رسالة إلى عواصم الغرب: لا تضغطوا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 17 فبراير 2011 - 9:48 ص بتوقيت القاهرة

 انتظر المصريون فى عام 1952 أن يأتى الاصلاح على أيدى القادة السياسيين وبخاصة رؤساء الأحزاب وكبار الشخصيات ولم يأت. راحوا فى غالبيتهم يتنافسون على كسب رضا القصر أو الانجليز ويزدادون فسادا. وفى هذه الأثناء وكرد فعل طبيعى لاهتمام القادة السياسيين بشئونهم الصغرى انتفض الشباب وبخاصة طلاب الجامعة يضغط بالمظاهرات والتدريب على القتال وتشكيل كتائب لمقاومة الانجليز فى منطقة القناة، ونشط شباب بعض الأحزاب والجماعات السياسية فى محاولة لفرض التغيير داخل أحزابهم وجماعاتهم. وأمام تدهور الأحوال وانتشار الغضب تدخل الجيش ملبيا نداءات بدأت خافتة قبل أن تتصاعد على وهج فضائح الفساد وبخاصة فى مسائل تمسه تحديدا مثل السلاح وسوء ادارة الحرب فى فلسطين. كانت استجابة الجيش بالقول والفعل كافية ليخرج الناس كهولا وشبابا يؤيدون تدخله. ولكنها كانت كافية أيضا لكى تقوم جماعات وقوى داخلية وخارجية بتعبئة صفوفها لتنصب نفسها أعداء للجيش الذى تولى الحكم وأفصح عن نية تنفيذ إصلاحات سياسية.

تصدرت قائمة هؤلاء الأعداء إسرائيل التى تعمدت شن غارة على غزة بعد أقل من عامين من تولى الجيش السلطة، وهى الغارة التى راح ضحيتها ضباط وجنود مصريون. كانت الغارة من وجهة نظر إسرائيل ضرورة حتمية لتحقيق هدفين: أولهما تذكير القادة الجدد فى مصر بتوازن القوة العسكرية بين مصر وإسرائيل بحيث تكون لإسرائيل على الدوام اليد العليا والأقوى فى صياغة علاقات المواجهة مع مصر، وثانيهما دفع قادة الحكومة العسكرية فى مصر نحو اتخاذ موقف واضح وصريح يكشف عن حقيقة نواياهم تجاه إسرائيل، فإن هم أعربوا علنا عن نوايا تصالحية بعد الغارة التى شنت على غزة فقدوا قواعد التأييد فى صفوف شعبهم وظهروا ضعفاء مخذولين فى مصر وخارجها وضاع منهم موقع الريادة فى المنطقة العربية. وإن هم تصدوا لتداعيات العدوان على غزة بمواقف وطنية ولجأوا إلى حشد الشعب وتعبئته فقدوا رضا الولايات المتحدة التى كانت تأمل فى صنع نظام إقليمى دفاعى جديد فى الشرق الأوسط تنضم إليه مصر ويضم العراق وتركيا ودولا أخرى، وفقدوا فى الوقت نفسه صداقة دول عربية حليفة لأمريكا وغير مستعدة لاستئناف صراع العرب على إسرائيل أو إغضاب الغرب عموما.

اختارت القيادة العسكرية المصرية البديل الثانى لأسباب كثيرة كشف عنها فى السنوات اللاحقة. أحد هذه الأسباب تتعلق بحقيقة أنها لم تكن قد استقرت تماما فى الحكم وكانت الخلافات حول أهدافها السياسية والدستورية عديدة وكبيرة وبقيت لمدة غير قصيرة بعيدة عن الحل. ولكنها وقد اختارت هذا البديل قررت تصعيد أهداف تدخلها مقتربة من المضمون الثورى فأضافت إلى أهدافها وسياساتها التصدى للأحلاف وحشد الجماهير العربية ضد إسرائيل، فتضاعف عدد المؤيدين. وبالفعل وبالتعبئة ضد عدوان اسرائيل وهجمة حلف بغداد وبدعم هائل من الشعب تحولت «الحركة الانقلابية المباركة» التى قام بها نفر من الضباط الأحرار فى يوليو 1952 إلى ثورة غيرت وجه مصر وصاغت مضمونا جديدا للنظام الإقليمى وشاركت بفاعلية وإيجابية فى صنع مرحلة مهمة من مراحل تطور النظام الدولى حين تجاسرت باسم مصر فأسست منظمومة دولية للحياد الإيجابى والتعاون بين دول ومستعمرات العالم الثالث. فى شهور قليلة كانت حركة الضباط قد صارت ثورة رفعت من شأن مصر والعرب والشعوب النامية الأخرى وحصلت على إعجاب وانبهار شعوب عديدة وألهمت قادة عسكريين فى دول كثيرة وجلبت لنفسها ومصر عداء أمريكا وبقية دول الغرب.

●●●


شىء بل أشياء من هذا يحدث الآن وإن كان فى ظروف وبأشكال مختلفة. ففى مصر تفجرت ثورة صاغ مطالبها وحرك جماهيرها شباب عاديون من أبناء المدن. مدنيون ومدينيون ومدن استهانت بهم وبها الطبقات السياسية الجديدة وقادة العسكر فى أنحاء كثيرة من العالم.

انتظرت مصر لسنوات عديدة أن يخرج مما بين طبقاتها السياسية ونخبتها الحزبية قوة أو جماعة تأتى بالاصلاح. ضغط الشعب بالاحتجاج تارة والاعتزال تارة أخرى ولم يعره الاهتمام حكامه الذين اتضح فيما بعد أنهم كانوا فى أسوأ الحالات يحتقرونه، وفى أحسن الحالات يتعالون عليه وعلى مطالبه وحاجاته.

تخاذلت معظم قيادات القوى الحزبية والسياسية التى فضل قادتها إرضاء الحاكم على رضاء الشعب. ارتضوا لأنفسهم العيش على فتات السلطة والجاه والمال عن العيش فى ساحات النضال السياسى الحر والمستقل.

ولذلك فإنه عندما لم يأت الإصلاح على أيدى سياسيين عاد الشعب ولكن بتردد شديد ينتظر أن يأتيه على أيدى العسكريين. وأظن أنه انتظر طويلا رغم أنه لم يعول عليه كثيرا.

لم يأت الاصلاح. لم يأت عندما صدق الشعب وعود الطبقة السياسية وقادة النظام الحاكم بجناحيه جناح السلطة وجناح المعارضة. ولم يأت عندما انتظر انتفاضة من الجيش تحمل راية الإصلاح.

طال انتظاره حتى يوم خرج فيه الشباب فى ثورة هزت أفئدة العالم فقامت الدنيا ولم تقعد. جاءت من فرنسا رسالة تنقل عن مسئول كبير أمنية أن يعيش ليرى فى بلاده ثورة كالمصرية تصلح ما أفسده استقرار طال أمده، وجاءت من أمريكا مقالة لصحفى كبير يعترف فيها بأن الثورة المصرية نموذج تحتاج إليه أمريكا ليضىء أمام الأمريكيين طريق إصلاح نظام ديمقراطى آيل للسقوط بدليل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستحكمة التى تمسك بخناق النظام السياسى الأمريكى. وفى ايطاليا خرج برليسكونى الرجل الذى لم يخف يوما كراهيته لكل ما هو عربى وإسلامى يقول «فقط دولة بتاريخ مصر قادرة على أن تصنع هكذا ثورة».

●●●


فجأة، عادت مصر تملأ قلوب أهلها وجيرانها العرب بالحب وتحظى منهم بالمؤازرة والدعم، وراحت تهدم بنجاحات ثورتها وسماحتها وسلميتها صروح الكذب والغش التى أقامها خصومها فى الولايات المتحدة وإسرائيل حتى جعلوا سمعة المصريين والعرب سبة فى جبين الانسانية. فبفضل جهالة نظام حكم مصرى بطىء التفكير والحركة وسيئ الاخلاق وفاسد السلوك لم تعد المعارضة السياسية فى مصر وبلاد العرب فى نظر الغرب سوى جماعات إسلامية إرهابية تنتظر لحظة القفز على الحكم فى القاهرة واعلان الحرب على الغرب وإلقاء اليهود فى البحر.

وسط هذا الزخم الفريد فوجئت مصر بإشارات دولية وضغوط وتصريحات ومطالب من الخارج تدعو مصر إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات ومواقف توضح نوايا الثورة الشعبية المصرية تجاه إسرائيل.

قيل لنا من واشنطن إن إسرائيل تريد أن تحصل من مصر على ما يثبت أنها لن تغير سياستها تجاهها إسرائيل وأن اتفاقية الصلح لن تمس بأى حال من الأحوال. من ناحية أخرى وبإيحاء من إسرائيل وأمريكا مارست دول أوروبية أخرى، وأذكر تحديدا حكومة السيدة إنجيلا ميركيل فى برلين، مارست ضغوطا هائلة على مصر فى وقت كانت القيادة الجديدة تتلمس الطريق إلى الاستقرار وتحاول الاستفادة من التأييد الدولى والعربى والمصرى العارم استعدادا للانتقال إلى مرحلة جديدة نحو النهضة والرقى والديمقراطية.

لا شىء يمكن أن يقال عن هذه الضغوط المتتالية أكثر من أنها صدرت عن دول أغلبها أخطأ التقدير وأساء إلى الثورة المصرية وهى فى المهد طرية وأساء أيضا إلى شعب مصر. لقد تابعنا بقلق شديد كل ما صدر عن إسرائيل والجماعات الصهيونية فى أمريكا وأوروبا الغربية، ومعظم ما صدر كان مكللا بحقد أسود وأسوأ النوايا. هدفها، كما كان هدف العدوان على غزة فى 1955 وكما كان هدف عملية لافون، وكان أيضا هدف كل رؤساء حكومات إسرائيل الذين كانوا يتعمدون زيارة حسنى مبارك عشية اتخاذ قرار بشن عدوان على العراق أو لبنان أو غزة، وهو إحراج مصر وإخضاع حكومتها لإرادة إسرائيلية وفى الوقت نفسه إذلال الشعب المصرى وتشويه صورته فى نظر شعوب، جميعها بدون استثناء تستعد لثورة تنوير ونهضة وحرية..

●●●


لا أقول إن حكومات ألمانيا وفرنسا وأستراليا وغيرها من الحكومات التى طلبت من حكومة ما بعد مبارك إعادة تأكيد التزاماتها تجاه إسرائيل واحترامها اتفاقيات السلام تعمدت إضعاف القيادة الجديدة والثورة بأسرها ووضعها فى موقف حرج عربيا وداخليا، أو أنها أرادت ما أرادته إسرائيل وهو إذلال الثورة المصرية وهى فى أوجها وزرع وقيعة بينها وبين دول الغرب وبخاصة أمريكا، ولكن أقول إن هذه الدول جميعا أساءت التقدير وأخطأت ربما عن غير قصد فى حق هذه الثورة، وأقول أيضا إن هذه الدول إن استمرت فى الضغط علينا، ثورة وقيادة وشعبا، فى الموضوع الإسرائيلى فإنها ستفقد رصيدا أثمره تأييدها للثورة المصرية، وستفقد ما هو أكثر كثيرا، ستخسر فرصة أن يكون لها تأثير فى صنع مستقبل هذه المنطقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved