تحديات وتجاوزات فى ساحة الإعلام المصرى

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 17 مايو 2012 - 8:35 ص بتوقيت القاهرة

قضيت أسبوعا توزعت أيامه على مؤتمرين عقدا فى دولة الإمارات واجتمعا حول موضوع الإعلام العربى. كان أملى أن أتفرغ بعد هذه الجرعة «الإعلامية» القوية لمتابعة اهتمامات وإنجاز مهام بعيدة عن الإعلام. لم يتحقق الأمل. ففى اليوم السابع من الأسبوع وقعت المناظرة التليفزيونية التى أقيمت فى القاهرة بين اثنين من مرشحى الرئاسة، وبوقوعها انفتحت أبواب جحيم الإعلام أو نعيمه، فالحدث فى حد ذاته، فضلا عن أصدائه الواسعة، كان إضافة قيمة إلى المعلومات والتحليلات التى تبادلها المشاركون فى مؤتمر دار الخليج الذى عقد فى الشارقة ومؤتمر الإعلام العربى الذى عقد فى دبى. وكان فى جانب آخر امتحانا لفكرة أو أكثر من أفكار نتداولها فيما بيننا منذ سنوات.

 

قرأت ما كتبه الكاتب المصرى المرموق الأستاذ فهمى هويدى فى صحيفة الشروق المصرية عن الاهتمام بالمناظرة الذى لمسه من جانب مشاركين من العرب فى مؤتمر حضره فى أنقرة، وهو الاهتمام نفسه الذى لمست خلال الساعات الأخيرة من إقامتى فى دبى وكان محور اتصالات جرت بينى وأصدقاء من دول فى الخليج والمشرق.

 

وفى القاهرة، استمعت إلى عدد غير قليل من انطباعات أهل وزملاء قبل أن أشاهد بنفسى المناظرة وأقرر قدر المبالغة أو التهوين فيما سمعت من آراء عنها وعن قدر الانحياز لمرشح دون الآخر وحدود التزام الناخب المحتمل لمرشح أو آخر. وفى اليوم التالى سنحت الفرصة لقراءة مقال نشرته جريدة الحياة اللندنية للكاتب والمحلل السعودى المعروف جمال خاشوقجى، تحت عنوان «تحولات الإعلام فى زمن الربيع العربى».

 

خلص مقال جمال خاشوقجى إلى أن تحديات جديدة باتت تواجه الإعلام العربى، ناتجة جميعها عن تحولات ثلاثة مهمة، اثنان منهما من نتائج الربيع العربى، أولاهما ارتفاع سقف الحرية فى محتوى المادة الإعلامية المطبوعة أو المذاعة وفى الحصول على تراخيص لإصدار صحف وقنوات فضائية حديثة. النتيجة الثانية هى تحول الجمهور نحو المحلية. ودليله على ذلك أن المحطات المحلية عادت تستعيد مواطنيها من جديد، حيث صار لها من الحرية ما يسمح لها بنقل ما تشاء ومن الوقت الكافى ما يسمح لها بالتركيز على ما تشاء. أما التحول الثالث فيراه خاشوقجى فى التغيرات التقنية والتداخل بين وسائط وأدوات الإعلام التقليدى والإعلام الجديد.

 

●●●

 

أعتقد أنه ليس بيننا كثيرون يختلفون على مسئولية نظام مبارك عن معظم أسباب تخلف الإعلام المصرى. حددت نظام مبارك لأنه لا شك وإن اشترك مع عهدى عبدالناصر والسادات فى أمور ليست قليلة، إلا أنه تفوق عليهما فى أربعة منها على الأقل، أولها الاستبداد السياسى ووحشية إجراءات الاعتقال والتعذيب وتشويه السمعة، وثانيها تشجيع هجرة خيرة الإعلاميين المصريين تحت عنوان إعادة تدوير الفائض الإعلامى المصرى والتوسع فيه إلى حد أن تحولت إعادة التدوير إلى عملية «تجريف» الإعلام المصرى من الكفاءات لصالح محطات وصحف غير مصرية تعمل بإمكانات تقنية أحدث وقدرات مادية أوفر، وفى الوقت نفسه أهمل النظام بين ما أهمل وهو كثير، أهمل تطوير مناهج التعليم فى كليات الإعلام وتقاعس عن تدريب إعلاميين جدد لتعويض الفاقد، وثالث العناصر التى تفوق فيها نظام مبارك عن عهدى عبدالناصر والسادات، كانت حين ركز جهود رجاله لينتزعوا من قلب الإعلام المصرى رسالته الوطنية والاجتماعية وكان من شأنه أن يشحذ التفكير العلمى ويحفز الهمم، أما رابعها فكان الإفساد المتعمد والمنظم لرءوس إعلامية معروفة وانتهاز الفرص للتشهير بهم والإساءة إلى سمعة الإعلام والعاملين فيه.

 

●●●

 

بالإضافة إلى هذه النقائص، فقد انفرد عهد مبارك بخاصية فريدة.  انفرد بمقته الشديد للخبر. كانت الشكوى التى نسمعها فى كل دار إعلامية هى ندرة الأخبار حتى قيل إن مصر توقفت عن صنع الأخبار مثلها مثل عديد المنتجات التى توقفت عن إنتاجها. مصر فى عصر مبارك لم تهتم بإقامة صناعات ثقيلة أو متوسطة، أو بزراعة القمح وغيره من الحاصلات الرئيسية، توقفت مصر عن تخريج أطباء ومهندسين يعترف العالم بشهاداتهم، توقفت أيضا، وبالأسلوب نفسه والهدف، عن إنتاج أخبار، والأخبار كما نعرف هى السبب أو المبرر الأوحد لوجود مهنة إعلام.

 

اتفق مع الزميل خاشوقجى فى أن الربيع، سواء صحت التسمية أم كانت هناك تسمية أفضل، أعاد لمصر سمعة الأمة القادرة على صنع الأخبار، وبالتالى أعاد للإعلام المصرى الفرصة للعمل والنهوض. يلفت النظر أن «الإعلام الإقليمى»، وأقصد به المحطات الفضائية العابرة للحدود والمنطلقة والممولة من خارج مصر، بدأت خلال العام الأول من الربيع تفقد البريق الذى حافظت عليه لسنوات عديدة وعاد بعض البريق إلى الصحف والمحطات المصرية. والأسباب لا شك كثيرة وإن كان من المبكر جدا الحكم عليها. قد يكون بينها واقع أن إعلاميات وإعلاميين جددا ظهروا فى مصر وتحملت بعضهن أو بعضهم مسئولية مواجهة تحديات لم يألفها من قبل، وقد يكون بين الأسباب أيضا أن سقف الحرية ارتفع إلى حد ساعد عددا من الإعلاميين على انتشال الأمل من أعماق اليأس الكئيب. يبقى أنه فى ظل حال التفاؤل وعودة الأمل والثقة بالنفس عادت مصر ساحة مسلية.. عادت بكفاءة منقطعة النظير ترسم الابتسامة وفى نفس الوقت تسخر من آلام مبرحة. عادت مصر ساحة إعلام بامتياز.

 

●●●

 

هذه الصور عن المرحلة الراهنة فى تطور الإعلام المصرى، والعربى أيضا، شجعت رءوس أموال مصرية بجذور محلية، ومصرية من أصول خليجية، ومصرية من أصل غير معروف، شجعتها على الاستثمار فى هذه السوق الإعلامية الجديدة. شجعتها أيضا حالة السيولة، ولا أقول الحرية، فى إصدار التراخيص ومراقبة المحتوى. يخطئ بالتأكيد كل من يطالب بوقف هذه الظاهرة أو تقييدها، ويصيب كل من يحذر من خطورة أن تؤدى هذه الظاهرة إلى مزيد من التقوقع على الذات والانغماس فى المحلى على حساب الإقليمى والدولى لخدمة مصالح معينة تريد لمصر مواصلة سياسات العزلة، أو لسبب لا يقل خطورة وتهديدا وهو أن بعض المستثمرين الجدد جاءوا من عوالم أخرى لا علاقة لها بالإعلام وعدد منهم جاء لدافع غير حافز الربح المادى. أكثر هؤلاء لن يهتموا بالاستثمار فى التطوير والتدريب ولن يهتموا إلا بما هو محلى، وهو الأمر الذى قد يفسر الإهمال منقطع النظير بتغطية مؤتمر عدم الانحياز الذى عقد برئاسة مصر فى شبه جزيرة سيناء وحضره أكثر من أربعين وزيرا للخارجية حرصوا على إعلان تقديرهم للحالة الربيعية التى تعيشها مصر، الدولة التى أسست مع الهند ويوغوسلافيا حركة عدم الانحياز، كأول حركة فى العالم الثالث سعت لتغيير قواعد عمل النظام الدولى.

 

المناظرة، وغيرها من مآثر الحالة الثورية التى تمر بها مصر أيقظت طموحات الإعلاميين ورفعت مستوى توقعاتهم وصاغت تحديات جديدة أمام الصحافة والمحطات المصرية والعربية عابرة الحدود. أعرف جيدا حجم الشكوك والأسئلة التى تدور حول إقبال بعض رجال الأعمال على الاستثمار «غير المربح غالبا» فى قطاع الإعلام. ولكنى أعرف أيضا أن الملايين من مستخدمى وسائط الاتصال الالكترونى والاعلام الجديد يقفون متربصين لأى بادرة تجاوز من جانب رءوس الأموال غير معروفة الأصل والغرض، تجاوز يضمر الشر للحالة الثورية، التى يأملون أن تعيش معهم سنوات عديدة قادمة، أو يهدد الحرية الإعلامية المكتسبة حديثا بعد سنوات من القمع والمطاردة. بعض رءوس الأموال هذه جاءت إلى مصر، أو نشأت فيها، متأثرة بنجاحات محطات فضائية معينة، استطاعت أن تمارس الحرية خارج بلادها بينما هى، كما يقول خاشوقجى، محرومة منها داخل بلادها.

 

●●● 

 

لا نستطيع الآن أن نحكم على التجربة الجديدة فى الإعلام المصرى الخاص حتى بعد أن أثمرت هذه التجربة المناظرة التى ما كان يمكن أن يتصدى لها الإعلام الرسمى. ولكننا نشعر وبقوة أن إعلاميين متميزين، فى كلا القطاعين التقليدى والجديد، قادرون على التصدى للتحديات وهى كثيرة ولوقف التجاوزات وهى ما زالت محدودة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved