» التى دمرتها الحرب الإسرائيلية الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، هذا لا يهم.

صحيح أن الاجماع الدولى تعامل مع غزة على أنها بعض فلسطين التى ما يزال العدو الإسرائيلى يحتل أرضها وإرادتها، ولكن واقع الحال أن شئون غزة (وكل فلسطين) باتت مسألة دولية وليست بأى حال «قضية عربية».

ومنذ ثلاثة شهور أو يزيد، اجتاحت جحافل «داعش»، أى «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» شمال العراق، فاحتلت مدينة الموصل، ثانية كبرى المدن فى أرض الرافدين، ومدت سيطرتها بقوة السلاح نحو بغداد، كما أنها تمددت غربا فى اتجاه سوريا فأكملت احتلالها مدينة الرقة، على نهر الفرات، وحاصرت دير الزور والبوكمال، واتجهت نحو الحدود التركية فحاصرت مدينة «عين العرب» وما تزال.

ولقد رأى «المجتمع الدولى» بالقيادة الأمريكية أن الدولة العراقية أعجز من أن تواجه جحافل الغزو المسلح المعززة بالراية الإسلامية، فقرر أن يتصدى لها «من الجو» وعبر غارات مكثفة لطيرانه الحربى.

ولأن القيادة الأمريكية لا تريد أن ترسل قوات برية، فقد اكتفت بتحريك أساطيلها البحرية ومن ضمنها حاملات الطائرات التى ترسو قريبة من المياه الإقليمية العربية أو فى قلبها، وأطلقت أسراب طيرانها الحربى لتدك معاقل «داعش» الذى يتوسع يوميا فى أرض الرافدين، شرقا فى اتجاه بغداد وغربا فى اتجاه سوريا حتى الحدود التركية، حيث تقع «عين العرب».

الإمرة أمريكية، وبالتالى كان طبيعيا أن يشارك طيران دول الجزيرة والخليج، أى السعودية والبحرين والكويت والإمارات وقطر فى هذه الغارات، إضافة إلى طائرات بريطانية وفرنسية وغربية أخرى وصولا إلى استراليا.

صحيح أن المؤتمر الدولى لإعادة إعمار غزة قد اتخذ من القاهرة مركزا له، وترك لمصر رئاسة الشرف، إلا أن مصر هى المضيف وليست صاحبة الدعوة أو «المقرر».

كذلك الأمر فى العراق، فالأرض عراقية سورية، والقوات المهاجمة تحت الراية الإسلامية هى خليط من أكثرية عربية ومعها مقاتلون من جنسيات عديدة، أمريكية وأوروبية وآسيوية، إضافة إلى مقاتلين عرب خرجوا من دولهم وعليها، والإمرة أمريكية، بطبيعة الحال، ومن خارج القرار الدولى ممثلا بالأمم المتحدة ومجلس الأمن.

•••

غير بعيد عن القاهرة، تحضّر «الدول» مشاريع حلول للأزمة الدموية التى تجتاح ليبيا وتكاد تدمرها، ويجىء الأمين العام للأمم المتحدة إلى طرابلس ليلتقى «الحكومات» و«قوى الأمر الواقع» التى تقتطع كل منها بعض المدن والمناطق والقطع العسكرية، وفيها «إخوان مسلمون» كما فيها «وطنيون» و«وحدويون» وانفصاليون بميل غربى أمريكى واضح.

وكل ما يجرى يتم خارج أى إطار قانونى أو سياسى عربى، وخارج إطار الشرعية الدولية.

أما سوريا فتزداد أزمتها الدموية تعقيدا، ويتعذر استنباط حلول داخلية لهذه الأزمة التى تطورت إلى حرب فى سوريا وعليها، فيتقرر ان يعقد مؤتمر دولى برعاية الأمم المتحدة فى جنيف، لمحاولة إيجاد حلول توقف النزف الدموى (والاقتصادى والعمرانى) الخطير الذى يكاد يذهب بهذه الدولة التى كان لها دور أساسى وثابت فى السياسة العربية على امتداد نصف القرن الأخير... وحتى هذه اللحظة يبدو واضحا ان لا حل فى الأفق، وان الأزمة التى تستنزف سوريا ومحيطها العربى ستبقى مفتوحة على المجهول حتى يقضى الله أمرا كان معلوما.

أما فى اليمن، فإن الأزمة الدموية التى تفجرت فيه فاستهلكت مقومات هذه الدولة الفقيرة، باقية بلا حل إلى أمد غير محدد.

•••

وواضح أن مشروع الحل الذى ابتكرته «الدول» بالاشتراك مع مجلس التعاون الخليجى، والذى قضى بإخراج على عبدالله صالح من موقعه كرئيس ملك خليفة لمملكة سبأ، لم يكن كافيا وملبيا شروط معارضاته متعددة الهدف، فى الداخل، كما فى الخارج.. وهكذا عادت الأزمة إلى المربع الأول، فتقدمت جحافل الحوثيين فى اتجاه العاصمة، مطالبة باستقالة الحكومة وإعادة صياغة قيادة البلاد.

ولقد اضطر الرئيس اليمنى إلى إقالة الحكومة، وسمى بديلا لرئيسها «الجنوبى» هادى منصور شخصية من «الجنوب» أيضا، فرفضت المعارضة أن تستمر قمة الحكم فى أيدى الجنوبيين، وما تزال الأزمة معلقة فى انتظار حلول دولية، قد يكون لبعض «العرب» رأى فيها، ولكنها ليست من صنعهم ولا هى تحت مسئوليتهم.

هل من الضرورى التذكير، أيضا وأيضا، أن فلسطين لم تعد «قضية عربية» منذ زمن بعيد، لعل بدايته كانت مع عقد اتفاق أوسلو، مع العدو الإسرائيلى تحت الرعاية الأمريكية. فى المقابل فإن رئاسة الدولة فى لبنان شاغرة منذ 25 مايو الماضى.. والمؤكد أن الوطن الصغير سيبقى بلا رئيس حتى إشعار آخر. والإشعار الآخر مرتبط بابتداع حل سحرى ما لهذه الأزمة التى لكل دولة مؤثرة فى العالم نصيب منها وفيها.

•••

هذه لمحة عن أحوال «العرب» ودولهم، فى هذه اللحظة: ليس القرار قرارهم، فى أى شأن من شؤونهم، يستوى فى ذلك «الحرب» أو «السلم»، السياسة أو الاقتصاد، أو الاجتماع والتعليم بل ونظام الحكم جميعا.

إن «العرب» لم يعودوا يكتفون بهويتهم مرجعا.. لقد اندثرت جامعة الدول العربية أو تكاد، وعجز مجلس التعاون الذى يجمع دول الخليج العربى عن أن يكون مرجعية، وطوت الأيام سائر المؤسسات الجهوية التى ابتدعت ذات يوم، بديلا من الجامعة العربية، وهربا من تأثير هذه العاصمة العربية أو تلك (القاهرة أساسا، ومن بعدها دمشق ثم بغداد، ثم الدوحة عندما دالت دول العرب..)

السؤال الآن: هل انتهت صلاحية «العروبة» كهوية طبيعية لأهل هذه الأرض المنداحة بين المحيط والخليج، وكفكرة تقترب من ان تكون عقيدة تجتمع فيها التمنيات والطموحات والذكريات الغوالى عن أمجاد الماضى الملتبسة التى لا تشكل تاريخا، وإن كانت منه وفيه؟

وهل كتب على هذه «الأمة» بأقطارها العديدة، جمهوريات وممالك وإمارات مذهّبة تستشعر النقص أو التضخم، أن تعيد البحث مرة بعد مرة عما يجمع بين «دولها» فى حين أن «رعاياها» كانوا يستخفون بـ«الحدود» التى استنبتت فجأة ففرقت بينهم، هم الذين كانوا يرون فى الروابط التى تشد بعضهم إلى البعض الآخر ما يؤكد وحدة تاريخهم فى الماضى، حتى لو كان من صنع غيرهم. أما فى الحاضر فهم متباعدون إلى حد أن بعضهم يفترض ان نهضته أو تقدمه أو حريته لا يمكن ان تتم إلا عبر انفصاله عن الآخرين من «أشقائه» فى التصنيف القديم الذى لا يجد له سندا من التاريخ، فى الواقع، مستهينا بدور الجغرافيا التى طالما اصطنعت بحد السيف فى الماضى، والتى تعيد صياغتها المصالح فى الحاضر، فى ضوء التوقع لمستقبل مختلف؟

هل تجتمع هذه الأمة فى التراث الفكرى وفى الشعر المعبر عن الوجدان وفى مراحل مضيئة من التاريخ ثم تفترق فى الواقع المعبر عن المصالح جمهوريات وممالك وإمارات فى النثر الذهبى الذى يأخذ إلى «الخارج» باعتباره ضمانة الدول التى لم تكن دولا بالمعنى الفعلى فى أى يوم، والتى يتم السعى بالأجر إلى ابتداع «تاريخ» لها يفصلها عن أهلها فى محيطها، وإلى تبرير لجغرافيتها من خارج منطق الوقائع الثابتة بدلالاتها والتى تؤكد البتر والاجتزاء وتزوير الأصل؟!

هل كتب عليها ولها أن تعود بأقطارها جميعا، ولا سيما الأغنى غنيمة لمن ينتصر فى الحرب فيها وعليها، وفى غياب أهلها (سوريا، العراق، ليبيا، السودان الخ..)؟!

•••

لقد عاش أهل هذه الأرض عقودا عند باب الحلم باستعادة هويتهم الواحدة والموحدة، حين تبدى أن «السلطنة العثمانية» فى طريقها إلى السقوط، عشية الحرب العالمية الأولى، وخادعهم الغرب فأوحى إليهم أنه يساند طموحهم إلى استعادة حقهم فى تقرير مصيرهم فوق أرضهم وبهويتهم التى كانت لهم فطمست بالشعار الإسلامى للسلطنة.

وها هم «العرب» يعودون إلى نقطة البداية فى البحث عن «هوية» تجمعهم، وعن «راية» تلم فرقتهم، وعن قيادة مؤهلة وقادرة تؤكد المؤكد من وحدة مصيرهم فى الحاضر والمستقبل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved