قانون الاستثمار.. تانى؟

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين

آخر تحديث: الإثنين 17 أكتوبر 2016 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

أتصور أن كثيرين قد ضجوا من الحديث عن قانون الاستثمار، وأن آخرين قد يستنكرون الخوض فى هذا الموضوع الفنى والفرعى، بينما الوطن يئن من مصابه الأليم فى سيناء ومن سقوط جنوده البواسل فداء للوطن وأمنه وشعبه. ولكن من الوفاء للشهداء الذين قدموا أغلى ما عندهم فى سبيل الواجب أن تكون تضحياتهم محل إجماع وتقدير وتبجيل من كل الشعب المصرى، وكذلك أن يقوم كل منا بواجبه أيا كان موقعه وأن يقدم ما يملكه بصدق وإخلاص وحرص على الصالح العام.

وفى هذا الإطار فلا يسعنى سوى التعليق على موضوع ليس فنيا ولا فرعيا كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل يتعلق مباشرة بالأزمة الاقتصادية التى يعانى منها كل الناس، وهو موضوع الاستثمار، خاصة مع حديث الحكومة عن تعديل القانون الخاص به مرة أخرى.

عامان ونحن نتحدث عن ضرورة تعديل القانون، ثم التعديلات التى طرأت عليه، ثم العيوب التى ظهرت بعد التعديل، ثم الحاجة لتعديله مرة أخرى. شخصيا فقد كتبت خلال العام والنصف الماضيين وعلى صفحات هذه الجريدة عدة مرات، محذرا من أن التعديل الأخير لقانون الاستثمار والصادر عشية مؤتمر شرم الشيخ فى مارس 2015 لن يحقق أيا من النتائج التى وعد بها، بل سوف ينتقص من مصداقية البلد، ويبدد فرصة استغلال حماس المستثمرين الحاضرين من كل أنحاء العالم، ويعيدنا إلى الوراء. ولم أكن وحدى فى هذا الموقع، بل كتب آخرون كثيرون من القانونيين والاقتصاديين والمستثمرين يحذرون من إصرار الدولة على إصدار هذا القانون المعيب ولكن لم تجد هذه النصائح آذانا صاغية.

وما كنت أحب أن أعود إلى الموضوع مرة أخرى، لولا أن الدولة تصر على تكرار ذات الخطأ متوقعة أن يفضى هذه المرة إلى نتائج مختلفة.

من الممكن تعديل القانون، وقد تكون افضل وسيلة لذلك هى إلغاء تعديل عام ٢٠١٥ والعودة للقانون السابق لأنه كان افضل كثيرا. ولكن الواقع ان المشكلة لم تعد فى نصوص هذا القانون أو ذاك، فقد تجاوزنا هذه المرحلة وصار علينا مواجهة الأزمة الراهنة بمنطق مختلف عما كان سائدا من عشرات السنين وإلا بقينا ندور فى ذات الدائرة المفرغة.

منذ مطلع السبعينيات ــ تحديدا من عام 1971 ــ بدأت مصر فى انتهاج سياسة استثمارية تعتمد على إصدار تشريعات متعاقبة تهدف إلى إيجاد «مسار خاص» للمستثمرين العرب والأجانب أولا ثم المصريين بعد ذلك. وقد تمثل هذا المسار الخاص فى فتح الطريق للمستثمرين فى المجالات التى تختارها الدولة عن طريق تقديم مزايا خاصة وإعفاءات وضمانات تجنبهم مشاق ومخاطر التعامل مع الجهاز الإدارى للدولة والالتزام بأحكام القوانين والنظم التقليدية. وكانت هذه الفلسفة آنذاك متفقة مع الاتجاه السائد فى العالم بشأن جذب الاستثمار. ولكن بعد عشرات السنين تغير المنطق وتغير العالم وتعلم من تجاربه، ولم يعد المستثمرون يبحثون عن مسار خاص وعن بعض المزايا والحوافز المتناثرة، بل عن مناخ استثمارى شامل يتضمن قوانين تجارية حديثة، وآليات تمويل منتظمة، ونظاما بسيطا لتخصيص الأراضى، ومعلومات كافية عن السياسات الحكومية، ومناخا تنافسيا متوازنا، وقانونا وعلاقات عمل سليمة، ونظاما ضريبيا عادلا وشفافا، ومحاكم قادرة على حسم المنازعات بسرعة وعدالة، وسياسة نقدية مستقرة، وبنية تحتية مواتية، وقوة عمل متعلمة ومدربة وكفؤة، ومناخا سياسيا يشجع التعددية والحرية والابتكار.
وهكذا تراجعت البلدان الرائدة فى مجال جذب وتشجيع الاستثمار عن الاعتماد على تشريع واحد يقدم للمستثمرين طريقا ممهدا فى غابة التشريعات والإجراءات والقيود التى تعيق النشاط الاقتصادى لأن هذا «المسار الخاص» لم يعد مقنعا ولا كافيا، واتجهت إلى التعامل مع أصل المشاكل والى إصلاح التشريعات والنظم الاساسية المعرقلة للنشاط الاقتصادى عموما.

من هنا تحفظى البالغ على العودة إلى التفكير بأن قانونا جديدا للاستثمار فى مصر يمكن أن يقدم للمستثمرين العصا السحرية التى تمكنهم من اختراق النظم المقيدة والتشريعات المتضاربة، لأن الأفضل والأجدى هو التصدى لإصلاح هذه النظم وتجديد هذه التشريعات من أصلها بما يشجع كل أنواع الاستثمار، الصغير والكبير، الوطنى والأجنبى، دون حاجة للاحتماء بتشريع خاص واستثنائى.

ويرتبط بذلك ما يتردد فى الإعلام من أن الحكومة تفكر أيضا فى العودة لتقرير إعفاءات ضريبية وجمركية للمستثمرين فى مجالات معينة كما كان الحال منذ عام 1971 وحتى عام 2005 حينما صدر قانون جديد للضريبة على الدخل وألغى جميع الإعفاءات الضريبية. وفى تقديرى أن الرجوع لمنطق الإعفاء الضريبى سوف يكون ردة كبيرة لأن هذه الإعفاءات تضيع على الخزانة العامة موارد يحتاجها البلد، وتشجع التلاعب والفساد، وتنحاز لكبار المستثمرين أكثر من صغارهم. والأجدى من ذلك بكثير هو تطوير الإدارة الضريبية الحالية، وغلق منافذ التهرب الضريبى والجمركى، ومراجعة توزيع الأعباء الضريبية فى المجتمع. وأتمنى أن يحرص مجلس النواب، حينما تقدم إليه تشريعات استثمارية جديدة، على عدم قبول الرجوع لتلك الإعفاءات مرة اخرى بعد ان بذلنا جهدا هائلا فى التخلص منها.

أعلم أن المنطق الدافع وراء الرجوع إلى التفكير فى تعديل قانون الاستثمار مرة أخرى هو الحاجة لجذب مستثمرين بسرعة والاعتقاد بأن الإصلاح الشامل لمناخ الاستثمار طريق طويل ولا يناسب الظروف الراهنة. ولكن أسوأ ما يمكن القيام به الآن هو الارتكان إلى منطق الاستعجال لكى نؤجل مرة أخرى الإصلاحات الحقيقية والضرورية، ونعتمد من جديد على نظم وقوانين استثنائية لا تحقق المنشود منها وتؤجل الإصلاح الشامل سنوات أخرى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved