لهو وكذب فى ذكرى ناجازاكى

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 16 أغسطس 2017 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

قضى الرأى العام العالمى أسبوعا حافلا بالجزع والسخرية؛ الجزع من أن تتكرر مأساة ناجازاكى فيبعث الطرف الكورى بقنبلة نووية لتنفجر فوق جزيرة فى المحيط الهادى تابعة للولايات المتحدة أو على مدينة من مدن الساحل الغربى لأمريكا، أو الجزع من أن تلقى الطائرات الأمريكية بقنبلة نووية على مدينة بيونج يانج أو غيرها من مدن كوريا الشمالية، قنبلة أقوى تأثيرا وأحدث صنعا من القنبلة التى ألقتها الطائرة الأمريكية على ناجازاكى قبل اثنين وسبعين عاما، هذا عن الجزع.
أما السخرية فكانت لأن الناس فى كل مكان، حتى من شعر بالجزع، راح يسخر من منظر رجلين يتصرفان كطفلين. طفلان لا تخفى سمنتهما حال الرفاهة التى يعيشان فيها ولا تخفى أجهزة الإعلام اهتمامها بهما تدليلا لهما أو استفزازا ولا تخفى اللعب المفروشة أمامهما أبعاد المهزلة، مهزلة مؤسسات دول تسمح لشخصين مثبت عدم لياقتهما العصبية وعدم اتزانهما أن يلهوا بصواريخ جاهزة الإطلاق وقنابل نووية معدة للانفجار. لا يمكن أن يحدث هذا إلا فى عالم غير منضبط ويفتقد القيادة.
***
قرأت أن هنرى كيسنجر اقترح على إدارة ترامب التوصل مع الصين إلى اتفاق على مستقبل كوريا الشمالية قبل الدخول فى أى عملية تفاوض مباشر مع هذه الأخيرة. أفهم من اقتراح كيسنجر، لو صدقت الأنباء، أن الصين لا يمكن أن تطمئن إلى نوع الاتفاق المزمع التوصل إليه بين الأمريكان والمسئولين فى كوريا الشمالية وكذلك للشروط التى سوف يحاول كل طرف إقناع الطرف الآخر بتلبيتها أو إجباره عليها مالك تكن موجودة فى المفاوضات. الصين طرف ثالث مهم؛ مهم إلى درجة القدرة على إجهاض أى اتفاق يتوصل إليه الطرفان ولا يحظى بموافقته. تريد الصين، بدون شك كبير، أن تتأكد من أن الاتفاق ينص على رحيل القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية حاملة معها ذخيرتها النووية. قد تقبل بقاء قوات بسيطة العدد والعدة ولكن فى قواعد بعيدة عن خط الهدنة. 
***
كثيرون أثاروا قضية الشبه بين حال المفاوضات الدولية (الأمريكية غالبا) مع إيران والمفاوضات المزمع إجراؤها مع كوريا الشمالية. يكاد الشبه فى رأيى ينعدم فالصعوبات والظروف أشد تعقيدا والمخاطر عديدة؛ مخاطر مرحلة التفاوض ومخاطر ما بعد التوصل إلى اتفاق. نلاحظ مثلا مركزية عنصر عدم اطمئنان الصين وأمريكا إلى بعضهما البعض. إيران لم تمس هذه المركزية فالصين كانت طرفا ثانويا فى المفاوضات الدولية الإيرانية بعكس الوضع فى أى مفاوضات مع كوريا الشمالية. هذا الاطمئنان لن يتوافر بين ليلة وضحاها ولا بين سنة وأخرى أو بين عقد وعقد آخر. نقص الاطمئنان سوف يبقى دائما عقبة أو على الأقل يمثل صعوبة غير عادية، لأن الصين دولة عظمى صاعدة، وفى صعودها قد تضطر إلى تحريك أمريكا مع نفوذها شيئا ما قليلا أو كثيرا عن مسارات الصعود. 
***
من ناحية أخرى لا أظنه غائبا عن ذهن المفاوض الأمريكى احتمال أن يفضى الاتفاق مع الصين حول مستقبل كوريا الشمالية إلى تضخم فى مكانة الصين ونفوذها فى منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، وأن هذا التضخم سوف يكون على حساب مكانة أمريكا ونفوذها. أتصور أن نموذج الاتفاق الإيرانى مقبول لدى الصين من حيث المبدأ بشرط أن تجرى المفاوضات الأمريكية الكورية فى حضور الصين وبشروطها. تعلم الصين، حسب فهمى، أن ترامب لن يقدم على مفاوضات بصفة عاجلة مع الكوريين لأنه ما زال يعتبر الاتفاق الإيرانى صفقة خاسرة، لذلك لن يقدم على صفقة مماثلة قبل أن يعد قاعدته الشعبية لها ويجد المبررات الكافية. وفى كل الاحوال لن تتحمس الصين لمفاوضات صعبة وحساسة حول كوريا قبل أن تنتهى جلسات المؤتمر العام للحزب الشيوعى الصينى، وهو المؤتمر الذى يفترض أن يجدد للرئيس تشى ويدخل تغييرات مهمة فى مناصب القيادة السياسية التى سوف تتحمل مسئولية تحقيق «الحلم الصينى». 
*** 
لا أستبعد فى حال طالت مدة الإعداد والإقناع لعقد مفاوضات مع كوريا الشمالية أن تكون روسيا قد غيرت موقفها وقررت أن تشارك. المهم الآن للروس أن يثبتوا وجودهم فى الشرق الأوسط جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة، أو منفردين إن تعثرت الخطى الأمريكية نتيجة تخبط البيت الأبيض فى ظل قيادته الراهنة. روسيا تبدو راضية عن حماسة العسكريين الأمريكيين للتعاون مع العسكريين الروس فى أفغانستان والعراق وسوريا، وربما فى ليبيا فى المستقبل القريب. كوريا بعيدة الآن عن الهموم والطموحات العاجلة لروسيا، ولكنها ليست مستبعدة تماما من الاستراتيجية التوسعية لروسيا.
***
لكل من الطرفين، الأمريكى والكورى الشمالى، رؤيته الخاصة عن العالم. والرؤيتان متضادتان تماما. كوريا الشمالية ثمرة حرب مقاومة شنها الكوريون ضد الاستعمار اليابانى على أرض الصين. هناك نشأت أسطورة عائلة كيم. دولة اشتغلت بالمقاومة فكرة وتحشيدا على مدى مدة استقلالها. قاوموا الطائرات الأمريكية التى دمرت جميع مدن وقرى كوريا الشمالية فى الحرب التى شنتها أمريكا بإذن الأمم المتحدة على كوريا الشمالية. الجدير بالذكر أنه فى ذات اليوم التى ألقت فيه الطائرة الأمريكية قنبلتها فوق ناجازاكى فدمرتها تدميرا، طلب جون ماكلوى من اثنين من صغار الدبلوماسيين الأمريكيين وهما دين راسك وزميل غير معروف، الاجتماع فى مكتب من مكاتب وزاررة الدفاع للتفكير معا فى خطة لتقسيم شبه جزيرة كوريا. اجتمع الشابان وخرجا بفكرة أن يكون الخط الفاصل بين كوريتين هو خط عرض 38. بعد ثلاثة أسابيع بالضبط رست بواخر أمريكية على شواطئ كوريا ونزل منها 25.000 جندى وفى اليوم التالى لوصولهم تشكلت أول حكومة عسكرية فى العاصمة سول. حدث هذا فى عام 1945، ونشبت الحرب التى دمرت كوريا الشمالية فى 1950.
***
الكوريون الشماليون أداروا جميع شئون بلادهم، ومنها التفاوض إن حدث، بذهنية المقاومة ضد العدوان الأمريكى. من وجهة نظرى لا أتوقع اختلافا كبيرا بين أسلوب إدارة الصينيين لعلاقاتهم مع الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام ورحلة كيسنجر وإقامة علاقات رسمية وبين ما أتصوره أسلوبا لإدارة كوريا الشمالية لمفاوضاتها مع الولايات المتحدة وعلاقاتها بها فى المستقبل. لا ثقة متبادلة بين طرفى العلاقة ولا اطمئنان إلى النوايا وسوف تبقى مشهرة على امتداد مرحلة التفاوض وربما بعدها شعارات المقاومة لأمريكا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved