عالم ما بعد فيتنام

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

دانانج، اسم لا ينساه أبناء جيل كان شاهدا على أحد أبشع حروب البشرية. أقصد حرب أمريكا ضد فيتنام. فمن دانانج انطلقت القوات الأمريكية تدمر وتخرب وتقتل شعبا لم يكن يبغى أكثر من استكمال حقه فى طرد المستعمر الفرنسى ثم الأمريكى. ومن دانانج، وبعد أكثر من خمسين عاما، انطلقت فى الأسبوع الماضى إشارات مهمة تعلن واحدة منها الاعتراف للصين ولأول مرة عضوا أول وقائدا لنظام إقليمى فى جنوب شرقى آسيا. تعلن إشارة أخرى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من دور القوة الضامنة لأمن واستقرار الإقليم، بمعنى آخر تعلن نهاية دور صاغته أمريكا لنفسها فى أعقاب إعلان هزيمة اليابان فى نهاية الحرب العالمية.
***
كنا، من بعد بعيد، فى انتظار رسالتين يتسلمهما أعضاء قمة الآبيك، أى قمة المجموعة الآسيوية الباسيفيكية المنعقدة فى دانانج بفيتنام. انتظرنا رسالة يحملها الرئيس شى القادم لتوه منتصرا وقويا من مؤتمر الحزب الشيوعى الصينى التاسع عشر. نحن من هذا البعد وزعماء الدول أعضاء مؤتمر الأيباك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لم نحمل ذرة واحدة من الشك فى أن الرئيس الصينى يأتى إلى هذا المؤتمر أقوى مرات عديدة وأعظم نفوذا وأوسع صلاحيات من أى مرحلة أخرى منذ توليه مسئولية رئاسة الدولة والحزب فى الصين. ولم يخيب أمل الكثيرين فقد جاء يحمل رسالة. أما الرسالة فتقول بأن الصين سوف تتحمل مسئولية حماية واستقرار ورخاء إقليم جنوب شرقى آسيا، وإنها، وهو الأهم، قررت الاستعداد لتتسلم مسئولية قيادة العالم منفردة أو مشاركة قبل منتصف القرن، أى خلال ثلاثين عاما على الأكثر. تلتزم الصين من الآن بأنها سوف تسعى لتوثيق عرى التجارة العالمية الحرة ودعم المؤسسات الاقتصادية الدولية والاندماج فى العالم. لن تتخلى عن تعزيز ما حققته العولمة وتتعهد بمزيد من الانجازات من خلال برنامج الطريق والحزام باعتباره أداة الصين لتعميق العولمة وتوسيع دوائرها.
***
استمعنا، نحن ودول الإقليم والدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى، بالاهتمام الواجب لتفاصيل رسالة الصين ثم جلسنا نقرأ بالدقة الممكنة رسالة الرئيس دونالد ترامب الذى انبهر باستقبال الفيتناميين رغما عن الكره المتأصل لدى الشعب الفيتنامى للأمريكيين. انبهر أيضا، ولعله على الدوام منبهر، بما أسماه المعجزة الفيتنامية. لا شك فى أنه شعر منذ لحظة التئام شمل المؤتمرين فى فيتنام أنه رغم مظاهر التفخيم من جانب الجولة المضيفة أن التبجيل من جانب الآخرين كان ناقصا. لم يحظ بما كانت تحظ به أمريكا من احترام وتقدير وأولوية فى مؤتمرات آسيوية أو دولية. كان واضحا لنا فى الصور. وكان واضحا أكثر فى الوجوم الذى استقبل به الآسيويون والأوروبيون رسالة أوباما إلى آسيا. 
ترامب جاء إلى آسيا منسحبا من اتفاقية الشراكة عبر الباسيفيكى ومتمردا على اتفاقية التجارة الحرة العالمية. جاء ليعلن أن بلاده لن تدخل بعد الآن فى اتفاقيات ومعاهدات متعددة الأطراف. أمريكا ستعقد إن احتاجت اتفاقيات ثنائية تخدم مصالحها، لا أكثر. قال هنا ما من شأنه أن يكون ترجمة حرفية لشعار أمريكا أولا. الرسالة واضحة. إنها الانعزالية الأمريكية الجديدة فى أجلى معانيها. فهمها الصينيون على الفور. العالم يعرف، والمشاركون فى هذا المؤتمر ومؤتمر الآسيان الذى لحقه فى مانيلا أيضا يعرفون أن الصين لن تكون سعيدة بسياسة ترامب الانعزالية كما يتصور البعض. الصين شريكة أمريكا وفضل الصعود الصينى تشارك فيه أمريكا والعولمة التى كانت تقودها. الأوروبيون كالصينيين هم أيضا غير سعداء بانعزالية أمريكا. الروس قد لا يكونون مستائين فانعزال أمريكا يمنح روسيا الفرصة لتتوسع فى النفوذ فى مواقع معينة قبل وصول الصين إليها، فضلا عن أن قاعدة كادت ترسخ يروج لها بعض علماء السياسة من الأمريكيين، تقضى بأن روسيا البوتينية لن تتوقف عن بذل كل جهد ممكن للإضرار بأمريكا داخليا وخارجيا.
***
واقع الأمر فرض على الرئيس ترامب أن تحتل كوريا الشمالية المكانة الأولى فى جدول أعمال رحلته إلى آسيا. كان خطأ لعله متعمد. لم يفت على السياسيين والإعلاميين الآسيويين رسو حاملة طائرات أمريكية عند الأفق ليراها المؤتمرون ويصورها الإعلاميون لتراها بيونج يانج وسول. الرئيس ترامب لم يكن يود أن تنشغل لقاءاته بمشكلات أمن بحر الصين الجنوبى والأعمال الإنشائية الصينية فيه. أراد، بعقل التاجر ورجل الأعمال، أن لا تكون هناك قضايا تساوم بها الصين على حساب مسائل التجارة بين البلدين، وبخاصة مسألة فتح السوق الصينية أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية. لاحظ الأمريكيون على مر الشهور الماضية أن الصين لم تتنازل أمام ضغوطهم فتضغط بدورها على كوريا الشمالية لصالح واشنطن. لاحظوا خلال الأيام الأخيرة أن كوريا الشمالية توقفت تماما عن إطلاق الصواريخ بمناسبة انعقاد المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى فى بكين. هل كانت بادرة مقدمة من حزب شيوعى إلى حزب شيوعى آخر، أم كانت استجابة لطلب صينى ليتركز الاهتمام العالمى على المؤتمر وليس على المواجهة بين أمريكا وكوريا الشمالية. أيا كانت الحال لم تدع الصين فرصة تمر دون أن تذكر كلا من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة أنها لن تتعايش مع درع الصواريخ التى تقيمها الولايات المتحدة على مقربة من حدود كوريا الشمالية التى هى قريبة جدا من حدود الصين. تعرف بكين أن كوريا الجنوبية نفسها غير متحمسة لإقامة الدرع ولكنها وافقت تحت الضغط الشديد الذى مارسه ترامب شخصيا على حكومة سول، وافقت أيضا عندما شعرت بتفهم الصين لموقف سول من الصفقة فلم تجعلها قضية حيوية فى العلاقة بين البلدين. بمعنى آخر فضلت بكين المحافظة على العلاقات التجارية عن إثارة قضية الدرع. من ناحية أخرى راح ترامب يمارس على حكومة طوكيو أضعاف ضغطه على سول ويحاول ممارسته بدرجات أخرى على حكومات جنوب شرق آسيا. هذه المؤتمرات بالنسبة لترامب هى فرصة لعقد صفقات تستفيد منها شركات الأسلحة الأمريكية ويستعيد بها قاعدته الانتخابية. وفى هذين المؤتمرين الآسيويين كان الخوف من كوريا الشمالية فرصة لا تعوض للاستفادة من انعقادهما على مشارف أزمة نووية على هذا النحو من الخطورة.
***
فلاديمير بوتين كان هناك. أعتقد أنه حاول أن يتفادى الظهور بمظهر المزاحم لكل من الرئيسين شى وترامب. ترك لهما الساحة يمارسان فيها بحرية سباق نفوذهما وتنافسهما. لم يتدخل فى شأن أو آخر من شئون الإقليم إلا نادرا. أراد أن يقول إن روسيا لم تصنع بعد رؤية لها هنا فى جنوب آسيا. أحلامها ورؤاها تتركز هناك فى إقليمين بارزين، أوروبا والشرق الأوسط. أما استقرار أمريكا الداخلى فيبقى له فى أحلام الرئيس بوتين وضع خاص.
إن كشفت لقاءات فيتنام ومانيلا وبكين عن أمر بالغ الأهمية أو أعادت تأكيده فهو أن الحلم الصينى الذى صاغه الرئيس شى لن يتحقق إلا إذا عادت أمريكا عن سياستها الانعزالية أو تغيرت قيادتها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved