عن الحلف الثلاثى الجديد بين واشنطن والنظام العربى وإسرائيل

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 16 فبراير 2010 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

 أعلنت الإدارة الأمريكية وباللغات الحية جميعا، أنها ولى الأمر والمرجعية الشرعية لمختلف الشئون فى منطقة الشرق الأوسط التى كانت ذات يوم عربية، والتى تنزع دولها تدريجيا هويتها العربية فلا تبقى للمنطقة إلا هوية الدولة الطارئة عليها والتى غدت الآن فى موقع صاحب القرار: إسرائيل دولة يهود العالم..

وها هم المسئولون الأمريكيون، سياسيون وعسكريون، يجوبون المنطقة من أدناها إلى أقصاها، يحذرون العرب عموما من الخطر الإيرانى، ثم يلتفتون لتنبيه كل دولة عربية من خطر الدولة الأخرى ــ الشقيقة والجارة وشريكة المصير ــ عليها، مع تأكيد الاستعداد لحماية الجميع من أهوال الدمار الآتى مع «النووى الإيرانى» وبالتدخل العسكرى المباشر، إذا لزم الأمر، لا فرق بين أن تتولاه الأساطيل البحرية والجوية الأمريكية أو يتولاه الجيش الإسرائيلى بسيفه الطويل.

وعلينا الاعتراف أن هذه الحملة قد نجحت فى التمكين لاختراق إسرائيلى خطير لما كان يسمى «الصيف العربى»، فصار ذلك الصف أشتاتا تفتقد دوله الأمان، ولا ترى حرجا فى أن تطلب النجدة من إسرائيل، تحت المظلة الأمريكية ودائما بذريعة: عدو عدوى صديقى!

لقد جاء إلى المنطقة العربية، مؤخرا، أخطر المسئولين الأمريكيين، باستثناء الرئيس الأسمر باراك أوباما، وازدحمت جداول أعمال أهل النظام العربى بالمواعيد ذات الأهمية الاستثنائية:

جاء نائب الرئيس جوزيف بايدن إلى العراق تحت الاحتلال الأمريكى فى محاولة لمصالحة «الحلفاء» من أهل الحكم فى بغداد.. وأقسم أيمانا مغلظة بأن إدارته لم ترد ولا هى تريد الآن إعادة الاعتبار إلى حزب البعث العربى الاشتراكى الذى حكم باسمه ــ ومن دونه ــ صدام حسين أرض الرافدين لمدة خمس وثلاثين سنة متصلة حفلت بمسلسل من الحروب التى ذهبت بأكثر من مليون عراقى فضلا عن ملايين الجرحى والمشردين.

وبرغم أن الوقائع تثبت أن أخطر هذه الحروب (التى أعطاها صدام حسين لقبا له رنينه العربى ــ الإسلامى: القادسية) قد تمت بقرار أمريكى وبتمويل من أهل النفط العرب الذين لا يرفضون لواشنطن طلبا، وأن حزب البعث العربى الاشتراكى، الذى كان صدام قد حوله إلى مجرد لافتة، لم يكن له أى دور جدى فى قرار الحرب، فإن أول حاكم للعراق تحت الاحتلال الأمريكى قد اتخذ قراره بشطب هذا الحزب ومطاردة أعضائه الذين يزيدون على مليون عراقى وعراقية، وتحت لافتة غاية فى الرقة: اجتثاث البعث!

وكان ذلك القرار الخبيث إشعالا لنار الفتنة بين السنة والشيعة فى العراق، من خلال الإيحاء وكأنه عقوبة لأهل «النظام السنى» الذى أسقطته الدبابات الأمريكية لكى تنافق الشيعة فتسلمهم الحكم فى عراق الاحتلال بما يستنفر أهل السنة ويستفزهم ضد إخوتهم وأصهارهم وأنسبائهم وأبناء عشائرهم من الشيعة الذين سيظهرون متواطئين عليهم مع الاحتلال من أجل الاستيلاء على السلطة و«طرد» السنة منها.

الطريف أن الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد قد تلاقى مع هذا الطرح الأمريكى المغرض، حين أعلن فى خطابه لمناسبة العيد الحادى والثلاثين للثورة الإسلامية فى إيران ،إن بلاده لا تقبل أن يعود حكم البعث إلى حكم العراق، محاولا الإيحاء بأن إيران تدافع عن «حق» الشيعة فى أن يحكموا ــ أخيرا ــ العراق بعد أن كانوا وهم الأكثرية الشعبية ــ فى موقع الرعية لحكم سنى!.

هل من الضرورى التذكير بأن كل ديكتاتور وأى ديكتاتور لا دين له ولا طائفة، وأن الانفراد بالسلطة هو مطلبه، بغض النظر عن الشعارات التى يموه بها سعيه إلى التفرد.

فى أى حال فإن هذا التلاقى بالمصالح، ولو محدودا ومحددا بالعراق، بين الإدارة الأمريكية وإيران الثورة الإسلامية، ليس أكثر من تفصيل فى لوحة «الحرب الشاملة» التى تشنها هذه الإدارة على إيران تحت عنوان «المشروع النووى الإيرانى» والتى تحشد لها التأييد السياسى العربى بالدرجة الأولى، ثم الدولى عموما.

وها هى وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون تأتى متعجلة لتطمئن إلى أن صفقات السلاح الأمريكى، وهى بعشرات المليارات، قد أبرمت فعلا، بوصفها بعض الاستعدادات الضرورية لجبهة الخطر الإيرانى، على نفقة الخائفين أو المخوفين العرب.

لابد من رفع مستوى الموفدين إلى المنطقة، وإلى الخليج الذهبى تحديدا، لكى يستشعر هؤلاء الخائفين على ثرواتهم بالخطر فيدفعوا ما يفترض أن يكون كلفة الحرب المقبلة، والتى سيذهب بعضها إلى إسرائيل بوصفها شريكا ضروريا للأمريكيين (ولعرب النفط) فى صد الخطر النووى الإيرانى، بغض النظر عن حقيقة أن إسرائيل تملك مفاعلا نوويا منذ نحو الأربعين عاما، وتملك مائتى رأس نووى، حسب التقديرات الدولية المتداولة.

إن تعظيم الخطر الإيرانى ضرورة لطمس الخطر الإسرائيلى على فلسطين العربية، أرضا مهددة بالتذويب نتيجة المستوطنات التى تستولدها الحكومة الإسرائيلية على مدار الساعة، مدعية بأن المستوطنين باتوا «قوة ضغط وازنة»، وأنه لم يعد بمقدور أحد مواجهتهم أو وقف أنشطتهم الاستيطانية خصوصا أن عددهم بات يناهز المليونين، وأنهم بالتالى أقوى قوة ناخبة فى إسرائيل، ومن دون تأييدهم لا مجال لان تستقر أى حكومة فى دست الحكم.

ولأن أهل النظام العربى فى الجزيرة والخليج باتوا يعتبرون أن لهم «فلسطينهم» ممثلة بالجزر العربية الثلاث، أبوموسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى، التى «اشترتها» إيران فغدت ملكا خالصا لها، فمن البديهى أن يهتموا بمواجهة هذا الخطر الإيرانى الأشد هولا من الخطر الإسرائيلى.. بل ورب ضارة نافعة: فهم قد يفيدون من قوة إسرائيل وطول ذراعها العسكرية لمواجهة «الخطر الفارسى»... فإذا ما صارت فى موقع «حليف الضرورة» أمكن إقناعها بشىء من التنازل لحماية «السلطة» القائمة فى بعض الأرض من الضفة الغربية فى فلسطين، لاسيما أن تحالفا آخر غير معلن يجمع الطرفين فى مواجهة حماس وحكمها الإسلامى فى غزة.. وهكذا فإن «القضية المقدسة» فلسطين ستفيد من تحالف الضرورة مع الشيطان الإسرائيلى الصديق، تحت الرعاية المؤكدة للحليف الأكبر ممثلا بالإدارة الأمريكية.

إن السيدة كلينتون تجىء فى أعقاب جولات قام بها كبار القادة العسكريين الأمريكيين وشملت العديد من الدول العربية المعنية تحت عنوان «التنبه إلى الخطر الإيرانى المتعاظم» بعد إعلان الرئيس الإيرانى نجاد عن رفع مستوى تخصيب اليورانيوم فى مفاعل نيتز إلى عشرين فى المائة.

ولقد استقبل ملوك ورؤساء وأمراء عرب القادة العسكريين الأمريكيين بالترحاب، مؤكدين التزامهم بموجبات التحالف وترحيبهم بالقواعد العسكرية، جوية وبحرية، التى يرى القادة الأمريكيون ضرورة لها، فهم «شركاء مصير»، وهم مستعدون لغض النظر عن مشاركة قد تكون ضرورية ــ لبعض أفرع الأسلحة الإسرائيلية فى الهجوم المحتمل، متى دقت ساعته.

بالمقابل فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية قد طار إلى موسكو، واثقا من قدرته على إقناعها بالامتناع عن تزويد إيران بالتجهيزات العسكرية التى تحتاجها، لاسيما فى مجال الصواريخ المضادة للطائرات.. وإن ظل هدفه الحقيقى الضغط على القيادة الروسية لوقف تصدير السلاح المتطور إلى سوريا، بذريعة أن دمشق ستؤمن وصول الصواريخ المضادة للطائرات إلى «حزب الله» فى لبنان مما يؤثر على حرية الحركة التى يتمتع بها سلاح الجو الإسرائيلى، والتى كلفت اللبنانيين فى الحرب الإسرائيلية عليهم فى يوليو 2006 آلاف الشهداء والجرحى وتدمير مئات المدن والبلدات والقرى فى جنوب لبنان كما فى البقاع إضافة إلى الضواحى الجنوبية للعاصمة بيروت.

لم تعد الإدارة الأمريكية تحاول التخفيف من صورتها كوصية على العالمين العربى والإسلامى.. وها هى هيلارى كلينتون تجىء كموجه سياسى للمؤتمر الذى عقد بناء على الطلب فى العاصمة القطرية، الدوحة، للبحث فى مستقبل العلاقة بين واشنطن والمسلمين!

إن الإدارة الأمريكية هى المرجعية، السياسية والعسكرية والأمنية، لأهل النظام العربى ولشركائهم من حكام العديد من الدول الإسلامية.

إن الرئيس الأمريكى ذا الجذور الإسلامية (والأفريقية) لم يستشعر أى حرج وهو يعلن زيادة قواته العسكرية، وأن يفرض على حلفائه الغربيين زيادة قواتهم هم أيضا، من أجل خوض حرب الأرض المحروقة فى أفغانستان، والتى باشروها ــ بالفعل ــ قبل أيام، فدمروا

القرى الفقيرة وقتلوا المواطنين البؤساء بالجملة، لا فرق بين النساء والأطفال والشيوخ العاجزين على الهرب...ولا مهرب!

كذلك فإن هذا الرئيس الأمريكى ذا الجذور الإسلامية قد تراجع مهرولا عن كل مقترحاته حول حق الشعب الفلسطينى فى دولة له فوق بعض البعض من أرضه، ولحس كل تعهداته حول وقف الاستيطان ومنع بناء مستوطنات جديدة على ما كان مخصصا ــ ذات يوم ــ «للسلطة» التى لا سلطة لها فى الضفة الغربية... ولن نستذكر غزة وحصار الموت المضروب حول المليون ونصف المليون فلسطينى فيها بالأطفال والنساء والشيوخ، برا وبحرا وجوا، وبمحاولة تدمير آخر الطرق لإيصال المواد الغذائية والاحتياجات البسيطة لأهلها، عبر الأنفاق، حتى لا ننكأ جراحا لما يتوقف نزفها.

مع ذلك، وبرغم ذلك فان العديد من أهل النظام العربى يستعدون لان يتجندوا فى خدمة مشروع الهيمنة الأمريكية على مجمل المنطقة العربية، كما على مجمل العالم الإسلامى، وإن بعنوان إيران، وقد أسقطوا من ذاكرتهم فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلى والعراق تحت الاحتلال الأمريكى، واندفعوا يساعدون واشنطن ــ ومعهما دائما إسرائيل ــ على مد ظلال هيمنتها على مجمل العالمين العربى والإسلامى.

وآخر المحميات الأمريكية فى الأرض العربية ستكون اليمن التى يكاد يستدعى أهل الحكم فيها القوات الأمريكية بذريعة محاربة «القاعدة»، فى حين أن مشكلة النظام هى مع الشعب اليمنى، وحلها فى الوحدة الوطنية اليمنية وليس بالاستنجاد بالقوات الأجنبية، أو حتى العربية، لتمكين النظام من القضاء على معارضيه الذى يعضهم الفقر بأنيابه.. فى حين تكاد تعصف الرياح بهذه الجمهورية التى بنيت بدماء الشهداء من أهلها، كما من القوات المسلحة المصرية، يوم كانت مصر عاصمة القرار العربى، والحاجز المانع للتدخل الأجنبى عموما، وللهيمنة الإسرائيلية على مقدرات المنطقة كلها، وبشكل خاص لعبور غواصاتها ومدمراتها قناة السويس لتكون جزءا من الأساطيل الأمريكية التى تحشد من حول إيران بذريعة نصرة السنة على الشيعة، والتمكين للدين الحنيف فى الأرض التى انطلق منها.

وبديهى، كما علمنا التاريخ، أن العروبة هى سيف الإسلام ودرعه.. وليست الإدارة الأمريكية ولا إسرائيل، بأى حال.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved