أدوار مصرية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 16 أبريل 2015 - 9:45 ص بتوقيت القاهرة

عدنا، وعادوا يتحدثون عن دور مصر. عاد الحديث عن دور مصر مع انتشار أنباء خافتة حينا ومترددة حينا آخر، عن عبور جنود مصريين البحر الأحمر فى اتجاه الجزيرة العربية. لم تخل الأنباء من اجتهادات، فالعبور إما بغرض الانتقال لاحقا من أراضى المملكة إلى داخل اليمن حيث الحرب الأهلية ناشبة بين قبائلها، أو بغرض الاشتراك فى حماية حدود المملكة السعودية ضد غارات محتملة تشنها من داخل اليمن عناصر أو جماعات مناهضة للسعودية. لم يكن بين الاجتهادات حتى ساعة كتابة هذه السطور اجتهاد يحتمل أن يكون الغرض التجمع على الحدود انتظارا لإشارة بدء التدخل الثانى لمصر فى اليمن.

•••

واقع الأمر والتاريخ شاهدان على أن الحديث عن دور مصر لم يتوقف حتى يعود. لا أتصور أن قيادة أجنبية قررت يوما التوسع فى العالم العربى، دون أن تكون قد حسبت حساب دور قائم لمصر يتعين عليها أن تبطل مفعوله، أو دور قائم لمصر تستعين به وتسترشد. وفى حالات معروفة، رأيناها تتكرر أمام أعيننا فى العقود الأخيرة، قامت دول بتفصيل دور لمصر، أى قامت بصياغة دور بمواصفات معينة ولفترة محدودة وباستخدام وسائل اقناع وتحفيز تناسب أحوال مصر الداخلية ومكانتها الإقليمية، وتتناسب أيضا وحجم هذا الدور. لا أخفى أننى قضيت وقتا لا بأس به أحاول أن أتوصل إلى قواعد نظرية تسمح لى ولغيرى من بعدى بالتمييز بين الدور والمهمة.

•••

ما أكثر الأدوار التى أدتها مصر على مر التاريخ. كثيرة هذه الأدوار إلى درجة أننا نحن المصريين، وفى صدارتهم علماء سياسة ورجال حكم ودبلوماسيون، درجنا على ألا نفرق أو نميز بين دور اخترناه وقررنا أن نلعبه، قمنا نحن بتفصيله ووضع مقاساته ومواصفاته وقدرنا تكلفته ورحبنا بمسئولية تنفيذه ونفذناه، ودور لم نقم باختياره، وإنما قبلنا القيام به، إما لأن السلطة الحاكمة وقتها كانت مقتنعة بجدواه وعائده، أو كانت محرجة فقبلته تحت الضغط أو الإغراء. وأنا شخصيا، وأظن أن زملاء كثيرين من المتخصصين فى دراسات السياسة الخارجية المصرية يشاركوننى الاعتقاد بأن مصر أبدعت حين لعبت أدوارا من صنعها ولم تبدع حين لعبت أدوارا كانت من «تفصيل» قوى أو دول أخرى، والأمثلة عديدة.

•••

انظر معى إلى تجارب مصر مع شعوب العالم العربى فى زمن كانت تتمتع فيه بفائض من المعلمين، وكانت هناك دول عربية لم تكد تخرج من عباءة استعمار فرض الجهل وغلق المدارس وحرم الناس من نعمة العلم والنور. كان دورا لم يفصله لمصر أحد، كان دورا «ناعما» مثله مثل أفلام السينما، الأبيض والأسود، التى كانت تكتبها وتصورها وتوزعها، دون أن تنتظر عرفانا. هكذا كانت كل أدوارها الناعمة، تفيد بها وتستفيد منها ولا تنتظر الطلب أو تضع شروطا. وهكذا انتشرت اللهجة المصرية وصارت اللغة الرائجة المعبرة بحق عن النظام الإقليمى العربى والعروبة الثقافية الشعبية.

كانت لدى مصر، دائما، فوائض كثيرة ومتنوعة، كان هناك الفائض السكانى، بما يعنى الجنود وقت الحرب وخريجو الجامعات والمعاهد والعمال غير المهرة فى كل الأوقات، كان هناك أيضا فائض التاريخ، شعب جاهز عبر الأزمنة لامتصاص المهاجرين واللاجئين والأفكار والأيديولوجيات وصهرها فى ثقافة غير مركبة أو معقدة. وكان هناك، ولعله الثابت فى كل العصور، فائض الموقع. كان موقع مصر، فى حد ذاته، ولا يزال إلى حد كبير، بمثابة «مسودة دور». الآخرون يحسبون حسابه ويطلبونه، كما فعل قادة التجارة العالمية أو التوسع الامبريالى، أما المصريون فقد دأبوا على تقديس موقعهم بالتمجيد والإشادة ووضع النظريات الجيوسياسية.

عرف كثير من حكام مصر، وبخاصة محمد على باشا وعدد من عظام المماليك من قبله، عرفوا كيف يستثمرون هذه الفوائض، وكيف يفصلون منها لأنفسهم أدوارا إقليمية ودولية ساعدتهم فى تحقيق مكانة متميزة، ونفوذ سياسى كبير، ولمصر خير وفير. إلا أن بعض هذه الفوائض كانت أيضا وفى أوقات صعبة مطمعا لقوى دولية ودول جوار. استغلتها هذه القوى وفصلت منها «أدوارا ومهام» فرضتها على مصر، ولم تكن بالضرورة مفيدة لشعب مصر، وأحيانا كانت ضارة لأمن مصر والإقليم وسلامتهما.

لن نعود إلى روايات الحرب والسلام فى عهود الفرعنة ونظرة الإمبراطوريات القديمة إلى الدور الذى كان يمكن أن تلعبه مصر فى خدمة مصالحها، أو لإنعاش مصر وتطوير نهضتها كما حدث فى بعض عهود الإغريق والرومان. المثال الأقرب إلى فهمنا الراهن هو الدور الذى فصلته السلطة العثمانية لمصر، وصادف إن وجد هوى لدى محمد على باشا وهو حماية أطراف الإمبراطورية فى الجزيرة العربية من خطر تصورته الأستانة تهديدا لمكانتها الدينية من جانب حركة إصلاح دينى فى الجزيرة العربية. لم يقصر والى مصر بل لعله قام بتطوير هذا الدور وإعادة تفصيله ليكون فى خدمة أهدافه وطموحاته.

•••

مثال آخر فى ظروف أخرى. كانت مصر كعادتها رافعة لواء الدفاع عن شعوب الأمة العربية حين هدد عبدالكريم قاسم الكويت بالغزو والضم، فسارعت مصر بإعلان نيتها الدفاع عن الكويت مستخدمة اتفاقية الدفاع المشترك المعقودة فى رحاب جامعة الدول العربية. هنا كان «الدور» صناعة مصرية صرفة، وتفصيلا مناسبا للظروف ومكانة مصر باعتبارها دولة الوحدة العربية، ورائدة القومية العربية التى حاول عبدالكريم قاسم التصدى لها معتمدا على القوى الشيوعية العراقية. قبلها بسنوات، هددت مصر بالتدخل لحماية سوريا ضد تهديدات تركية بالغزو لوقف وصول شيوعيين إلى الحكم فى دمشق. لم يصدر التهديد المصرى بضغط من طرف خارجى، بل صدر بدوافع مصرية محضة تعبيرا عن قناعتها بضرورة القيام بهذا الدور لحماية القومية العربية، عقيدة نخبتها الحاكمة .

كذلك كان الدور الذى اختارته مصر لنفسها فى أوائل حكم الثورة، لنصرة نضال الشعوب العربية ضد الاستعمار البريطانى فى عدن والخليج عموما والاستعمار الفرنسى فى الجزائر، سببا مباشرا ومعلنا للعدوان الثلاثى على مصر الذى شنته فرنسا وبريطانيا وإسرائيل فى عام ١٩٥٦، وإن كانت زريعتها الشكلية، استعادة قناة السويس. الدور هنا كان مصريا تماما، دوافعه داخلية ومبادئه مقبولة شعبيا، ولذلك حظى بحماية جماهيرية واسعة ودافع عنه الشعب وشعوب أخرى.

•••

كثيرة أيضا نماذج الدور الذى لم تفصله مصر، ولكنها قبلت به ونفذته. لدينا المثال فى الدور الذى خططته ووضعت مقاساته وتفاصيله دوائر فى المملكة الأردنية، بالاتفاق مع حكومة صدام حسين فى العراق. كانت الخطة تهدف إلى إقامة شبكة تفاعلات سرية، استخباراتية، اقتصادية، من دول ثلاث هى العراق والأردن ومصر، تحيط بشمال الجزيرة العربية. ثم انضم إليها، بعد فترة غير طويلة، اليمن، فأصبحت الشبكة تحيط بالجزيرة من كل نواحيها تقريبا. أؤكد أن أحدا فى مصر لم يشترك فى تحديد أو توصيف دور مصر فى هذه الخطة. أؤكد أيضا أنه فور أن اكتشفت حكومة عاطف صدقى أن «دورا» لمصر جرى تفصيله فى حلف لم تسهم المؤسسات الرسمية فى التفكير فيه، انسحبت مصر على الفور، وسقط الحلف على الفور، وهو الحلف الذى أطلق عليه فى ذلك الحين، مجلس التعاون العربى. أعرف أن الدكتور سعد الدين إبراهيم مطلع إلى حدود قصوى على تفاصيل خطة إقامة هذا الحلف وأسرار عملية تفصيل دور لمصر فيه، وأعرف جيدا أن السفير إيهاب وهبة، مطلع على تفاصيل كشف هذا الدور وإحباطه. وكلاهما شاهد مهم على تجربة حية لتفصيل دور لمصر دون علمها. كان التصور فى بغداد وعمان يقوم على الاقتناع بأن مصر لن تتردد فى قبول القيام بدور تكلف به لحاجتها الماسة إلى الخروج من عزلتها العربية.

•••

بعد سنوات من هذه الواقعة، قرر صدام حسين احتلال الكويت. فى ذلك الحين لم تتوفر لدى مصر شروط الدور التى توفرت لعبدالناصر عندما هدد عبدالكريم قاسم الكويت. لم تكن مصر صاحبة أو رائدة موقف قومى. ولم تكن قائدة تيار صاعد فى الأمة العربية، ولم تكن تحظى بمكانة لائقة بين دول العالم الثالث أو ذات تأثير فى السياسات الدولية الأكبر. كذلك لم تكن استعادت بعد موقعها المناسب فى النظام العربى. ومع ذلك بذل حسنى مبارك محاولات عديدة لإقناع الرئيس العراقى بالتخلى عن تهديدات الحرب والقبول بحل سلمى. فجأة تغير الموقف المصرى وأصبح واضحا أن دورا جديدا جرى تفصيله جعل مصر تتصدر الحملة فى الجامعة العربية لإدانة العراق واتخاذ إجراءات عقابية وتبرير خطط التدخل وتدابير شن عاصفة الصحراء. بل وانضمت مصر إلى الحلف الذى شكلته أمريكا وبريطانيا لتحرير الكويت وقصف مواقع ومنشآت القوة العسكرية فى العراق. غير معروف بالدقة كيف استبدلت مصر دورا بآخر، وهل وقع الاستبدال عن اقتناع تام بفشل الجهود السلمية مع صدام أم نتيجة وعود بتقديم حوافز مادية أو معنوية. المؤكد على كل حال هو أن جانبا كبيرا من ديون مصر وأقساطها جرى حذفه.

•••

لم تكن أزمة عاصفة الصحراء آخر محك لفاعلية الدور المصرى ولظاهرة «تفصيل» هذا الدور خارج مصر. كان لمصر دور لم تفصله لنفسها فى الحلف العالمى ضد الإرهاب الذى أنشئ عقب تفجير برجى التجارة فى نيويورك. وكان لها دور ليس من صنعها فى الحرب ضد العراق فى ٢٠٠٣. ولها دور غير مفهوم، وغير واضح وفى الغالب «فُصِل» لها كما فصل لخمسين أو ستين دولة أخرى فى الحلف المناهض لداعش.

•••

تأكد فى اللحظات الأخيرة أن القوات المصرية التى عبرت البحر الأحمر كان مقصدها المملكة السعودية قائدة التحالف. بمعنى آخر، أصبح لمصر «دور» مؤكد فى الحرب الأهلية اليمنية، ولكنه دور يحيط به الغموض أشد من أى غموض أحاط بدور لها فى أزمات سابقة. غير معروف لنا بالدقة اللازمة إن كانت توفرت جميع أو معظم شروط نجاح هذا الدور. المعروف والمتيقن منه أن المسئولين عن إقرار هذا الدور لم يبذلوا على المستوى الإقليمى، أو على المستوى المحلى هنا فى مصر، الجهد الكافى لإقناع الرأى العام، بالدور ومداه وكلفته وعائده. وهذا فى حد ذاته نقص خطير يتعين تلافيه بالسرعة الواجبة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved