العرب يحتربون لتكريس الانقسام.. بين الكنيستين والمعسكرين

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 16 فبراير 2016 - 10:55 م بتوقيت القاهرة

فى حين تتهاوى الخلافات العقائدية التى شطرت المسيحيين على امتداد ألف عام بين كنيستين، كاثوليكية غربية رأسها بابا الفاتيكان، وأرثوذكسية مشرقية رأسها بطريرك موسكو.

وفى حين تتخطى العاصمتان الكونيتان واشنطن وموسكو جبال الخلافات السياسية العميقة تحت عنوان تضارب المصالح لتتلاقيا ــ بقوة التفاهم على تقاسم المصالح ــ وانطلاقا من الأرض العربية بالذات بعنوان سوريا.

تتفاقم الخلافات العربية ــ العربية بحيث تصل إلى التلويح بالقوة العسكرية كما فى حالة العرض السعودى بإيفاد قوات عسكرية لتقاتل النظام فى سوريا فضلا عن حملتها على اليمن لحماية نظام التحالف الذى أقيم بدعمها بعد خلع الرئيس السابق على عبدالله صالح الذى اندفع إلى محالفة خصمه الذى قاتله دهرا وهو «تنظيم أنصار الله» الذى يشار إليه بتسمية «الحوثيين» لإثارة النعرات المذهبية بين الزيود (وهم فرقة من الشيعة) والشوافع (السنة).

بل إن الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية تنزلق تدريجيا، وفى العديد من الدول العربية إلى وهدة الطائفية والمذهبية، كما الحال فى العراق قبل اليمن وبعد سوريا.

***

هذا بينما تتهاوى «الدول» فى العديد من الأقطار العربية، أو يفرض على بعضها الآخر أن تخوض نوعا من الحرب الأهلية المعلنة بشعارات جهوية كما فى ليبيا (شرق / غرب / جنوب) مع شىء من العنصرية تجاه البربر، ولا يخفى أن الجهوية تكمن فى عمق الصراع على السلطة فى تونس (شمال وجنوب).. قبل أن نصل إلى الجزائر حيث لم يستطع الدستور الجديد الذى أقر بالأمازيغ ــ البربر ــ كقومية ثانية إلى جانب العربية ــ أن يحسم المسألة التى استولدها ونفخ فيها الاستعمار الفرنسى كواحد من أسلحته الفتاكة ضد ثورة التحرير العظيمة التى خاضها شعب الجزائر ضد الاحتلال الاستيطانى الفرنسى لاستعادة هويته ووطنه.

على أن البعد الطائفى أو المذهبى لا يمكنه طمس حقيقة ثابتة فى هذا الانقسام والتى ترتكز إلى الواقع الاقتصادى لمجمل البلاد المعنية به والتى تكاد تكون ضحيته.. فلقد تكتلت دول النفط العربية فى الجزيرة والخليج خلف ثرواتها، مستبعدة عراق صدام حسين، فى البداية، بينما أبعدها الاحتلال الأميركى عنه بعد إسقاط نظام صدام، خصوصا وقد لعب الأمريكيون (معهم الإيرانيون لأسباب أخرى) على مقولة «إعادة الحقوق إلى أصحابها» ــ أى الشيعة بعد دهر من تحكم السنة وهم الأقل عددا فى العراق.

والحقيقة أن المشكلة الطائفية كانت سابقة على الاحتلال، بل أسس لها ــ فعلا ــ الاحتلال البريطانى للعراق ابتداء من العام 1920، إذ استبعد الشيعة أنفسهم عن السلطة كضرب من المقاومة للاحتلال. وظلت هذه «القاعدة» معتمدة حتى بعد ثورة 14 تموز ــ يوليو ــ 1958، بل لعلها تفاقمت فى ظل حكم صدام حسين بشعارات حزب البعث العربى الاشتراكى حتى أسقطه الاحتلال الأمريكى فى مارس (آذار) 2003. وهكذا أفاد الاحتلال الأميركى من شبق «النخبة» الشيعية إلى الحكم فتركهم يهجمون عليها ويحاولون احتكارها بذريعة تعويضهم عن الحرمان الطويل الذى رأوا فيه «اضطهادا» يتجاوز السياسة إلى الطائفة.

وكانت ثمة مشكلة ثانية تنتظر الحل هى مشكلة عرقية بعنوان الأكراد، وبرغم أن نظام صدام كان قد اعترف بـ «المكون الكردى» وسلم بنوع من الحكم الذاتى، فجاء العهد الجديد يطور هذه الصيغة فيعتبر أن من حق الأكراد أن يحكموا «إقليمهم» بل مناطق تواجدهم فى شمالى العراق.

على أن ضعف الحكم المركزى فى بغداد والنزعة الكيانية عند القيادة الكردية ممثلة بمسعود البرازانى تسببا فى تجاوز «النص الدستورى» والتوافق الذى أعطى رئاسة الدولة للكردى القائد السياسى العريق جلال الطالبانى، إضافة إلى تثبيت الواقع الدستورى للإقليم وحقه فى نوع من الإدارة الذاتية الواسعة.

وهكذا فإن البرازانى يحاول الآن الاندفاع سعيا لتحويل «الإقليم» إلى «دولة»، مستندا إلى خلافات أهل السلطة فى بغداد الذين لجأوا إلى سلاح خبيث يعتمد «لإعداد» مرجع لتحديد الصلاحيات، فكانت رئاسة الحكومة تتمتع بصلاحيات واسعة، مما أثار موجة من التظلم عند أهل السنة، مع أن نغمة الصلاحيات كانت ــ تاريخيا ــ الملجأ الثابت للشيعة.

وبطبيعة الحال فلا يمكن إغفال تأثير المحيط وبالذات تركيا، بداية، ومن بعدها إيران من دون أن ننسى أن التحريض التركى بلغ ــ فى الفترة الأخيرة ــ ذروته، بحيث إن مسعود البرازانى، المنتهية ولايته الرئاسية منذ شهور والذى لا يحق له التجديد، حاول استدراج «حماية» تركية معلنة لمشروعه الانفصالى الذى أثبتت الوقائع أنه غير قابل للحياة، خصوصا وأن الجناح الكردى الآخر ــ بعاصمته السليمانية ــ وبقيادة الطالبانى ــ يرفض هذا المشروع، فضلا عن أن الواقع الاقتصادى.

(قبل الحديث عن القدرات الأخرى) لا يوفر لهذه «الدولة» فرصة للحياة، لا سيما فى ظل خلاف معلن مع بغداد بل مع العرب جميعا، سنة وشيعة.

***

بالمقابل فإن السعودية اندفعت فى اتجاه تحويل مجلس التعاون الخليجى إلى نوع من «الاتحاد» بقيادة المملكة، بل إنها حولته عبر حربها على اليمن إلى ما يشبه حلف الناتو، بحيث يوفد المقاتلين والطيارين بطائراتهم جنبا إلى جانب الأسطول الجوى الحربى السعودى.

وعبر «الحرب على اليمن» تبدى واضحا أن السعودية ترى فى نفسها القيادة السياسية والعسكرية لهذا الحلف ذى الإمكانات غير المحدودة (فى الجو والبحر)، أما فى البر فيمكن الاعتماد على جنود يمكن استيرادهم بالثمن من بلاد عربية فقيرة، السودان، أو من دو ل أشد فقرا، بل إن القيادة السعودية معقودة اللواء الآن لولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان قد اكتشفت فى ضعف الدول المركزية العربية (مصر، العراق وسوريا) قوة إضافية لها. فهى الأغنى منها جميعا، منفردة، فكيف إذا ضمت إليها، فى القرار، الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، بإمكاناتها المادية الهائلة.

على هذا، فلماذا لا تكون لها القيادة، فى عهدها الجديد حيث يحتل «الشباب» موقع القرار، وريثا لجيل الملوك المتقدمين فى السن (وآخرهم الملك عبدالله) ولماذا لا يكون حق القول فى الأنظمة العربية من يواليها وتمده بأسباب الحياة، ومن يخاصمها فيحق لها أن تحاربه ولو كان حليفا قديما (كسوريا) أو جارا مشاغبا ولكن من دون أن يشكل «خطرا» فعليا عليها (كاليمن)، فالمهم أن تنتزع الحق بالقيادة المطلقة فى هذه المنطقة من العالم، خصوصا وأن مصر مشغولة بفقرها ومشكلاته التى لا تنتهى، وليبيا خارج الموضوع بعد إسقاط القذافى، والجزائر قد «انسحبت» من المشرق، وإلى حد ما من المغرب الكبير وانطوت على نفسها برئيسها العاجز عن الحركة.

***

صحيح أن خطر الإرهاب يتضخم وتنشر «داعش» دعوتها لإعادة أسلمة المسلمين، وتقتحم العراق فتحتل الفراغ فى وسطه وشرقه وبعض شماله، ولكن الدولة التى تضم أقدس مقدسات المسلمين: مكة مهبط النبوة والمدينة المنورة دار هجرة الرسول، يمكن أن تصد هذه الهجمات.. إذا ما أتيح لها أن تخرج لقتال الإرهاب خارج حدودها فى اليمن بداية ومن ثم فى سوريا التى تعتبر أن لها حق الثأر من نظامه الذى ذهب مبتعدا عن الديمقراطية معاديا شعبه وخارجا على العروبة والإسلام.

وهكذا يصادم قادة العرب العروبة بالإسلام، والديمقراطية بالشرع، ويعجزون عن بناء بلدانهم بشعوبهم التى أكدت وتؤكد كل يوم أنها قادرة ومؤهلة.

للمناسبة: اختفى ذكر إسرائيل كعدو.. بل لعلها باتت «حليفا» لبعض الحكام العرب، موضوعيا، ومستفيدة دائما من تصادمهم مع إرادة شعوبهم وإهدار إمكانات البلاد فى حروب ضد أشقائهم بينما المستفيد الأول والأعظم هو العدو الإسرائيلى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved