رحم الله البابا

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الإثنين 19 مارس 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

فى منتصف التسعينيات كان لقائى الأول مع البابا لشنودة الثالث بمقر الكاتدرائية فى الدمرداش بالعباسية.

 

لا أذكر مناسبة اللقاء وهل كان ندوة أم مؤتمرا صحفيا أم عظة، لكن الذى أذكره جيدا أننى ذهبت وسلمت عليه، وقلت له إننى بلدياته من القوصية بأسيوط.

 

وعندما أخبرته بأننى درست سنوات المرحلة الإعدادية الثلاث فى مدرسة الدير المحرق بالقوصية زاد ترحيبه بى، وبدأ يحكى لى عن الدير وأهميته وذكرياته فيه.

 

فى هذا اللقاء الأول ــ الذى تكرر بعد ذلك كثيرا فى ندوات ومؤتمرات ــ  انطبع فى ذهنى الملمح الأول لهذا الرجل أنه لماح وابن بلد وابن نكتة أيضا.

 

قبل هذا اللقاء وبعده ظللت أكن احتراما وتقديرا خاصين لهذا الرجل لموقف جوهرى اتخذه، وظل محافظا عليه، وهو رفضه للتطبيع مع العدو الصهيونى.

 

كنت ومازلت أرى أن الموقف من إسرائيل هو محك رئيسى لتقييم أى سياسى، لأنه مؤشر مهم لأشياء كثيرة أساسية، رغم كل الإغراءات التى تم التلويح له بها، والتهديدات والضغوط التى تعرض لها للسماح للأقباط بالحج إلى كنيسة القيامة وهى تحت الاحتلال الإسرائيلى.

 

كان يمكن لشنودة أن ينحنى لهذه الضغوط الأمريكية والغربية، بل وحتى بعض الضغوط القبطية، لكنه ظل محافظا على مبدأه، رغم أن بعض «علماء السلطة» فى الأزهر زمروا وطبلوا للسادات عندما زار القدس فى نوفمبر 1977، رافعين شعار «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها».

 

لكن الملمح الرئيسى ــ من وجهة نظرى ــ أنه كان مثالا للسياسى التوافقى بامتياز، لأنه أيقن بعمق حقيقة التوازنات الدقيقة فى المجتمع فقرر أن يسير على حبل رفيع يربط بين شطين وتحته سفح منحدر.

 

طوال حياته نجح كثيرا فى هذا الاختبار أى السير على الصراط، لكنه أيضا كاد ينزلق فى مرات أخرى سواء لأنه أخطأ الحسابات الدقيقة أو أن بعض الواقفين على الشط الآخر ــ أو حتى بجانبه ــ لم تعجبهم طريقة سيره.

 

قد يختلف البعض مع البابا فى أنه قرر مصادرة وتأميم كل الأقباط وتحويلهم إلى ورقة فى يده يفاوض بها كل السلطة، يحصل على بعض الحق حينا ويفشل أحيانا.

 

لكن بعض مؤيديه يقولون إنه لم يكن لديه المزيد من الأوراق، وبالتالى كان مضطرا إلى ذلك.

 

قد يقول البعض إنه راهن دائما على الحكومة والرئيس من السادات إلى مبارك، ولم يراهن على الشعب، لكن مؤيديه يقولون أيضا إن تركيبة السلطة فى مصر لم تكن تسمح له بأكثر مما فعل.

 

قد لا يكون هذا اليوم مناسبا لإجراء تقييم حقيقى لمسيرة البابا شنودة منذ تنصيبه وحتى رحيله ليلة أمس الأول. الرجل لم يدفن بعد، وجلال الموت يحتم علينا أن ندعو له بالرحمة، ونعزى فيه أنفسنا وكل المصريين فى كل مكان بالعالم.

 

ونسأل الله أن يوفق الأخوة الأقباط لاختيار وانتخاب بابا جديد يكون مصريا أولا قبل أن يكون مسيحيا، يفهم الخريطة المعقدة والملتبسة فى مصر الآن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved