قضية فلسطين والميدان: الكل مشغول عنها.. وعن سلطتيها

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 16 أبريل 2014 - 7:50 ص بتوقيت القاهرة

يكاد وزير الخارجية الأمريكية يمضى وقته ضيفا عزيزا على منطقتنا، وفى فلسطين المحتلة تحديدا، بهدف معلن: تأمين استمرار المفاوضات على المفاوضات بين العدو الإسرائيلى والسلطة الفلسطينية.

بين الجولة والأخرى يذهب بعض ما تبقى من الرصيد المعنوى لهذه السلطة للوسيط الأمريكى الذى يدرك ــ بالتأكيد ــ أن هذه «القضية» هى الأخطر والأهم والأقدس ليس فقط بالنسبة لشعبها بل للأمة العربية جميعا، وان بدعة التفاوض للتفاوض تلتهم جوهر القضية ومعها منظمة التحرير الفلسطينية التى تعيش الأزمة المصيرية اللاغية لوجودها... فلا هى تحرز أى تقدم من خلال التفاوض، ولا هى مستعدة للانسحاب من هذه الدوامة التى تفضح عجزها... العجز الذى يتخذ أبعاده الخطيرة من خلال «تناسى» أهل النظام العربى للقضية وأهلها، سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها.

ذهبت مقررات القمم العربية التى تعاقبت فى مختلف العواصم، مع الريح.. خصوصا وان الأنظمة التى استولدتها الانتفاضات ما تزال مشغولة بهمومها الداخلية كما بإعادة ترتيب علاقتها هى مع عاصمة القرار الكونى: واشنطن.. ولا تريد أن تباشر عهدها الجديد بتعقيدات هذه القضية الخطيرة والمزمنة والتى «قد لا يضير أهلها الذين انتظروا عشرات الأعوام حلا لا يأتى، أن ينتظروا لبعض الوقت الإضافى وريثما تستقر الأوضاع الجديدة فى عواصم القرار العربى».

هذا فضلا عن أن انتفاضات الميادين فى مختلف العواصم لم تكن فلسطين على جدول أعمالها بشكل مباشر، وهى قد حرصت على «عدم استفزاز» العدو الإسرائيلى، ومن خلفه الإدارة الأمريكية، حتى لا يؤثر ذلك على مسيرة الانجاز التى تبرر وجود من وصل إلى السلطة باسم «الميدان».

•••

من هنا تتعاظم المخاوف من أن تكون قضية فلسطين هى الضحية العظمى للفوضى الدموية الهائلة التى اجتاحت الدنيا العربية من خارج التوقع، وبالتالى من خارج التخطيط والتنظيم لما بعد انتفاضات الميدان بالجماهير المليونية التى اقتحمتها لإسقاط النظام ــ الأنظمة القائمة والمتهمة فى وطنيتها قبل الحديث عن عروبتها والتزامها أصول الديمقراطية.. وعلينا الاعتراف إن قضية فلسطين قد تراجعت إلى الخلف بعدما غرق الشارع فى كل قطر عربى، فى همومه المحلية.

وفى الوقائع اليومية فإن التفاصيل قد غلبت على جوهر الموضوع، وصار الأمريكى وحده هو المفاوض مع العدو الإسرائيلى. وبات المشهد سورياليا: الأمريكى يفاوض الإسرائيلى ثم ينتقل لإقناع الفلسطينى بالاستمرار بالتفاوض بغض النظر عن النتائج، والفلسطينى اثنان وربما أكثر.

وإذا ما اعتبرنا أن «السلطة» هى الوريثة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية فإن انشقاق غزة تحت راية الإخوان المسلمين قد اضعف أكثر فأكثر المفاوض الفلسطينى وأضاف أوراقا جدية إلى العدو الإسرائيلى ووسع مساحة الدور الأمريكى.

غزة فى البعيد تشكل بوضعها الانقسامى نقطة ضعف خطيرة فى الموقع التفاوضى للمنظمة العاجزة عن توحيد سلطتها على ما أبقت لها سلطة الاحتلال من أراض تنهشها المستوطنات على مدار الساعة.

أما العرب فمشغولون عنها، كلها، غارقون فى همومهم القطرية.

صارت اجتماعات مجلس الجامعة العربى، كما القمم العربية، مجرد محطات استماع، تأتى إليها المنظمة فتبلغ الأشقاء الذين نسوا القضية والعاجزين عن دعمها حتى لو أرادوا، فكيف وكل نظام يحاول استنقاذ نفسه مقدما موقفه من قضية فلسطين شهادة حسن سلوك للإدارة الأمريكية متجاوزا النسيان إلى «الحياد» الذى يضيف قوة إلى العدو الإسرائيلى.

•••

بعد 14 سنة من قمة بيروت التى شهدت واحدة من محطات التنازل الأكثر إيلاما ها هى القمة العربية فى الكويت لا تجد ما تقدمه لقضية فلسطين إلا العودة إلى مقررات تلك القمة التى شكلت محطة على طريق التنازل الجماعى عن جوهر القضية فى محاولة للملمة الصف العربى المبعثر دائما حول الحد الأدنى من الحق الفلسطينى، وتوفير الحد الأدنى من الأدنى من الدعم بالقرارات التى تنسى بعد تلاوتها مباشرة، وبصوت متهدج، مع اختتام القمة... أية قمة وكل قمة.

مرت مياه كثيرة فى مجرى القضية التى كانت مقدسة وصارت مجرد مدى حيوى لسلطة لا سلطة لها على بعض البعض من أرضها التى أعطيت لها... ثم جرى انتزاع بعضها بالمستوطنات التى تكاد تلتهم المدن بما فيها رام الله والقرى والجبال والوديان... فى حين يكاد يكتمل التهام الجزء العربى من مدينة القدس.

صار الإسرائيلى يفرض شروطه للقبول بالتفاوض مع الأمريكى المتهم الآن فى «حياده» وصار الفلسطينى ضيف شرف بل شاهد زور وجوده ضرورى لإظهار واشنطن كصديق كبير ووسيط نزيه ولكنه لا يقدر على أكثر مما يقدم، صارت أواصد الصداقة تشد المفاوض الفلسطينى إلى «غريمه» ــ عدوه السابق ــ الإسرائيلى، وصور الابتسامات كاشفة الود تفضح جوهر التنازلات، هذا إذا ما تغاضينا عن الشائعات حول العلاقات الغرامية بين بعض المفاوضين ــ الخصمين.

أليس عبثيا أن يذهب رئيس السلطة الفلسطينية إلى جامعة الدول العربية شاكيا، فيسمعه وزراء الخارجية ويكتفون بهز رءوسهم توكيدا للتعاطف ثم ينصرف كل منهم إلى «همومه» فى بلده التى لا تبقى له من الوقت ومن القدرة على الاهتمام ما يمكن أن يعطيه للقضية التى كانت مقدسة وصارت منسية.

ثم أليس مهينا أن «يعيرنا» وزير الخارجية الأمريكية بأنه قد أعطى «قضيتنا المقدسة» أكثر مما أعطاها المسئولون العرب، من وقته ومن اهتمامه بابتداع «التسويات» التى تقضم الحق الفلسطينى فى ما تبقى من الأرض... ثم يذهب إلى الدول العربية التى يراها لا تزال معنية بالقضية يطلب إليها أن تساعده ليس مع الفلسطينى بل عليه، ليتلقى الشكر والتقدير على جهوده الخيرة، وعلى موقفه الصلب من الأطماع الإسرائيلية!

والزمن لا يرحم.. وتكاد تصدق نبوءة ديفيد بن جوريون وهو يرد على تحذير بعض أصدقائه من خطورة قضية فلسطين على المشروع الإسرائيلى، وكان ــ بعد ــ فى البدايات، إذ قال لهم: هناك قضايا لا تحل، اتركها فقط لتشيخ ثم تموت.

•••

ها هى القضية المقدسة تكاد تكون متروكة للريح، تنطق باسمها سلطتان: واحدة شرعية ممثلة بمنظمة التحرير التى باتت تسكن الذاكرة تاركة لوريثتها «الحكومة» أعباء رواتب الإدارة التى أهمها الشرطة (علنية وسرية)... وهذه الرواتب أزمة مفتوحة يدور «الرئيس» بين الحين والآخر فى رحلة جباية قد تفرض عليه مواقف محرجة، بينها الاستعطاف والتباكى واستدعاء «النخوة العربية» لتمرير بعض الشهور... لعل الله يفرجها.

أما السلطة (غير الشرعية) فى غزة فتواصل بناء «دولتها» على الرمل، معتمدة على الكرم الإيرانى وتهافت السلطة الأخرى فى رام الله، وانشغال العرب بهمومهم داخل أقطارهم وابتعادهم عن «حقل الألغام الفلسطينى» بأعبائه الثقيلة، تاركة للسلطات الجديدة أن تتحمل عبء واحد من قرارين كلاهما خطأ كبير: أن تواصل حصار القطاع والتضييق على أهله فى ما يشبه «الحرب على الجياع»، وهو أمر لم يقدم عليه العدو الإسرائيلى ذاته، أو أن تدير ظهرها مشددة الحصار العسكرى بما يزيد من حدة «العداء الشعبى» لفلسطين، كقضية مقدسة ولشعبها المظلوم والمعرض لقمع مفتوح فى ظل تخلٍ دولى وانصراف عربى وخلافات داخلية تكاد تكون ــ بنتائجها ــ أقسى من الحرب الإسرائيلية.

ولا احد يهتم، فلكل مسئول عربى فى أية دولة، من المشاكل الداخلية والهموم الثقيلة ما يبعده عن هذه القضية التى كانت مقدسة والتى تحولت الآن إلى عبء سياسى واقتصادى وعسكرى خطير. وربما يتمنى العديد من المسئولين العرب أن تتحقق نبوءة بن جوريون فيأكل النسيان مع إسرائيل «قضية العرب الأولى»، ويتحول الوزير الأمريكى كيرى إلى تقبل التعازى فى القضية التى أعطاها معظم وقته، ولكنها دخلت فى موت سريرى سيطول.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved