من الاتجار بالأعضاء إلى التبرع بها

علاء غنام
علاء غنام

آخر تحديث: الخميس 16 أغسطس 2018 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

أثارت قضية مريض توفى أخيرا فى قصر العينى وحفظت قرنية عينه فى بنك القرنيات، بالمستشفى الكبير الذى يخدم آلاف المرضى من الفقراء يأتونه من سنوات طويلة كملجأ أساسى للعلم والعلاج من كل مكان فى مصر بلا استثناء باعتباره المستشفى التاريخى الأول فى نظامنا الصحى العريق الذى تأسس منذ عهد محمد على ليخدم جميع المصريين.
أثارت القضية من جديد موضوعا بالغ الحساسية والأهمية حول عمليات نقل وزرع الأعضاء البشرية من الأحياء المتبرعين لإنقاذ ذويهم أو من المتوفين الذين يقررون العطاء بأعضائهم عقب الوفاة مشاركة منهم لهبة الحياة للآخرين فى أخوة إنسانية.
ما يجعلنا نفتح هذا الملف ثانية فى عجالة الأمر، الذى ﻻ شك فيه أن زراعة الأعضاء هى واحدة من أكبر إنجازات الطب إعجازا، فزراعة الأعضاء غالبا ما تكون هى الحل الوحيد والأخير فى المراحل المتقدمة من الفشل العضوى كما فى أمراض القلب والكبد والكلى المزمنة، الأمر الذى أعطى وما زال يعطى الأمل فى الحياة لملايين المرضى على مستوى العالم.
وفى عالمنا اليوم يوجد عدد كبير من الدول تجرى عمليات زرع الأعضاء وتتضمن البرامج الناجحة فى هذه الدول نماذج لم تكن موحدة فى كل الأوقات للحصول على هذه الأعضاء من المتبرعين ذوى الخلفيات الثقافية والدينية والاقتصادية المتنوعة، ولكن يظل ارتفاع درجة وعى المجتمعات بمَن فيها من الأطباء ورجال التشريع والمتبرعين المحتملين والمتلقين للأعضاء هو مفتاح النجاح وراء هذه الأنظمة.
وإن كان من المسلَّمات أن التبرع هو الأصل فى عمليات زراعة أو نقل الأعضاء والأنسجة لكن مع ندرة الأعضاء والأنسجة بدأت عملية التجارة فيها على المستوى المحلى والإقليمى والعالمى فى التصاعد ما أدى لتزايد اﻻنتهاكات واﻻستغلال خاصة ضد الفقراء ولصالح الأغنياء ولصالح بعض شركات الوساطة والسمسرة فى عمليات محلية أو عابرة للبلدان فيما يعرف بسياحة زراعة الأعضاء، وهو الأمر الذى يعتبر انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان الأساسية خاصة الحق فى الحياة والحق فى الصحة.
***
وهذا ما دفع المشرع المصرى إلى السعى بقوة لإصدار تشريع بقانون لتنظيم عمليات زرع ونقل الأعضاء فى عام 2010 عقب مناقشات طويلة ومضنية استمرت سنوات انتهت بإصدار القانون وموافقة البرلمان عليه لتجريم تجارة الأعضاء أساسا ولتنظيم علميات نقل وزرع الأعضاء والأنسجة خاصة من المتوفين إلى الأحياء.
ورغم صدور القانون منذ سنوات فمازالت هناك نسبة كبيرة من الذين قد يكونون بأمس الحاجة إلى نقل أو زرع عضو فى مصر دون فرصة حقيقية للحصول على العضو المطلوب، وذلك بسبب ارتفاع هذا النوع من العمليات الجراحية وخاصة وإنها ما زالت إلى حد كبير تتم خارج المظلة التأمينية الشاملة التى نسعى لتأسيسها والتى سوف تغطى التكلفة بالكامل والتى تتضمن ليس فقط تكلفة العملية الجراحية ولكنها تتضمن أيضا العلاج والتكلفة فيما بعد العملية.
بالإضافة إلى ذلك فإن اﻻعتماد على المتبرعين الأحياء كمصدر وحيد للحصول على الأعضاء ــ كما هو الحال فى مصر ــ يؤدى إلى نقص شديد فى الأعضاء المتوافرة لسبب قلة الأشخاص الراغبين فى التبرع وهم أحياء خاصة مع الخوف من الأضرار التى تلحق بهم بعد نزع العضو.
وهو الأمر الذى يؤدى فى النهاية لحرمان أحياء آخرين من حقهم فى الحياة والصحة فضلا عن انتشار سياحة زراعة ونقل الأعضاء على حساب الفئات الأكثر فقرا.
وفى مصر، وعلى وجه الخصوص، يعد نسب المرضى المهددين بالعمى بسبب نقص قرنيات العين التى تعد ــ نسيجا خلويا ــ وﻻ تصنف باعتبارها عضوا جسديا متكاملا ما جعل هناك تشريعا منفصلا خاصا بها كنسيج صدر منذ عام 2003 يسمح بالحصول عليها بدون موافقة مسبقة من المتوفى من خلال عدد محدود من المستشفيات التى بها بنوك لقرنية العين منها مستشفى قصر العينى.
وحينما صدر قانون عام 2010 لتنظيم نقل وزرع الأعضاء استثنى قرنية العين ونقل الدم من الموافقة المسبقة عليهما، وإن كان لا يمنع الحصول على الدم عمليا إلا بموافقة من المتبرع، وهذا ما يجب أن ينطبق أيضا على قرنية العين رغم الفارق بينهما منعا لما ينشأ من التباس مثير لقضية تخص الحقوق الفردية والشخصية للمتوفى بعد وفاته واحترام كرامته وآدميته.
وهذا فى الواقع ما نصت عليه كل المعايير الدولية التى أوصت بها منظمة الصحة الدولية فى عدة مناسبات حيث توصى المبادئ الإرشادية للحصول على الموافقة القانونية لنزع الخلايا والأنسجة والأعضاء من أجسام المتوفى مسبقا.
***
وفى عام 2008 على سبيل المثال صدر إعلان إسطنبول الشهير عقب لقاء نظمته منظمتان دوليتان تعملان فى هذا المجال هما الجمعية الدولية لنقل الأعضاء والجمعية الدولية لنقل الكلى وأضاف الإعلان الشهير لمنظومة المعايير الدولية حول نفس القضية، حيث شدد الإعلان على تشجيع التبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة. وأكد أهمية رعاية المتبرعين الأحياء صحيا ونفسيا والنظر إلى عملهم باعتباره أداء بطوليا لمشاركة الآخرين فى هبة الحياة والصحة، وأشار الإعلان أيضا إلى أهمية عدم التمييز فى عمليات زرع ونقل الأعضاء بناء على النوع والجنس والعرق والدين والقدرة المالية لتحقيق مبادئ الإنصاف والعدالة وجرم إعلان اﻻتجار بالأعضاء بطريقة محكمة، واعتبر وجود نظام صحى يتسم بالكفاءة من الأهداف اﻻستراتيجية لمنع انتشار ظاهرة الفشل العضوى التى تؤدى لزيادة الطلب على الأعضاء البديلة. وأكد أهمية وجود نظم تأمينية جيدة تتحمل تكاليف مثل هذه العمليات المكلفة بعيدا عن أساليب الدفع المباشر من الجيب التى تفتح الأبواب للاتجار فى الأعضاء، كما أكد أهمية تدعيم برامج التعليم ورفع الوعى للعاملين فى القطاع الصحى وللمواطنين بشكل عام حول أهمية تبرع بالأعضاء بعد الوفاة وهذا «مربط الفرس» فى عمليات الحصول على قرنيات العيون من المتوفين والتى تشكل مشكلة كبرى لنظامنا الصحى لأهمية وجود بنوك لقرنيات العين لإنقاذ آﻻف المرضى الأحياء من العمى، ما يستلزم رفع الوعى لدى المواطنين بذلك مسبقا وضمان تطوير التشريع الخاص بذلك ليتضمن الموافقة الصريحة على التبرع فى مقابل بعض المزايا التى يتمتع بها أسر المتبرعين المتوفين فى مجالات مختلفة لتشجيع وتحفيز هذا العطاء الإنسانى الذى ﻻ يمثل انتهاكا لجسد المتوفى بقدر ما يحقق إنقاذا كبيرا لمريض آخر يشاركه هبة الحياة.
فالقضية لا تحتمل الإجبار مهما كانت دوافعها النبيلة، وإنما يجب أن تتم برضا كامل ومعرفة ومزايا تمنح لهذا العطاء ما يشجع على إعادة تشغيل بنوك القرنيات مثلها مثل بنوك الدم تماما، فالمتبرع بالدم يعتبر ذلك مثارا لفخره فى محيطه العائلى، وهذا ما يجب أن يتم أيضا بالنسبة لقرنيات العين فهى مجرد نسيج خلوى شفاف وبسيط لا يمثل انتهاكا للجسد بأى شكل من الأشكال أو تشويها للعين.
وهو ما يستلزم فى كل الأحوال تطوير التشريع ليصبح اختياريا وليس إجباريا أو سريا ﻻ يعلمه أهل المتوفى إﻻ بالمصادفة.
إنها معادلة دقيقة بين المصلحة الصحية العامة وإشكالية الحقوق الشخصية والفردية للإنسان، فهل نطور التشريع ونرفع الوعى ذلك هو الطريق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved