إنها كركوك... إنها نحن


صحافة عربية

آخر تحديث: الأحد 15 أكتوبر 2017 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

نشرت صحيفة الحياه اللندنية مقالا للكاتب «حازم صاغية» جاء فيه: كركوك اليوم مصغر حالتنا فى المنطقة. ضمها إلى الاستفتاء فى إقليم كردستان كان خطوة غير محسوبة بدقة. الزئير التركى فى المنطقة يفاقم الخوف من احتمال سيئ «يطمئننا» كثيرون إلى أنه لن يحصل.
مشكلة كركوك، قبل هذا كله وبعده، مشكلة المنطقة. مشكلة التفاوت بين واقع التعدد الخصب وإدراكه الفقير.
كركوك ليست عربية أو كردية أو تركمانية. إنها كل هذا معا. لكنْ هل يمكن ذلك فى زمن اندفاع الهويات الهوجاء؟
كركوك عربية، بشهادة تاريخ بعض عائلاتها، كعائلة التكريتى التى انتقلت إليها من تكريت فى القرن السابع عشر. وكركوك كردية، كانت لمئات السنين عاصمة لآل بابان الأكراد، وفى النصف الأول من القرن الماضى عاش فيها السيد وعالم الدين الكردى أحمد خناقه، الذى كان مرشد الطريقة النقشبندية فيها. وكركوك تركمانية، انتقلت إليها بعض عائلاتها، كالعوجى والنفطجى، مع حملة السلطان مراد الرابع فى 1638.
حنا بطاطو، صاحب الكتاب المرجعى عن الطبقات الاجتماعية والأحزاب السياسية فى العراق، يضرب مثلا عن السيولة السكانية للمدينة: فى الأربعينيات، نما فيها الحزب الشيوعى بسبب صناعة النفط، لكنْ «واحدٌ من كل خمسة مسئولين [شيوعيين] وواحدٌ من كل عشرة أعضاء فى اللجان الحزبية المحلية ولدا فيها».
تعددها العربى ــ الكردى ــ التركمانى ــ الأشورى، وفى زمن أسبق الأرمنى ــ اليهودى أيضا، هو النعمة التى تحولت ولا تزال تتحول إلى نقمة. بالمعنى نفسه: كونها المركز النفطى الأهم فى العراق مصدر نعمة آخر يغدو مصدر نقمة آخر.
تاريخ كركوك حافل بالمآسى التى سببتها الهويات القوية فى مقابل الهوية العراقية التى لم تنشأ إلا لفظيا. الجلاد والضحية كثيرا ما تبادلا الأدوار فى هذه اللعبة الدموية. فى 1959، فى الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لانقلاب 14 تموز (يوليو)، أنزل الشيوعيون الأكراد، المؤيدون لـ«الثورة»، مذبحة بالتركمان المتحفظين عليها: عشرات القتلى والجرحى والبيوت المحروقة والمنهوبة.
لكنْ منذ 1991 باشر نظام صدام حسين عملية طرد طالت مئات الآلاف من الأكراد والأشوريين من كركوك وسائر المنطقة الغنية بالنفط، ليُحل عربا محلهم.
خلفيات التاريخ لم تكن أحسن حالا: احتلها البريطانيون فى 1918 ثم انسحبوا منها ثم عادوا إليها. بعد الحرب العالمية الأولى تواصلت محاولات بريطانيا وفرنسا وتركيا ضم ولاية الموصل، وفى عدادها كركوك، ولم تنجح معاهدة لوزان فى 1923 فى حل المشكلة. فقط فى 1926، وبموجب معاهدة أنغورا، أصبحت كركوك جزءا من المملكة العراقية. الأكراد الذين عارضوا، بقيادة محمود الحفيد، قصفتهم الطائرات البريطانية وفرضت عليهم الهوية العراقية الجديدة. بعد زمن طويل نسبيا، فى اتفاق آذار (مارس) 1970، بين بغداد والملا مصطفى برزانى، كانت كركوك وخانقين الإشكال الأكبر، أو الذريعة الكبرى لتنصل الحكم البعثى من الاتفاق.
والخلفية انطوت أيضا على تناحر اجتماعى، لا سيما بين التركمان والأكراد. التركمان تفرعت عائلاتهم الغنية عن بيروقراطية العهد العثمانى. الأكراد ريفيون فى معظمهم، تزايدت هجرتهم إلى المدينة مع نشأة الصناعة النفطية وتوسعها. التركمان فى عمومهم أغنياء وأبناء طبقة وسطى. الأكراد فى عمومهم فقراء. الأولون دائنون. الآخرون مدينون.
فى هذا الزمن المتفجر بأحقاده، بميراثه التاريخى المؤلم، بتفاوت علاقاته الاجتماعية...، يُخشى أن تهبط على كركوك مصيبة أخرى، مصيبةٌ «تكافئها» على تعددها، وعلى ثرائها أيضا.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved