أخيرًا ترجل فارس الفساد

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 17 نوفمبر 2011 - 9:45 ص بتوقيت القاهرة

رحل سيلفيو برلسكونى، كبير مهرجى العصر وأكثرهم فسادا. تخلى عن منصبه كرئيس وزراء إيطاليا تاركا وراءه ثقافة سياسية أبدع فى صنعها وروج لها مستخدما إمبراطوريته الإعلامية الهائلة.

 

لم يرحل برلسكونى بثورة أو انتفاضة شعبية، فالآلاف التى اكتظت بها الشوارع الضيقة المحيطة بمبنى الكورينالى، خرجت بعد الإعلان عن أنه وافق على الاستقالة وفى طريقه إلى القصر ليقدمها للرئيس جورجيو نابوليتانو. لم يرحل بانقلاب عسكرى، ولم يرحل برلسكونى لأنه اقتنع فجأة أن سياساته لم تنجح فى إنقاذ الاقتصاد الإيطالى، ولم يرحل لأن الشعب ضغط عليه. لم يرحل برلسكونى لأى من هذه الأسباب، رحل لأن جهات خارجية قررت أنه لم يعد ممكنا استمراره فى منصبه، فالأزمة الاقتصادية فى إيطاليا تتفاقم وتهدد بالعدوى دولا أخرى فى أوروبا، وتهدد بعدم الاستقرار الاقتصاد العالمى. رحل برلسكونى لأن هذه الجهات الخارجية جربت فى اليونان قبل أيام، وبنجاح، أن تنحى جانبا التزامها الديمقراطية وتقيم حكومة غير منتخبة بوزراء من التكنوقراط يرأسهم خبير اقتصادى معروف دوليا.

 

لم يكن الأمر مفاجئا. كان واضحا منذ انعقاد القمة الأوروبية التى عرض عليها برلسكونى خطته للاصلاح الاقتصادى، أن أنجيلا ميركل ونيكولاس ساركوزى قررا التوقف عن إخفاء مشاعرهما الرافضة لبرلسكونى سياسيا وشخصيا. كان واضحا أيضا موقف قادة المصرف المركزى الأوروبى وصندوق النقد الدولى الذين قرروا عدم التقدم بأى خطوة نحو الاصلاح فى إيطاليا، طالما بقى برلسكونى رئيسا للحكومة. وعندما انعقدت قمة العشرين فى منتجع «كان» اتضح أن باراك أوباما يدعم المطالبين بتنحية برلسكونى.

 

هناك فى الريفييرا كان لابد أن يتوافق قادة العالم على أن التمسك بالتقاليد والشروط الديمقراطية لن يفيد فى حل الأزمة فى كل من اليونان وإيطاليا بل سيزيدها تعقيدا. لم تعد أزمة فوائد الديون مثلا تحتمل الانتظار حتى يجرى باباندريو أو برلسكونى مشاوراتهما أو مناوراتهما مع حلفائهما فى البرلمان والأحزاب المعارضة لأخذ موافقة الأغلبية على خطة الإصلاح. كانت لحظة السقوط تقترب وبسرعة. وكان لابد من إجراء حاسم، غير ديمقراطى، لتفادى السقوط أو تأجيله. لذلك توافق صندوق النقد مع البنك المركزى الأوروبى والمفوضية الأوروبية على إعداد سلسلة ضغوط لا تقوى قيادة سياسية فى إيطاليا أو اليونان على مقاومتها. ولم تخف هذه القوى الخارجية أنها مالت فعلا إلى ترشيح باباديموس الخبير الاقتصادى الدولى ونائب محافظ البنك المركزى الأوروبى سابقا لرئاسة مجلس وزراء اليونان، وماريو مونتى المفوض الاوروبى السابق لرئاسة مجلس وزراء إيطاليا. الاثنان كما هو واضح من «تلاميذ» هذه المؤسسات الدولية والمؤمنين برسالتها، وكلاهما مقتنع بأولوية «العولمى على المحلى».

 

عاد برلسكونى من فرنسا إلى روما ومعه خطتان، خطة اقتصادية وافق عليها زعماء قمة العشرين، وبخاصة ألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى الصندوق والبنك، وخطة للالتفاف حول الرغبة الدولية فى الإطاحة به. كان يعرف أن التدخل الدولى فى شئون إيطاليا لن يلقى ترحيبا لدى الشعب الإيطالى، وبالفعل خرج سياسيون إيطاليون يرددون تصريحات ساماراس زعيم المعارضة اليونانية، التى تمنى فيها ألا ينسى الأصدقاء الأوروبيون، ويقصد الألمان والفرنسيين»، أن هناك شيئا اسمه كرامة وطنية». رغم ذلك صوت البرلمان الإيطالى لسحب الثقة من حكومة برلسكونى، وكان لهذا التصويت وقع الصدمة عليه، إذ صرح فى أعقابه لصحيفة «لا ستامبا» معاتبا النواب الذين خرجوا عن اجماع حزبه بالقول كيف صوتوا ضده «بعد كل الخدمات التى قدمتها لهم».

 

 وهاجم بشكل شخصى وحاد إحدى النائبات وهى مذيعة تليفزيونية تعمل فى إحدى القنوات التى يملكها، صوتت ضده، فأطلق عليها أنها تشبهت بيهوذا أحد الحواريين الذى قيل عنه إنه خان المسيح.

 

فى الوقت نفسه راح برلسكونى يعرض على الرئيس نابوليتانو اقتراح إجراء انتخابات جديدة ورشح لقيادة حزبه فيها سكرتير عام الحزب أنجيلينو ألفانو. أى أنه سلك فعلا السلوك الذى توقع القادة الأوروبيون منه أن يسلكه، وهو التمسك بالأشكال، وبالتقاليد الديمقراطية حتى آخر نفس طالما حققت له مصالحه الشخصية ولو على حساب إنقاذ إيطاليا وأوروبا من أزمة تكاد تخنق الجميع.

 

•••

 

ترجل الفارس الذى لم يحظ باحترام أغلب قادة العالم، لم يكن بين هؤلاء معمر القذافى وحسنى مبارك اللذان فضلاه على غيره من قادة أوروبا. تخلى برلسكونى عن منصب رئيس الوزراء بعد أن قضى 17 عاما فى قلب السياسة الإيطالية، حتى تطبعت هذه السياسة بطبعه وطابعه. كتبت الإيكونوميست البريطانية مؤخرا تقول إن برلسكونى لم يكن سوى عرض من أعراض المرض الإيطالى، بمعنى أنه لم يكن سببا فيه، إلا أنها فى سنوات سابقة حملته مسئولية انهيار قادم تنبأت به، ويكاد اليوم يتحقق.

 

دأب برلسكونى على تأكيد اقتناعه بأن الشعب الإيطالى يحبه وهى الصيغة نفسها التى استخدمها القذافى ومبارك فى أواخر أيامهما فى الحكم. اعتقد برلسكونى أن الشعب الإيطالى يحبه لأنه يشبهه. كل منهما، الشعب وبرلسكونى، يحب الفساد وسهر الليالى فى حفلات صاخبة وراقصة. أقام قصورا للهو فى كل مكان فى إيطاليا، وكان يزهو ويفتخر بعلاقاته النسائية ومنها علاقات اشتهرت، كتلك التى كانت بطلتها روبى المحروقى، المهاجرة المغربية التى احترفت الدعارة، وهى فى السابعة عشرة من عمرها، وزعمت فى التحقيق، بإيعاز من مستشارى برلسكونى، بأنه يهتم بها لأنها قريبة الرئيس المصرى حسنى مبارك.

 

•••

 

يشير معلقون فى الغرب إلى أن أخطر ما خلفه برلسكونى هو أنماط السلوكيات السياسية التى مارسها أو شجع عليها. كثير من هذه الأنماط، لو تأملنا فيها قليلا، لوجدناها موجودة بشكل من الأشكال ضمن التراث الأخلاقى الذى خلفه لنا حسنى مبارك. يقولون مثلا إنه كان يقدم هدايا مادية إلى إعلاميين، ويشجعهم على تلقى الرشاوى والهدايا من أثرياء وقادة أجانب. قيل أيضا أنه كان ينتهز الفرص ليصرح لهم بأنه يعرف حجم ثرواتهم ومصادرها ومحتوى المظاريف المغلقة التى كانوا يستلمونها خلال زياراتهم الخارجية فى صحبة الرئيس أو فى غيابه.

 

يضيف السنيور دراجى، المحافظ الجديد للمصرف المركزى الأوروبى إلى قائمة مكونات الثقافة السياسية التى خلفها وراءه، بقوله إنها شملت القضاء والتعليم فقد شن برلسكونى حملة لتشويه سمعة القضاء، وأهمل التعليم الجامعى، ورفض إطلاق المنافسة بين شركات القطاع العام والقطاع الخاص. وفى عهده «ساءت المرافق وبقيت الدخول الحقيقية راكدة وهاجر الشباب المتعلم».

 

مثل هؤلاء الحكام، وهم كثيرون فى عالمنا العربى، وكان منهم القذافى ومبارك، يستمر أذاهم حتى بعد أن يرحلوا. إيطاليا، من الآن فصاعدا، ستدار معظم شئونها الاقتصادية والمالية من بروكسل، حيث المفوضية الأوروبية ومن فرانكفورت، حيث المصرف المركزى الأوروبى، وسوف تراقب أداءها وتنفيذ خطتها للإصلاح لجنة أجنبية مقيمة فى روما، وستدار شئونها السياسية من مجلس وزراء أعضائه غير منتخبين ديمقراطيا. يبقى التحدى الأكبر الذى سيواجهه هذا المجلس الإيطالى واللجنة الأجنبية، وهو تراث الفساد الذى خلفه برلسكونى، شعب أقنعه رئيس وزرائه بألا يدفع الضرائب ولكن عليه أن يدفع الرشاوى ليحصل على حقوقه، وأقنعه بأن يهتم كل فرد فيه بمصالحه الشخصية لأنها، كما أكد برلسكونى، تأتى قبل مصلحة الوطن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved