فرنسا وآفاق صعودها دوليا


صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 18 مايو 2015 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

يأتى الاهتمام المتميز الذى يبديه الرئيس الفرنسى فرانسوا أولوند بشؤون الشرق الأوسط استكمالا لدور سلفه ساركوزى وإضافة إليه، الاشتراكيون والديجوليون لا يفترقون فى هذا التوجه الاستراتيجى. ففى عهد الرئيس ساركوزى فُتحت صفحة جديدة فى العلاقات الفرنسية ـ الخليجية، وبدأت تحولات مهمة فى المواقف الفرنسية إزاء القضايا العربية، إحياء للنهج الذى اختطه الجنرال شارل ديجول والذى يمكن تلخيصه بالتقليص من مساحات التبعية فى السياسات الخارجية للولايات المتحدة وإعادة إبراز الهوية الفرنسية على المستوى الدولى.

فرنسا الآن القوة الثانية فى حلف الناتو، وهى أقوى دولة تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط وتمتلك ثانى أكبر اقتصاد فى أوروبا وتتزعم المجموعة الفرانكفونية لذلك ترى نفسها مؤهلة لأدوار سياسية على المستوى العالمى تتجاوز مجرد كونها عضوا فى الاتحاد الأوروبى وعضوا فى حلف الناتو.

شهدنا فى السنوات الأخيرة فرنسا النشطة فى مساندتها الفعالة لحركات الربيع العربى، وشهدناها نشطة جدا فى مكافحة الإرهاب فى أكثر من قارة، ونشهد الآن كثافة اشتراكها فى الحرب على تنظيم داعش وقصفها لمواقعه فى العراق من أكثر من قاعدة بضمنها حاملة الطائرات شارل ديجول، التى حضرت إلى مياه الخليج لهذا الغرض. وأخيرا وفى إجراء غير مسبوق، حضر الرئيس الفرنسى قمة الدول الخليجية فى الرياض، وألقى كلمة عززت موقف فرنسا لدى هذه الدول ومنحت قيادات عاصفة الحزم مساحات أوسع للمناورة.

فرنسا تعزز مكانتها فى المنطقة ومن خلال ذلك تعزز مكانتها فى الاتحاد الأوروبى باعتبارها تلعب دورا قياديا فى إدارة المخاطر على المستوى الدولى وهو ما ينعكس بشكل إيجابى على حجم ومستوى حضور أوروبا فى سياسات الشرق الأوسط بعد أن غادرتها بشكل شبه كامل منذ خمسينيات القرن المنصرم.

ويأتى الاهتمام الفرنسى بالعالم العربى وقضاياه متزامنا مع التراجع فى مواقف واشنطن وعزوفها عن المزيد من الانشغال بالشأن الشرق أوسطى، وبالتزامن كذلك مع بدء بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديين فى منطقة الخليج العربى برسم استراتيجيات جديدة للتقليص من حجم اعتمادهم أمنيا على الولايات المتحدة التى اطمأنوا لفترة طويلة لوجودها سياسيا وعسكريا. فثقة الخليجيين بالإدارة الأمريكية قد أصابها بعض التصدع بسبب عزوفها عن اتخاذ سياسات ومواقف فعالة إزاء قضايا مهمة وحساسة تهدد أمن هذه الدول، مما أوجد بعض الفراغ الأمنى وهو ما تراه فرنسا وبعض دول المنطقة.

فهناك مخاوف لدى هذه الدول من مآلات السياسات الأمريكية المنتهجة إزاء بعض دول المنطقة وإزاء حلفاء هذه الدول على الرغم من التطمينات التى لم يبخل المسؤولون الأمريكيون فى تقديمها، وكان آخرها الدعوة الموجهة لهم للاجتماع بالرئيس باراك أوباما فى كامب ديفيد لوضع آفاق جديدة للعلاقة بين الولايات المتحدة وهذه الدول فى القضايا التى ترتبط بأمنها وأمن منطقة الخليج عموما.

***

ولكن هل تتمكن فرنسا من القيام بدور الحليف الاستراتيجى لدول الخليج؟ البعض يضع الكثير من علامات الاستفهام حول ذلك، لأن مقارنة حجم فرنسا العسكرى والاقتصادى والسياسى والدبلوماسى بحجم الولايات المتحدة يبدو عبثيا لأن فرنسا وفق هذه المحاور لا تشكل منافسا حقيقيا للولايات المتحدة.

لا شك أن هناك متغيرات عديدة تلعب دورها فى هذا الشأن، لعل أبرزها هو ما توصلت إليه القيادات الخليجية من قناعات، نذكر فى هذا الصدد ما صرح به وزير الخارجية السعودى الجديد عادل الجبير لرويترز «إن فرنسا هى حليف تاريخى وشريك تجارى أثبت للخليج أن بالإمكان الاعتماد عليه».

فرنسا من ناحيتها تسعى لتطوير علاقاتها الجيدة مع دول الخليج إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الطويلة الأمد لأن فى ذلك ضمانا لمصالح كثيرة ومهمة لديها. فقاعدتها الكبرى فى جيبوتى المشرفة على خليج عدن والمطلة على مضيق باب المندب والقاعدة الأخرى التى حصلت عليها فى الخليج تجعلها شريكة فعالة فى قضايا أمنية تتعلق بهذه المنطقة وممراتها المائية.

كما أن فرنسا تشارك إلى حد كبير دول المنطقة قلقها بشأن البرنامج النووى الإيرانى وتشاركها الرؤية فيما يتعلق بالموقف من النظام السورى، وفى هذين المحورين تقف الولايات المتحدة موقفا مقلقا لدول الخليج.

من جهة أخرى تعتبر فرنسا من أبرز الدول المصدرة للسلاح فى العالم فقد تجاوزت صادراتها منه لعام 2014 تسعة مليارات دولار ومن المتوقع أن تتجاوز هذا الرقم فى العام الحالى. إذ إن سمعة السلاح الفرنسى جيدة خاصة فى مجال صناعة الطائرات الحربية، فالمقاتلة رافال بدأت تلقى رواجا فى أسواق السلاح العربية.

كما أن فرنسا من أبرز الدول فى الصناعات النووية وتجهيز المفاعلات المنتجة للطاقة الكهربائية، حيث دخلت فى اتفاقيات مع أكثر من دولة خليجية فى هذا المضمار. من المستبعد أن تتخلى الولايات المتحدة عن دورها الضامن لأمن الخليج فى المستقبل المنظور وذلك لأن المرتكز الأساسى لأية دولة فى رسم استراتيجياتها هو أمنها القومى، فعلاقاتها الخارجية تُرسم وفق صيغ تخدم هذا الأمن.

ومن هذا المنظور تبقى منطقة الخليج العربى ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا طالما بقى النفط المصدر الرئيس للطاقة فى العالم على الرغم من التوقعات بتضاؤل حاجة الولايات المتحدة لنفط الخليج بعد أن أصبح النفط الصخرى، الغنية فى مصادره اقتصاديا فى كلفة إنتاجه. إلا أن من حق دول الخليج أن تنظر لما هو أبعد من ذلك، لمرحلة ما بعد النفط وهو ما بدأت تعمل على مقاربته.

البيان ــ الإمارات
محمد عاكف جمال

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved