الأجدى أمنيًّا: هراوة وصفارة أم آلة تصوير؟

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 17 أغسطس 2011 - 10:22 ص بتوقيت القاهرة

تشير إحصاءات غير رسمية إلى أنه يوجد فى المملكة المتحدة ما يزيد على أربعة ملايين آلة تصوير منصوبة فى شوارع المدن بعضها مكشوف للعيان وأكثره مخبأ.

وبحسابات بسيطة يتضح أن هذه الكاميرات تلتقط فى المتوسط اليومى ما لا يقل عن 300 صورة لكل مواطن عادى. يخرج المواطن من بيته إلى الطريق المعتادة فى اتجاه محطة القطارات أو موقف الحافلات، يمشى ياردات كثيرة أو قليلة قبل أن يستقل القطار أو الحافلة ثم ياردات أخرى بعد ترجله حتى يصل إلى المبنى الذى يعمل فيه ويدخله ليمر فى ردهة ويستقل المصعد أو يصعد الدرج ويصل إلى الطابق الذى يوجد فيه مكتبه فيعبر فى ردهة أخرى قبل أن ينتهى مشواره فى مكتب السكرتيرة. أول ما يفعله هو وقوفه أمام المرآة وإلقاؤه نظرة سريعة على هيئته وملابسه ليرى كيف سيبدو للكاميرا المثبتة فى غرفة مكتبه فى مكان لا يعرفه ولم يفكر يوما فى البحث عنه.

●●●

يحكى أنه قبل ثلاثة أعوام استقال دافيد دافيز وزير الداخلية فى حكومة الظل البريطانية. يومها وقف أمام مبنى وسيتمنستر فى وسط لندن ليعلن أمام صحفيين احتجاجه على التآكل المتزايد فى الحريات الشخصية فى المملكة المتحدة. علق محللون على هذه الاستقالة بأن الرجل استاء جدا عندما أبلغوه بأنه سيكون مسئولا عن متابعة أشرطة 1800 كاميرا فى محطات السكة الحديدية و6000 آلة تصوير فى محطات المترو وعربات القطارات. أبلغوه كذلك أنه يعمل تحت إمرته 20٪ من مجموع عدد آلات التصوير المزودة بها جميع مدن العالم. تبدو غير دقيقة هذه الإحصائيات وغيرها عن عدد آلات التصوير المكلفة بتصوير المواطنين فى حياتهم العادية.

إذ إنه حين يتردد أن المملكة المتحدة وحدها بها نحو أربعة إلى خمسة ملايين آلة تصوير منصوبة على النواصى ومفارق الطرق الرئيسية والمرافق العامة، تذيع حكومة الصين أن مدينة شونجكينج وحدها مزودة بأكثر من نصف مليون آلة تصوير مع أن مساحة هذه المدينة لا تزيد على ألف كيلومتر مربع أى أكبر من مساحة مدينة نيويورك التى يبلغ عدد الكاميرات فيها 8000 فقط.

وقد نشرت وكالة الأنباء الصينية الرسمية مؤخرا خبرا عن أن العاصمة بكين تحوز على 280.000 آلة تصوير بينما لا يزيد عدد الكاميرات فى مدينة شيكاغو الأمريكية على 10.000.

●●●

أجريت فى الشهور الأخيرة دراسات للتحقق من مزاعم الحكومات عن أهمية هذه الكاميرات للحد من الجرائم والمحافظة على الأمن. أكدت دراسة من هذه الدراسات أنه فى معظم المدن البريطانية المزودة بأعداد كبيرة من الكاميرات لم ينخفض معدل الجريمة على امتداد السنوات الأخيرة.

ومن موقعنا هنا نستطيع أن نثمن على هذه الدراسة بكل ثقة ونحن نرى أن هذه الكاميرات فشلت فى حماية لندن وغيرها من المدن الكبرى فى إنجلترا من حوادث التخريب والسرقة خلال الفوضى التى نشبت مؤخرا. نعرف أنها نشبت لأسباب كثيرة من بينها إجراءات التقشف وغياب الشرطة من الشوارع. تهمنا كثيرا فى مصر بالذات هذه الأخيرة لأنه حين يتعود رجل الشرطة على الجلوس وراء مكتب وتكون مهمته مراقبة المواطنين من خلال الكاميرات المنصوبة على جدران النواصى وأركان غرف النوم وقاعات الاجتماعات فإنه يكون قد فقد هيبته التى كانت أهم أرصدة رجل الشرطة منذ أن كان يتجول فى شوارع لندن والقاهرة مزودا بهراوته وصفارته وصوته الجهورى.

●●●

سنحصل على بعض حرياتنا السياسية ولو كره الكارهون ولكن سنفقد بعض حرياتنا الشخصية. إنها ضريبة التقدم تنبأ بها شارلى شابلن فى رائعته الصامتة «الأزمنة الحديثة» التى أنتجها فى عقد الثلاثينيات من القرن الماضى. أنصح شباب هذا الجيل بمشاهدة هذا الفيلم ليتعرفوا على كيف كانت تبدو «الرأسمالية الديمقراطية» فى إحدى أبشع صورها لثوار تلك الأيام.. وليقارنوا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved