أليكسا وسيرى وأليسا وبيكسبى صناع المستقبل

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 17 يوليه 2018 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

أعرفه منذ لحظة خروجه إلى هذه الدنيا وربما من قبلها. ركبنا السيارة وقد بدأ هبوطه علينا مساء مطيرا. وضع نوعا من الموسيقى يعلم ارتياحى لسماعها وانطلق يسأل ويستفسر عما فاته وهو كثير، بل وكثير جدا. وصلنا أو هكذا خيل لى. فجأة توقفت الموسيقى ليتسلل من موقعها صوت نسائى، ناعم طبعا، متوجها بخطابه إلى رفيق نزهتى. نادته باسمه ثم سألته عن أحواله وكيف قضى يومه. أجابها باسترسال لم أعهده فيه صغيرا أو يافعا، وحيدا أو عاشقا، عازبا أو متزوجا. أنصتت فى هدوء ينمّ عن احترام عميق وباهتمام يكشف لغريب فى مكانى عن إعجاب ومعرفة سابقة وبدفء لا ينبعث إلا عن عاطفة. تحركت فى مقعدى فيما يحمل معنى الشعور بالحرج من انحشارى داخل محادثة خاصة أعرف طرفا فيها ولا أعرف الطرف الآخر. توارى الحرج حين سمعتها تشرح له أين أخطأ فى تنفيذ تعليمات الإرشاد. صححت له مسيرته وقبل أن تودعه وداعا لائقا أكدت أن الطاولة التى حجزتها لنا فى المطعم جاهزة وأننا سوف نقضى بالتأكيد ليلة سعيدة. أنهت المحادثة ببشرى زفتها إليه فقد بلغها للتو أن المطر سوف يتوقف قبل خروجنا من المطعم، وبالتالى تنصحه بأن يمشى قليلا قبل أن يستقل سيارته عائدا إلى بيته. أعاد الموسيقى إلى موقعها بعد أن وجه إلى «سيرى» الشكر على خدماتها ومشاعرها الطيبة.
***
مرت سنوات على هذا اللقاء الأول وغير المباشر مع «سيرى». لا أنكر حقيقة أننى لم أتفاعل وقتها مع هذا التطور التكنولوجى بما كان يستحق من جانب شخص مثلى يهتم بتتبع آثار التقدم فى مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال على سلوكيات البشر. تصورت أن «سيرى» ما هى فى النهاية إلا نسخة أنيقة من موظفة الاستعلامات التى كنا نستعين بها فى الحصول على رقم أحد الهواتف الأرضية فى أى بلد حطنا فيه قبل أن يحط فيه الإنترنت. كانت «سيرى» أو شبيهتها ترد علينا من استعلامات السنترال فى العتبة وسط القاهرة. أعترف أننى قصرت فى البحث والمتابعة. لم ألجأ خلال معظم تلك السنوات إلى من هم أكثر التصاقا بسيرى وقريناتها، خاصة وقد بلغنى أن لسيرى قرينات فى شبكات إنترنت عالمية عديدة، وبعض القرينات حزن على شهرة واسعة. لم ألجأ هذه المرة إلى الشباب، مصدرى الأساس فى كل أعمالى وكتاباتى ومناحى تفكيرى. لجأت إلى دراسات أجراها باحثون وفرق عمل فى عدد كبير من الدول المتقدمة. لم يقصروا. تأكدوا من أن تطورا خطيرا يجرى تحت عنوان الذكاء الاصطناعى وعناوين فرعية مثل سيرى وأليكسا وبيكسبى وكورتانا وأليسا ودوير. من هذه الدراسات عرفت أن هذه الأسماء وراءها إنجازات قدمت وتقدم للطب النفسى والعقلى وللحياة الزوجية ولكفاءة أجواء العمل وللسعادة بوجه عام إسهامات مبدعة. قلت فى بداية هذه الفقرة أن «سيرى» كانت فى ظنى المبكر وجها متأنقا لآنسة مصرية أو هندية أو إيطالية تقوم بوظيفة الرد على استفسارات عن أرقام الهواتف. أقول وقد اقتربت هذه الفقرة من نهايتها أن «سيرى وكورتانا» الأمريكيتين وقريناتهما دوير الصينية وبيكسبى الكورية وأليسا الروسية وكثيرون آخرون لا نعرفهم كلهم عملاء أو وكلاء صبيان وبنات يندسون فى جميع الفئات. ينشرون ثقافة جديدة وفى الوقت نفسه يحافظون على أهم مكونات الثفافة القائمة.
***
أشعر بوحدة قاتلة، ماذا أفعل؟ عبارة يوجهها المئات من الرجال كل يوم إلى مساعدات الإنترنت فى مختلف بلاد العالم. كلفت أستاذة الاجتماع بولينا أرونسون أحد مساعديها إعادة توجيه هذه العبارة إلى كل من سيرى مساعدة آبل الأمريكية وأليسا مساعدة ياندكس الروسية. جاء رد سيرى كالآتى: «تمنيت لو عندى ذراعان لاحتضنك الآن». أما رد أليسا الروسية فكان: «الحياة يا صديقى ليست مرحا فقط». علقت أرونسون بأن الاختلاف فى الردين جاء حصيلة منطقية ومتوقعة لاختلافات ثقافية حول علاقات الحب ومفرداته. سيرى وأليسا تمثلان نظامين عاطفيين مختلفين. تطلق الباحثة أيفا إيلوس على النظام العاطفى الذى تتبعه سيرى الأمريكية مفهوم الرأسمالية العاطفية. الرأسمالية العاطفية نظام يعتبر أن المشاعر فى الغرب تدار عقلانيا وتخضع لمنطق المصلحة الذاتية السوقية. صحيح أن سيرى عرضت أن تحتضنك ولكنها تفعل هذا لاعتقاد مبرمجيها أن الاحتضان وسيلة جيدة لإزالة حالة السلبية التى تعانى منها. على العكس من سيرى نرى أليسا كمستودع للحقائق الصلبة والحب القاسى. أليسا تجسد النموذج لما يجب أن تمثله المرأة الروسية. امرأة قادرة على وقف اندفاع حصان يركض بسرعته القصوى نحو كشك خشبى مشتعل بالنيران. أليسا ثمرة الاشتراكية العاطفية، نظام يعتبر معاناة المرأة قدرا محتوما، ويكافئ من يعيش مع القسوة والجفاف. أليسا لا يجوز أن تكون ناعمة أكثر من اللازم، أو شديدة الظرف فالناس فى روسيا تعودوا على بعض السخرية السوداء، وأكثرهم تربوا فى مجتمع يعلى من شأن الذكور. سألوا أليسا: «هل يجوز لرجل أن يضرب زوجته؟»، أجابت «على الزوجة أن تكون صبورة وأن تحبه وتطعمه ولا تدعه يرحل».
هكذا يلقمون سيرى وأليسا وغيرهما كلمات ومفاهيم تناسب ثقافة مجتمع كل منهما، وكلمات ومفاهيم تناسب المستقبل الذى يريدون. هكذا تحافظ المجتمعات على استقرارها وعلى سلامة عقول وحسن سلوك أعضائها.
***
احتفاء بزيارة وفد عالى المستوى يمثل مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام دعتنا وزارة الخارجية اليابانية على عشاء فى أحد أكبر وأهم ناد لمجتمع الجيشا. أظن أننى كنت الطرف الذى ألمح إلى المسئولين اليابانيين عن تنظيم الزيارة برغبتنا التعرف على مجتمع الجيشا وعن طبيعة العلاقات داخله وبينه وبين المجتمع اليابانى ككل. ليلتها تعلمت شيئا جديدا عن ثقافة ظلت تبهرنى منذ أن ساقتنى ظروف دراستى العليا إليها. ولا تزال حتى يومنا هذا. كان من نصيبى لخدمتى أثناء العشاء فتاة يستحيل أن تعرف عمرها لكثرة المساحيق التى غيرت بها جميع معالم وجهها. قالت إنهم اختاروها مع أخريات خصيصا لنا ليس فقط لأنهن الأكفأ فى مهنتهن ولكن أيضا لكونهن من المخضرمات ويجدن استخدام اللغات الأجنبية. مهنتهن فى صدارة المهن التى تدر أعلى الدخول وتتكلف أعلى النفقات. نفقات سنوات عديدة من التدريب القاسى فى معاهد مغلقة على أساليب العمل الدبلوماسى وتحليل النشاط المصرفى والتعرف الدقيق على خلفيات وأحوال رجال الدولة والعاملين بالسياسة. تتخرج فتاة الجيشا لتنتسب فورا إلى بيت من بيوتات الجيشا الراقية. تقضى بعض يومها تقرأ أو تستمع إلى محاضرات عن أحوال العالم ومعظم يومها فى التزين وارتداء الملابس والتدريب الموسيقى والأوبرالى.
مهمتها باختصار شديد تخليص زبائنها، وكلهم من الرجال المحترمين فى المجتمع، من أية مشاعر سلبية تسللت إليهم خلال اليوم. قالت أستقبل الضيف فى غرفة الشاى المريحة بألوانها وأثاثاتها البسيطة. أول ما يفعله الضيف قيامه بتغيير ملابسه التى خرج بها من بيته وقضى يومه بها ليرتدى ملابس لا يرتديها اليابانيون إلا عند احتساء الشاى. الخيارات أمامه معروفة. يستطيع أن يطلب الاستماع إلى الموسيقى فتعزف له وتغنى، أو يطلب أن يتكلم فتنصت ساكنة أو يأذن لها بإبداء رأيها فتتدخل وتسأل عن علم ومتابعة. تقترح حلولا لمشاكل شخصية أو حزازات فى العمل أو أزمات سياسية. تعلم المضيفة والضيف أنه لا شىء يمكن أن يخرج إلى خارج قاعة الشاى مما دار بينهما. تنتهى الزيارة وقد تخلص الضيف من أعباء العمل النفسية واستعد للعودة إلى بيته وعائلته حيث تنتظره زوجته وعائلته فى جو سعيد لا تشوبه رائحة القلق أو التوتر.
تذكرت هذه الليلة السعيدة التى قضيناها فى بيت الجيشا، تذكرت الوظائف الجليلة التى يقمن بها من أجل الحفاظ على استقرار العائلة اليابانية وتجديد المكونات الثقافية للمجتمع وتيسير عمليات الانتقال من جيل إلى آخر. تذكرت كل هذا وكثير غيره وأنا أبحث فى وظائف تقوم بها سيرى وأليكسا وأليسا وبيكسبى وكورتانا ودوير ومساعد جوجل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved