العرب من حلم دولة واحدة إلى كابوس «دولة داعش»

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 17 سبتمبر 2014 - 8:15 ص بتوقيت القاهرة

فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى كان الحلم العربى الذى فرض نفسه على العمل السياسى: الوحدة العربية.

كان الحلم قد دغدغ مخيلات النخب العربية مع تهاوى الإمبراطورية العثمانية أمام «حركة الإصلاح» التى ألغت الخلافة وأعادت بعث تركيا التى أرجعتها الحرب العالمية الأولى دولة ضعيفة وقد خسرت «ممتلكاتها» جميعا سواء فى المحيط العربى أو فى بعض أنحاء أوروبا. وأمكن لأتاتورك أن يفيد من التناقضات فى المصالح بين الدول المنتصرة فيعيد بناء الدولة التركية متخففا من أعباء الإمبراطورية، مركزا على «تركية» الدولة، مبتدعا لغة مهجنة هى خليط من لغات عدة تعتمد الحرف اللاتينى بدلا من الحرف العربى، مجاهرا بهجرة الشرق ملتحقا بالغرب.

فأما المشروع الوحدوى العربى فقد تم ابتداعه ورعايته من طرف بريطانيا بعدما اختارت شخصية الشريف حسين بن على، ملك الحجاز، الذى يعود بنسبه الهاشمى إلى سلالة النبى محمد، ليكون قائد المسيرة التى غطت التنفيذ العملى لمعاهدة سايكس ــ بيكو التى قسمت المشرق العربى (فلسطين وسوريا والعراق ولبنان). تم اقتطاع الأردن ليكون إمارة هاشمية للنجل الأكبر للشريف حسين، عبدالله. ولما حاول النجل الثانى فيصل أن يستقل بملك سوريا تم خلعه فتلقفه البريطانيون من الفرنسيين، ونصبوه ملكا على العراق.

على أن هذه «الدول» فى المشرق ظلت تستشعر دائما ضعف التكوين داخل «الحدود» التى قسمت العشيرة الواحدة أو حتى العائلة الواحدة بين دولتين أو أكثر.. (فى سوريا مثلا، عشائر عربية تمتد عابرة الحدود إلى العراق وصولا إلى السعودية، وربما كان لها جذور فى اليمن، فضلا عن بعض أنحاء الخليج).

•••

ربما بدافع من هذا الشعور أو ربما بغرض استغلاله طرح البريطانيون مشروع الهلال الخصيب لتوحيد سوريا والأردن والعراق.. ثم سرعان ما أدرك المعنيون أنه يستهدف التغطية على المشروع الفعلى الذى ترعاه بريطانيا والمتمثل بتحقيق «وعد بلفور» الذى أعطاه وزير خارجية بريطانيا (فى 2/11/1917) للحركة الصهيونية العالمية بتمكينها من بناء دولة إسرائيل كوطن قومى لليهود فوق الأرض الفلسطينية وعلى حساب أهلها العرب.

بدلا من الوحدة جاءت الهزيمة العربية فى مواجهة المشروع الإسرائيلى فوق أرض فلسطين، وكانت «النكبة» التى ستحتل الوجدان العربى وستفعل فعلها فى السياسات.. بل هى ستكون السبب أو الذريعة المباشرة لانقلابات عسكرية كان أولها فى سوريا فى بداية العام 1949 وبعد شهور من «النكبة».

مع ثورة مصر بقيادة جمال عبدالناصر فى 23 يوليو 1952 تبدى أن الهزيمة فى فلسطين تسكن الوجدان المصرى، فقائدها وبعض رفاقه ممن واجهوا بغير استعداد عدوا قويا بسلاحه كما بالدعم الدولى المفتوح على ارض فلسطين فكان طبيعيا أن يهزمهم ويستولى على معظم فلسطين ويطرد شعبها منها ليتحول إلى لاجئين فى مخيمات تم توزيعها بين الأردن وسوريا ولبنان والعراق مع احتشاد أعداد ملفتة منهم فى قطاع غزة الذى وضع تحت الحماية المصرية.

واجهت ثورة مصر الغرب بقيادة بريطانيا، ولم تكد تفرغ من معركة الجلاء وتحاول التقدم على طريق بناء الدولة الحديثة حتى دهمها العدوان الثلاثى الذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لضرب مصر الثورة التحررية فيها.

كان طبيعيا أن يتضامن العرب فى مختلف أقطارهم مع مصر، وخرجت الشعوب العربية إلى الشارع مساندة ومعلنة استعدادها للقتال ضد المعتدين، ونسفت أنابيب شركة نفط العراق البريطانية فى سوريا، واستعرت مشاعر البغضاء ضد «الاستعمار القديم».

هكذا ارتفعت الأصوات بطلب الوحدة، وكان أعلاها فى سوريا التى غادرها الاستقرار، وتوالت الانقلابات العسكرية مستنزفة قدرات البلاد وجيشها. ولقد ذهب قادة سوريا مدنيين وعسكريين إلى القاهرة يطلبون من عبدالناصر أن ينقذ سوريا بتوحيدها مع مصر. وتم إعلان الوحدة فى 22 فبراير 1958، وقامت الجمهورية العربية المتحدة التى لم تعمر إلا ثلاث سنوات ونصف السنة، وهدمها ضباط انفصاليون فى الجيش السورى، فى ظل عدم استعداد مصرى لقتال السوريين دفاعا عن دولة لا يحميها إلا الإجماع.

•••

ولعل بين ما سرع فى انهيار دولة الوحدة أن الثورة التى أسقطت الحكم الملكى (الهاشمى) فى بغداد لم تلبث أن انتهجت سياسة مغايرة فتصادمت مع جمال عبدالناصر ودولة الوحدة، وكان للشيوعيين وقوى سياسية أخرى دور المحرض على المواجهة.

فى سبتمبر 1962 اكتمل انتصار ثورة الجزائر بقيام دولتها المستقلة.. وكان ذلك نصرا تاريخيا لشعب الجزائر ولحركة التحرر العربية ولمصر عبدالناصر التى ساندت تلك الثورة بالسلاح والدعم السياسى.

وفى سبتمبر 1962 أيضا قامت ثورة فى اليمن فخلعت الحكم الإمامى لأسرة حميد الدين والتفتت إلى القاهرة تطلب دعم جمال عبدالناصر واحتضان مصر للخروج من القرون الوسطى ودخول العصر.

كل ذلك من الماضى الذى طويت صفحاته المشرقة بهزيمة 1967، ثم جاءت نقطة النهاية مع رحيل جمال عبدالناصر فى أواخر سبتمبر 1970.

بدأ تاريخ جديد للمنطقة مع أنور السادات والنهاية المفجعة لحرب 1973، فمع وقف إطلاق النار بدأت مسيرة الصلح مع العدو الإسرائيلى بمحطاتها الكارثية: «الزيارة»، ثم «التفاوض» المنفصل عن الشريك فى الحرب(سوريا) وصولا إلى معاهدة كامب ديفيد التى أخرجت مصر كليا من دورها القيادى التاريخى عربيا، وزكت فيها الميل إلى العزلة بعيدا عن سائر العرب، فى المشرق أساسا، ثم فى المغرب انطلاقا من ليبيا إلى ما بعدها، وكذلك الخروج من ساحة أفريقيا، ملتفتة إلى الغرب بالقيادة الأمريكية التى تعهدت لها بالكثير ثم لم تلتزم إلا بأقل القليل.

•••

فى هذه الأجواء، انصرف كل نظام عربى إلى حماية ذاته، مستفيدا من خروج مصر لتعزيز دوره الإقليمى. وبينما اندفع صدام حسين إلى الحرب ضد الثورة الإسلامية التى تفجرت فى إيران بقيادة الإمام الخمينى فى أوائل سنة 1979، فقد انحازت سوريا حافظ الأسد إلى إيران، بينما كانت السعودية وأقطار الخليج تعيش خوفا مرعبا من تداعيات هذه الثورة دفعها إلى المساهمة فى تمويل حرب صدام التى امتدت لسبع سنوات طويلة وثقيلة الوطأة بأكلافها البشرية والمادية. وحين انتهت بانتصار لا يمكن صرفه لصدام حسين الذى كانت الحرب قد أنهكته التفت يطلب التعويض من «شركائه» بل «محرضيه» من قادة الخليج ففوجئ بهم يتملصون من مسؤولياتهم عن «حربه» ويصدونه.. فكان أن رد بغزو الكويت، وكان أن جمع الأمريكيون اتحادا دوليا بتمويل عربى وبمشاركة عسكرية عربية لإخراجه من الكويت... ثم تركوه (والعراق) ينزف حتى أوائل شهر مارس 2003 حين هاجموا العراق فاحتلوا بغداد، وتركوا صدام يساق إلى منصة الإعدام بأيدى بعض ضحاياه من الشيعة، كجزء من مخطط لتفجير الفتنة بين السنة والشيعة، ستمتد نيرانها إلى كل المشرق العربى الذى نشهده اليوم يتصدع منهارا أمام هجمات جحافل «داعش»، التى تمت تربيتها وإعدادها لتكون «الوريث الشرعى» لأنظمة الحكم المدنى فى مختلف أرجاء المنطقة العربية (والعالم الإسلامى حيث يمكنها الوصول).

•••

ليس القصد من هذه الاستعادة لمرحلة من التاريخ العربى الحديث إدانة أى طرف أو تبرئة أية قيادة، لكنها محاولة للتذكير بالبدايات التاريخية للنفخ بنار الفتنة بين المسلمين فى العراق ومن حوله(والحرب على إيران أساسا) وفى سوريا مع التركيز على طائفية الحكم فيها، وتأثير الحركات الأصولية، والسعودية أحد منابعها الأساسية بالحركة الوهابية التى تعد أحد منابع الفكر السلفى الذى يقوم على تكفير كل من يخالفه القول والنهج السياسى.

لم تولد «داعش» من فراغ بل أن لهذا التنظيم الإرهابى العديد من الآباء والرعاة. لقد شارك كثيرون فى استيلاد هذا الوحش الذى يرعب القادة جميعا الآن، ملوكا وأمراء ورؤساء، ويهدد دولا بالتقسيم أو الانفراط.

لقد تهاوت حدود «الدول» وكأنها من كرتون.. وأصاب الرعب ملوكا ورؤساء دول وحكومات وأمراء استولدهم النفط مع دولهم.

•••

الكل فى حالة ذعر، لأن «داعش» قد كشف غربة الأنظمة الحاكمة عن شعوبها. ولأن «داعش» قد كشف أن فى البلاد العربية أنظمة تتبدى قوية على شعوبها ولكن دولها ضعيفة إلى حد أنها ترتجف وتكاد تسقط أمام هجوم مدروس ومخطط لعصابات مسلحة بالشعار الإسلامى وبعض السلاح المنهوب من ثكنات الجيوش أو ما وفرته دول أجنبية ذات مصلحة فى نشر الفوضى لإقامة «الشرق الأوسط الجديد» تحت القيادة الإسرائيلية باعتبار أن إسرائيل هى «الدولة» الوحيدة فى المنطقة.

.. ولعل الحرب الإسرائيلى على غزة فلسطين، وسط الضياع فى مواجهة جحافل «داعش» يؤكد أن فلسطين لم تعد موضع اهتمام النظام العربى عموما، وقد تركها لإسرائيل تحت الرعاية الأمريكية.

الكل فى حالة ذعر، فى المشرق والمغرب، حتى لا ننسى ليبيا وتأثيرات الفوضى المسلحة التى تلتهمها على جيرانها (تونس والجزار وصولا إلى المغرب).. وكذلك اجتياحات «داعش» أو تنظيمات مشابهة بعض الدول الأفريقية (نيجيريا ومالى و..)، والكل يتوجه إلى «الاستعمار الجديد»، طالبا منه بلهجة تدانى التوسل أن يتدخل بجيوشه وأن يأتى محتلا فيأبى تدللا وغناجا واستغلالا للحاجة إليه، ويفرض شروطا تلغى سيادة الدول وتشطب بعض رؤسائها والقيادات. هو يحكم من فوق رءوسهم جميعا.

وهو من سيحدد، غدا، حدود دولهم ما بعد «تحريرها» من «داعش».

ما أهون معاهدة سايكس ــ بيكو لتقسيم المنطقة أمام المشروع الأمريكى الجديد الذى لن يُبقى فى المنطقة إلا دولة واحدة (حاكمة) هى إسرائيل، أما الدول التى كانت فستكون «للنظر» مستقبلا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved