الخليج العربى مستفيدًا من ثورات الربيع

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الإثنين 17 أكتوبر 2011 - 9:20 ص بتوقيت القاهرة

من المستفيد من «الربيع العربى»؟ كان الظن أن أحدا لم يستفد بعد فائدة كبيرة ومحققة. أعتقد أن المصريين والليبيين والتونسيين واليمنيين لا ينعمون حتى الآن بالحرية والعدالة الاجتماعية واحترام الحقوق واستعادة الكبرياء، وكلها كانت أهدافا لثوراتهم.كنت، حتى أسبوع مضى، مقتنعا بأن المنطقة العربية بأسرها خسرت أموالا طائلة وأن اقتصادات جميع الدول العربية تعرضت لنقص فى الموارد بسبب هذه الثورات. أقول حتى أسبوع مضى لأننى اطلعت بعده على تقرير أعده مكتب استشارى يدعى جيوبوليستى وله مراكز فى دولة الإمارات العربية المتحدة وأيرلندا والولايات المتحدة ويقيم علاقة قوية بالأمانة العامة للأمم المتحدة.

 

لفت نظرى فى التقرير إحصاءات توضح أنه بينما تعرضت كل الدول التى وقعت فيها ثورات لخسائر اقتصادية فقد حققت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجى زيادات كبيرة فى الدخل خلال الفترة نفسها، أى خلال الشهور التسعة الماضية. ويبدو أن هذه الملاحظة لفتت أنظار أوساط إعلامية فأبرزتها فى نشراتها الإخبارية وتعليقاتها السياسية والاقتصادية حين بدأ النشر العلنى أو على نطاق واسع يوم الجمعة 14 أكتوبر الجارى. يقول التقرير إن الخسارة فى القطاعات الإنتاجية بالدول التى شهدت اضطرابات بلغت 20.56 مليار دولار وبلغت الخسائر فى قطاعات المال العام 35.28 مليار دولارخلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2011 أى ما مجموعه 55.84 مليار دولار. مثلا بلغت خسائر سوريا وهى الأعلى 27.3 وخسائر ليبيا 14.2وخسائر مصر 9.79. هذا الجانب من القصة لا يخفى حقيقة لا تقل أهمية وهى أن الدول المنتجة للنفط وبخاصة دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت حققت زيادة فى الدخل بلغت بالنسبة للإمارات 62.8 مليار دولار وبالنسبة للسعودية خمسة مليارات والكويت مليارا واحدا. وبالحساب البسيط يتضح أن العالم العربى فى مجمله حقق زيادة صافية فى الدخل خلال شهور الربيع العربى التسع ما جملته 38.9 مليار دولار. مرة أخرى وفى أقل من أربعين عاما تنتعش اقتصادات دول عربية كنتيجة مباشرة لأحداث عظام وخسائر باهظة فى الأرواح والثروة الوطنية فى دول أخرى شقيقة.

 

التقرير لم يتوقف عند هذه الاحصائية وغيرها وجميعها معتمد على إحصاءات المؤسسات الدولية وبخاصة صندوق النقد الدولى. إذ يعلن المؤلفون أن التقرير يصدر بهدف «رسم خارطة طريق للأمة العربية». خارطة تقوم بتنفيذها ثلاث جهات رئيسية هى جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبى ومجلس التعاون الخليجى. ويقع التقرير فى حوالى ستين صفحة بخلاف ملاحق عديدة تفصيلية.

 

●●●

 

لا أشك فى أن قراءة متأنية للتقرير سوف تثير أسئلة لا توجد عليها إجابات سريعة، أسئلة من نوع متى وكيف ومن وراء إعداد هذا التقرير، وأعترف من جانبى أنه تقرير «ثمين جدا» وأسئلة أخرى من نوع ما هى الجهة التى مولت هذا المجهود الضخم. لن أسأل أسئلة تثير الريبة أو عدم الاطمئنان حول الهدف المعلن من إصدار التقرير ولكنى أطلب أن يقرأه المسئولون فى الدول المعنية وفى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية والمحللون والخبراء بإمعان، فالتقرير يحتوى على أمور وقضايا لم تطرح على هذا النحو من قبل فضلا عن أنه يغطى جميع الدول العربية ولا يضم كعادة التقارير المماثلة التى ظهرت بعد توقيع اتفاق الصلح المصرى الإسرائيلى دولا إقليمية كإسرائيل. ومع ذلك يبدو واضحا فى صياغة التقرير أن السلام بين العرب وإسرائيل هو أحد مسلماته وربما أهدافه خاصة أن واحدا أو أكثر من المشاركين فى الإعداد يحملون أسماء «إسرائيلية».

 

نويت تحليل التقرير تفصيليا بعد أن تكتمل عندى إجابات معينة ومعلومات أوفر، ولم يدفعنى إلى الإشارة إليه اليوم سوى الإعلان عن الدعوة الصادرة من دول مجلس التعاون الخليجى لعقد مجلس وزراء خارجية للدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية لمناقشة مشروع قرار يعلن ردا عربيا مناسبا على إصرار النظام الحاكم فى سوريا وقواته المسلحة على التعامل بوحشية مع المدنيين السوريين.

 

●●●

 

فجأة عادت الأسئلة التى أثارتها قراءتى الأولية والسريعة للتقرير تتناثر وتتنافر أمامى. التقرير صاحب الضجة الإعلامية يقرر أن دول مجلس التعاون الخليجى هى دون غيرها خرجت مستفيدة من ثورات الربيع العربى. وها نحن نراها الآن تقود عملية مواجهة حاسمة ضد النظام الحاكم بسوريا الذى يحاول إسكات ثورة من هذه الثورات. كيف يكون فى مصلحتها دعم ثورة مجرد وجودها يثير قلاقل ويهدد الاستقرار فى مواقع حساسة أخرى. أيهما: الثورة أم النظام الحاكم فى سوريا صار وجوده يهدد الاستقرار «الخليجى»؟.

 

سؤال مهم لأنه يقودنا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية. لماذا تبدو دول الخليج هكذا مطمئنة وواثقة ومتفائلة على عكس ما بدت عليه قبل تسعة شهور؟ ما هو الدور أو الأدوار التى مارستها هذه الدول مع ثورات الربيع والتجارب التى دخلتها حتى تصبح على هذه الدرجة الفائقة من الثقة بالنفس؟ هل تسعى مع ثورة سوريا لدور كدورها فى ليبيا عندما تدخلت فى مسارها وتولت أو شاركت فى قيادة التوجيه؟.

 

يوجد بين المحللين وبعض المسئولين فى دول الخليج كثيرون مقتنعون بأن الثورة المصرية حققت هدفها وتوقفت يوم وافق الرئيس السابق مبارك على تنحيه عن السلطة وبعدها تراجعت بفضل تدخلات خليجية كما يقول هؤلاء بدأت الثورة تتهاوى قبل ان تتراجع. منتهى أمل الثورة وثوارها كان، حسب رأى سائد فى أوساط الحكم، إسقاط رجل والإبقاء على نظامه بعد تزويقه بسلسلة من الانتخابات والسماح بقيام عشرات الأحزاب وأشباهها وحشد المئات من نجوم الكلام باعتبار أن برامجهم حلت محل الكثير من برامج الترفيه والتسلية التى نبغ فى إنتاجها إعلام الرئيس السابق.

 

مؤشرات عديدة فى مواقع مختلفة فى العالم العربى تشير إلى أنه بالرغم من الثورة المستمرة فى البحرين والاحتجاجات الاجتماعية والسياسية وحالات التوتر والغضب المتناثرة بازدياد فى أنحاء شتى من الجزيرة العربية تبدو محصلة العمل الخليجى فى التصدى للثورات العربية إيجابية. فبفضل الدور الخليجى تحقق أمن نسبى للنظام الحاكم فى الأردن واستقرار مؤقت فى المملكة المغربية. وتحرك جنود من المجلس مرة فى اتجاه ليبيا ومرة فى اتجاه البحرين، وجارى استنزاف ثوار اليمن وإجبارهم على الانصياع لنصائح مجلس التعاون. ولا يخفى أن للخليجيين مساهمة فى جهود وخطط رسم مستقبل ليبيا لا ينكرها مسئولون ليبيون.

 

●●●

 

أخشى أن يكون فى ذهن العرب والأجانب الذين يتصدون للنظام الحاكم فى سوريا الربط بين الأزمة السورية ونقاط تفجر إقليمية ودولية بهدف إحكام الحصار على سوريا، أخشى أن يكون فى ذهن بعضهم إثارة صراعات طائفية داخل سوريا أو عن طريق إدخال إيران ولبنان ومكوناتهما الداخلية أطرافا، وإثارة صراعات إقليمية عن طريق إدخال الأكراد والأتراك والأقباط والنوبيين، وإقناع المصريين بأن إيران خطر شيعى عليهم وبالتالى يتعين عليه التفرغ لصد هذا الخطر وعدم الالتفات إلى حريتهم وحقوقهم الاجتماعية وبقية مبادئ ثورتهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved