أيها الرضا.. أين أنت؟!


صحافة عربية

آخر تحديث: الجمعة 17 مارس 2017 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

شاهدت فى مقطع فيديو امرأة شابة من اللاجئين السوريين، يحيط بها أطفالها الأربعة شعثا غبرا، يجلسون قرب خيمتهم الصغيرة حول نار أشعلتها يستدفئون بها فى جو قارس البرودة. كانت المرأة تتحدث إلى أحد المراسلين بوجه باسم وصوت يعلو نبرته الامتنان والغبطة، قالت تهدم بيتنا وقتل زوجى ففررت بأطفالى إلى هنا. قال لها أراك تطعمين الصغار خبزا جافا وتسكنين معهم فى هذه الخيمة الخالية من الدفء، قالت: «الحمد لله الخيمة أحسن من العراء، والخبز نعمة، نأكله ونحمد الله، المهم إننا بعيدون عن الخطر، وأولادى عندى طيبين».

أعدت الفيديو أكثر من مرة! أسرنى مشهد هذه المرأة وهى تتحدث بكل هذا الرضا والامتنان، على الرغم من بؤس الوضع الذى تعيش فيه! لم أسمع منها كلمة تذمر واحدة، فقدت الزوج والبيت وباتت مشردة فى العراء وحيدة تحمل فى عنقها مسئولية رعاية أربعة من الصغار، لكنها بمجرد ما وجدت مأوى آمنا يحميها وصغارها من الرعب الذى كان يحوم فوق رءوسهم، حمدت ربها وشكرته وارتسمت علامات الامتنان على وجهها!.

أى امرأة هذه؟! كان الحوار معها درسا بليغا لكثير من الناس، الذين مهما ملكوا من المزايا يظلون غير راضين لا تسمع منهم سوى التذمر والشكوى!

حديث المرأة يؤكد أن السعادة أو لنقل الطمأنينة والانشراح، لا علاقة لها بالمعطيات المادية وإنما هى ذات علاقة بشيء آخر، يسميه الناس الرضا. حين رضيت بالوضع الذى آل إليه حالها، ورأت فيه خيرا لها ولأطفالها، شعرت بالراحة والطمأنينة تملأ قلبها.

هنا يظهر السؤال المحير؟ ما الذى يجعل هذه المرأة ترضى فتسعد، ويجعل غيرها يحرم من الرضا فيشقى؟! لم يحل الرضا فى بعض الصدور فتهدأ وتطيب، ويغيب عن بعضها الآخر فتظل فى غم وضيق ونكد؟

ابن حزم ينسب ذلك إلى الطمع، فيجعله سر شقاء الإنسان، فمن طبيعة الإنسان أنه فى حالة طمع دائم، يطمع فى الصحة وفى المال وفى المنصب وفى التفوق وفى الرئاسة وفى وفى.. مطامع الإنسان لا تنتهى، كلما حصل على شىء طمع فى غيره، ولأن مطامع الإنسان لا تنتهى، فإن غمه وضيقه أيضا لا ينتهيان!

ما يؤكد هذا، أن الراضين ليسوا أناسا تخلو حياتهم من المضايقات، أو أنهم يحصلون على كل ما يودون، الراضون مثلهم مثل غيرهم، لديهم من الأسباب التى تدفع إلى الضيق والغم ما يكفى لأن يجعلهم يشعرون بالتعاسة تغطيهم من الرأس لأخمص القدم، لكنهم مع ذلك ليسوا كذلك، لأنهم راضون بما هم فيه، وكفى بالرضا انشراحا وراحة.

عيب الرضا أنه ليس شيئا يقتنى، هو نعمة من الله يرسلها إلى بعض من يحب من عباده، فيعيشون فى طمأنينة وهدوء، ويحرم بعضهم منها فإذا هم يملكون كل شىء سوى الشعور بالسعادة. فاللهم ارزقنا الرضا واجعل قلوبنا أرضا خصبة تنبت جذوره فوقها.

عكاظ ــ السعودية
عزيزة المانع

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved