مائة عام من الهزائم العربية.. وإسرائيل المنتصر الأكبر بسايكس بيكو!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2016 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

يحتفل «العرب»، هذه الأيام بالذكرى الستين «للنكبة» التى ضربتهم فى فلسطين، أساسا، بعدما كانت مقدماتها قد بعثرتهم فى مختلف ديارهم التى كان يوحدها الحكم المتداعى للسلطنة العثمانية، وريثة «الخلافة» العربية الإسلامية التى كانت قد تمزقت أيدى سبأ وتوزعها أشتات من أمراء الجيوش متعددى العنصر متعاظمى الطموح إلى السيطرة بقوة السلاح على بلاد لا يعرفون حتى لغتها.


من المصادفات القدرية أن ذكرى «النكبة» فى فلسطين تجئ هذه السنة متقاربة زمنيا مع الذكرى المئوية لمعاهدة سايكس بيكو التى تقاسم فيها الحليفان المنتصران فى الحرب العالمية الأولى، بريطانيا وفرنسا، منطقة المشرق العربى.


وقد حرص البريطانيون يومذاك على التمهيد عبر هذه المعاهدة، لإقامة الكيان الصهيونى فوق أرض فلسطين بخطوات محددة بينها: تثبيت احتلالهم للأرض المقدسة مع فتح الباب أمام الهجرة اليهودية، و«خلق» كيان سياسى جديد على حدودها باسم إمارة شرقى الأردن، بزعم استرضاء الشريف حسين وعبر تنصيب ولده عبدالله بن الحسين أميرا على هذه الدويلة المقتطعة من الأرض السورية والتى ستكون حاجزا بين فلسطين والعراق وبالتالى الامتداد العربى حتى اليمن، فى حين تتكفل صحراء سيناء بتأمين «الكيان الجديد» من مخاطر الاجتياح المصرى.


***


التزامن بين «النكبة» فى فلسطين وبين النتائج العملية لمعاهدة سايكس بيكو، أوضح من أن يحتاج إلى شرح، إنه كالعلاقة بين السبب والتداعيات المنطقية الناجمة عنه. وهكذا كان ضروريا أن يقسم المشرق العربى، وبالتحديد «الهلال الخصيب»، أى المساحة الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء العربية بدءا بالكويت على الخليج العربى وانتهاء بعدن على بحر العرب واليمن شمالا عند باب المندب الذى يربط أو يفصل بين البحر الأحمر والمحيطين الهندى والأطلسى، لكى تتم السيطرة على ردود الفعل المحتملة فى البلاد العربية المحيطة بفلسطين على عملية خلق الكيان الصهيونى فوق أرض فلسطين العربية.


***

والحقيقة أن «النكبة» لم تقتصر على فلسطين، بل هى شملت بتداعياتها كل المشرق العربى. إذ كان ضروريا إقامة سور من الدويلات الضعيفة من حول فلسطين، ليمكن زرع الكيان الإسرائيلى فيها، وعبر مدى زمنى تجاوز الثلاثين عاما، وشهد تطورات خطيرة تناولت الخريطة الجديدة لهذه المنطقة:


• أولا: تم «تكبير» متصرفية جبل لبنان باقتطاع أجزاء من ولايتى حمص ودمشق «أيام العثمانيين ومن ثم الأتراك»، لإقامة كيان سياسى متعدد الطائفة مع الحرص على إعطاء المسيحيين «والموارنة تحديدا» مركز القرار.
• ثانيا: جرت محاولة لتقسيم سوريا، أو ما تبقى منها بعد اقتطاع شرقى الأردن، وما أعطى لمتصرفية جبل لبنان من الأرض والأهالى، إلى أربع «دويلات» على أساس طائفى أو مذهبى «دويلة للعلويين فى الساحل، ودويلة للدروز فى حوران التى قسمت إلى محافظتين أو مشروع دويلتين، ودويلة سنية فى دمشق وأخرى سنية فى حلب».
ولم تعمر محاولة البريطانيين تنصيب فيصل الأول، نجل الشريف حسين، الذى استخدموه لإعلان الثورة العربية الكبرى ــ كمشروع افتراضى لإعادة توحيد العرب فى «دولة عظمى» تذكر بأيام الخلافة ــ ملكا على سوريا، إذ سرعان ما خلعه الفرنسيون وطردوه مسقطين «دولته» فى دمشق، فتولى أمره البريطانيون واستلموه من درعا على «الحدود الجديدة» بين سوريا «الفرنسية» والأردن «البريطانى» ليأخذوه إلى بغداد فينصبوه ملكا على العراق الجديد. فلما هبَ «الشيعة» فى العراق إلى الرفض «ثورة العشرين»، استمال البريطانيون أهل السنة فأقاموا معهم وبهم المملكة العراقية الهاشمية، لتساند الإمارة الهاشمية «عبدالله بن الحسين» فى الأردن.
• فى هذا الوقت كانت دول الحلفاء المنتصرة فى الحرب العالمية الأولى، وتحديدا البريطانيين، يسهلون ليهود أوروبا إجراءات القدوم إلى فلسطين، وكانت الحركة الصهيونية هى التى ستتولى قيادة اليهود فى مشروع إقامة دولتهم «إسرائيل» على أرض فلسطين العربية. بينما الزعامات والقيادات العربية التى جمعها نداء الثورة العربية الكبرى تغرق فى صراعاتها العبثية على تقاسم مواقع السلطة والنفوذ فى الدويلات المستحدثة التى «خلقها» الاستعمار الجديد، مطلقا «وعد بلفور» بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين ومستولدا حالة من الصراع المفتوح بين ورثة «الثورة العربية الكبرى» وبين الساعين إلى السلطة فى الدويلات الجديدة، وبينهم عرب وأتراك وأكراد و«قوميات» أخرى.


وهكذا كان المشروع الصهيونى يحقق المكاسب يوما بعد يوم، خصوصا أن المتمولين اليهود بادروا إلى تنفيذ خطة مدروسة لشراء الأراضى فى فلسطين، وكان بين ملاكها من غدوا، الآن، «لبنانيين» و«سوريين» تمهيدا للإدعاء بحقهم فى استعادة ما كان من أراضى «مملكة سليمان» الأسطورية، والتى ليس لها أى سند فى التاريخ.


وها هم العرب، بعد مائة سنة من «معاهدة سايكس بيكو» والتى وضع لها وعد بلفور بعد عام واحد من إعلانها الخطة التنفيذية لإقامة «دولة يهود العالم» على أرض فلسطين، يخوضون حروبا ضد الذات على امتداد أرض المشرق العربى، فى حين تطال الصواريخ الإسرائيلية العواصم العربية والإسلامية «حتى لا ننسى إيران» القريبة والبعيدة معززة الآن بمعاهدة صلح مع مصر، ومع الأردن، وبمعاهدة دولية لفض الاشتباك بينها وبين سوريا «فى أعقاب حرب أكتوبر المجيدة 1973»، واتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان «بعد أن نجحت المقاومة الباسلة فى تحرير الأراضى اللبنانية التى كانت إسرائيل قد احتلتها بذريعة طرد المقاومة الفلسطينية منها، عبر اجتياح عسكرى وصل إلى العاصمة بيروت فى مطلع يونيه 1982 وكان ذلك امتدادا لاحتلالها جنوب نهر الليطانى فى منتصف مارس 1978».


***


هل من الضرورى التذكير بأن بمقدور إسرائيل، الآن، أن تدعى أنها «الدولة الديمقراطية الوحيدة فى منطقة الشرق الأوسط التى يتناوب على حكم دولها ضباط انقلابيون أو ملوك وأمراء ومشايخ يستمدون قوتهم من قبائلهم ومن نفطهم الذى يحظى بحماية دولية مؤكدة، باعتباره عنصر استقرار اقتصادى وبالتالى سياسى، للسلام العالمى وللاستقرار فى هذه المنطقة المضطربة، والتى يخوض أهلها هذه الأيام فى بحار دمائهم، فى محاولة مكلفة للوصول إلى غدهم الأفضل، فينجحون قليلا ويفشلون كثيرا بسبب فرقتهم، وخلافاتهم السياسية التى صفحها فى السنوات القليلة الماضية مناخ الفتنة الطائفية التى تهددهم فى يومهم كما فى غدهم، أقلة فى مختلف أقطار المشرق العربى، الذى تغرق «دوله» فى بحور من دماء شعوبها.


ومن أسف، فإنه فى حين تتباهى دولة العدو الإسرائيلى، الآن، بأنها أقوى دولة فى منطقة الشرق الأوسط، وتكاد تتحكم بمصائر العديد من الدول و«الشعوب العربية» فإن دول العرب فى المشرق العربى خاصة تعيش حالة من التمزق والتشطر على قواعد طائفية ومذهبية و«قومية»، حتى لا ننسى الأكراد وبعض العناصر المكونة الأخرى لشعوب هذه المنطقة، هذا قبل الحديث عن الفتنة الطائفية التى تكاد تلتهم الوحدة الوطنية ودولها المستولدة قيصريا، والتى يبدو أنها قد بلغت سن الشيخوخة ولم تعد مؤهلة للبقاء، أقلة فى صيغتها القديمة الراهنة.


مع الإشارة إلى أن رياح التغيير التى أطلقتها «الميادين» فى السنوات الخمس الأخيرة ظلت أضعف من أن تُحدِث «الثورة» المرتجاة لأن بين شروط حماية الكيان الصهيونى أن تختفى «الثورة» من القاموس السياسى الراهن، لتحل «الفتنة» محلها فتقسم المقسم، وفى ذلك حماية إضافية لإسرائيل التى من حقها الاحتفال بعيد ميلادها الستين فى ظل هذه الحروب ضد الذات التى فرض على «العرب» أن يغرقوا فيها حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا!


هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved