المملكة غير المتحدة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 18 سبتمبر 2014 - 8:20 ص بتوقيت القاهرة

اليوم يبدأ العد التنازلى لآخر أيام المملكة المتحدة كما عرفناها منذ أن غربت الشمس عن إمبراطورية بريطانيا العظمى. لن تعود المملكة المتحدة، أيا كانت نتيجة الاستفتاء الذى يجرى اليوم على استقلال اسكتلندا، إلى ما كانت عليه. يستطيع على كل حال أبناء الجيل الذى أنتمى إليه أن يزعموا أنهم كانوا شهودا على يوم انتهت عنده فعلا واسما «بريطانيا العظمى»، الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس، وكانوا شهودا بعد هذا اليوم من صيف عام تأميم قناة السويس على سنوات عديدة التزمت فيها حكومات المملكة المتحدة توجيهات ونستون تشرشل وغيره من قادة الإمبراطورية لخلفائه الانسحاب المتدرج من مستعمرات فى أقاليم شرق السويس وأقاليم فى إفريقيا. ترك القادة أيضا وصيتين قيمتين. أوصوهم السير فى ركاب الولايات المتحدة الأمريكية القطب الإمبراطورى الصاعد فى نهم وشره لفرض نفوذه وقيمه على الأراضى التى رحل عنها جنود الإمبراطوريات الأوروبية المنهزمة والمنتصرة على حد سواء.. أدرك القادة أن الإمبراطورية وصلت إلى نهاية طريقها، بل وقدروا أن المملكة المتحدة التى خرجت من عباءة الإمبراطورية لن تصمد كدولة عظمى فى عالم خرج من الحرب لا يتسع إلا لقطبين. كان أمل قادة الإمبراطورية العجوز أن يشعر البريطانيون والعالم بأسره أن إمبراطوريتهم جددت نفسها بصورة أو بأخرى فى إمبراطورية جديدة تنطق بلغتها وتدين بعقيدتها الاقتصادية وتبشر بقيمها السياسية، هى الولايات المتحدة. وبالفعل رأينا بعض رؤساء حكومات المملكة المتحدة وقد تقلدوا دور الناصح الذى لا يمكن لواشنطن الاستغناء عنه، باعتبار خبرة وتجارب البريطانيين فى حكم العالم وفى تشكيل تحالفاته وعقد التوازنات ونشر ثقافة الغرب. لعبت مارجريت تاتشر هذا الدور بنجاح كبير ثم حاول طونى بلير الاستمرار فى هذا النهج. وفعلا يبقى التاريخ شاهدا على أهمية الدور البريطانى البارز فى تشجيع رؤساء أمريكيين عديدين على شن مغامرات حربية ضد دول وشعوب أخرى، وحماية انجازات «الحضارة الغربية».

تعلقت الوصية الثانية بعلاقة المملكة المتحدة بأوروبا. لم يستطع القادة الإمبراطوريون التخلى عن «عنصريتهم» التاريخية تجاه شعوب وقيادات أوروبا وعزوفهم التقليدى عن الانغماس فى مشكلاتهم وصراعاتهم، وفى الوقت نفسه أدركوا أن أوروبا التى تسببت فى نشوب حربين عالميتين لا تترك لحالها، ولدى المملكة المتحدة فرصة ثمينة لتلعب دور الموازن الخارجى مستفيدة من ارتباطها الوثيق بالقطب الأمريكى الأعظم. المؤكد لنا كمراقبين من خارج الغرب هو أن سبعين عاما استغرقتها حكومات لندن لتنفيذ الوصيتين لم تصلحا من حال الشك المقيم بين ساسة أوروبا وساسة المملكة المتحدة.

•••

الاستفتاء على استقلال اسكتلندا يعنى أن المملكة المتحدة، حتى وإن استمرت بعده تحمل الاسم نفسه، إلا أنها فى نظر أمريكا وأوروبا، لن تكون فى واقع الأمر تعبيرا صادقا عن الاسم الذى تحمله. ستبقى مملكة ولكن ليست متحدة كما كانت أى ستكون مملكة أقل شأنا ومكانة ونفوذا. أكاد أنضم إلى المحللين الذين يلقون باللوم على ساسة لندن، أى أن هؤلاء السياسيين الذين يطلق عليهم الاسكتلنديون عبارة «جماعة وستمنستر» نسبة إلى مقر التشريع والحكم فى لندن. الخطأ الأكبر الذى وقع فيه اللورد كاميرون، إذا كنا نعتبر أن الانفصال تطور تعيس، هو أنه لم يضع أمام الشعب الاسكتلندى خيارا ثالثا الى جانب خيارى الاستقلال والاستمرار، خيار يسمح بانتقال سلطات أكثر وأوسع للقيادات المحلية فى اسكتلندا.

«القوميون» الاسكتلنديون المطالبون بالاستقلال يتهمون حكام لندن بأن سياساتهم الاقتصادية تسببت فى انحدار الصناعة فى اسكتلندا وإغلاق العديد من المصانع وبطالة عمالها. هم أيضا مسئولون عن تدهور نظام الرعاية الصحية فى بلادهم وعن ارتفاع تكلفة الرسائل البريدية !. قد يكون فى الاتهامات مغالاة أو سوء تقدير كما يحدث دائما فى مطالب القوميين الانفصاليين فى كل مكان، فالتدهور الصناعى حدث فى كل أركان القارة الأوروبية وليس فقط فى اسكتلندا بسبب انتقال مراكز الصناعة إلى آسيا وبخاصة الصين.

من ناحية أخرى، مازال الاسكتلنديون يحصلون على مزايا اجتماعية وصحية تفوق ما يحصل عليه المواطن فى إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية. يعود هذا الامتياز فى حقيقة الأمر إلى أن الاسكتلنديين استطاعوا بمهارة سياسية فائقة الحصول من الحكومة المركزية فى لندن على مكتسبات اجتماعية وفيرة مستخدمين التهديد بالانفصال.

لاشك فى أن الأداء السياسى لحكومة لندن لم يكن على المستوى المنشود، ولكن لاشك أيضا أن الانفصاليين لم يرتبوا مواقفهم واسبقياتهم بحسب الاهتمامات الاقتصادية بقدر ما رتبوها متأثرين بالعاطفة. إن كل من اتيحت له زيارة الجزر البريطانية وقراءة تاريخ العلاقات بين شعوبها يعرف جيدا أن المسألة القومية فى هذه الجزر ظلت حية لمئات السنين. بل ويعرف أيضا أن الأساطير الوطنية والقومية مازالت تحرك مشاعر ومواقف أهل اسكتلندا أكثر من أى اعتبار مادى. أحد العاملين فى الحفل الثقافى فى إدنبره قال لى ذات زيارة أن الاسكتلنديين لم يكفوا عن التمسك بالأساطير القومية واختراع اساطير جديدة إلى درجة أنهم صاغوا أسطورة تحمل اسم الممثل الشهير ميل جيبسون. يقول الصديق من إدنبره أن الفيلم السينمائى BRAVEHEART الذى أدى فيه جيبسون دور البطل الأسطورى ويليام والاس لعب دورا كبيرا فى تصعيد روح الاستقلال ومشاعره فى اسكتلندا.

•••

مرة أخرى تطغى قضية الهوية على غيرها من القضايا التى حركتها مسيرة العولمة وتصاعدت مع أزمات النظام الرأسمالى على امتداد الثلاثة عقود الماضية. مرة أخرى تتعرض أهم تجربة فى تاريخ أوروبا إلى تهديد للقيم والمبادئ والإنجازات التى يفخر بها الاتحاد الأوروبى. كان هدف السياسيين الأوروبيين إقامة أوروبا الموحدة على حساب سيادة الدول الاعضاء، فإذا بنا أمام حركات انفصالية تستفيد من تراجع مبدأ السيادة وتسعى للانضمام أعضاء مستقلين كاملى الإرادة فى الاتحاد الأوروبى. أتصور أن إسبانيا مثلا لن تسمح بانضمام اسكتلندا فى حال استقلت إلى الاتحاد الأوروبى، وأتصور أن فوز الانفصاليين فى استفتاء اليوم سيرفع من معنويات أهل كاتالونيا وشعوب أخرى فى القارة الأوروبية تسعى لتحقيق شخصيتها وإرادتها الحرة، ولكن فى سياق هوية أوروبية أوسع.

لا خلاف على أن ظاهرة الانفصال تحمل تناقضات تثير الشكوك فى فرص نجاحها. هؤلاء الذين يطالبون بالاستقلال والسيادة يعرفون جيدا أن القيود على السيادة وحرية القرار المفروضة على الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى تزيد على القيود المفروضة على حرية أقاليم ومقاطعات عديدة فى تلك الدول. لا خلاف أيضا على أن تكلفة الدفاع والأمن فى دول حديثة الاستقلال قد تمثل عبئا لا تحتمله اقتصاداتها، وإن قبلت الانضواء فى حلف دولى فمعنى قبولها هذا تنازلها عن جانب من إرادتها وحريتها وسيادتها.

ينتهى الجدل غالبا بالاعتراف بأن تأكيد الهوية والاعتراف بها والدفاع عنها هى العناصر الأهم فى نشوب حركات الانفصال والسعى إلى الاستقلال.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved