عن الانتفاضات العربية: قراءة فى أسباب الإخفاق.. وحتمية التجدد؟

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 19 يناير 2016 - 10:50 م بتوقيت القاهرة

بعد سبات طويل تبدى وكأنه إغماء وغياب عن الوعى، تفجرت الأرض العربية بانتفاضات شعبية عارمة كانت أسبابها قاطعة فى وضوحها وشاملة فى تعاظم أعداد المدفوعين إليها باليأس، فقبل خمس سنوات أو أكثر قليلا غادرت الجموع البيوت والمكاتب والمقاهى لتملأ الشوارع والميادين وساحات الجامعات.

أما أسباب الخروج لمواجهة السلطة بعد سقوط الخوف فكانت متعددة ومتنوعة وموجعة، أخطرها الأزمات الاقتصادية التى شلت الدولة والقطاع الخاص الذى كان يحظى دائما برعاية أهل الحكم نظرا للشراكة بين الفريقين على حساب الشعب المتروك لقدره فى وهدة فقره وامتناع أسباب التقدم عليه.
بعد خمس سنوات طويلة وحافلة بالتطورات يسود الآن شعور بالخيبة والإحباط ومرارة انطفاء الأمل، وتتفجر الأسئلة موجعة:
•هل انطفأ الغضب الشعبى بالعجز عن التغيير المرتجى أو بالمخادعة والتحايل وحرفه عن مساره لإعادة استيلاء الطغيان بصورة ملطفة ببعض شكليات الديمقراطية التى لا تفعل غير إعلان اغتيال الانتفاضة وإقفال الشوارع أمام احتمال تفجرها من جديد؟!
•أين اختفت الملايين التى خرجت إلى الميادين والشوارع تهدر بمطالبها وأولها استعادة حقوقها فى وطنها وحقوقها على دولتها؟ هل توفر «العيش»؟ هل سادت الحرية؟ هل عادت الدولة إلى شعبها؟
***
•هل لحقت انتفاضة 25 يناير 2011 بشعار «عيش ــ حرية ــ وحدة وطنية» ميدان التحرير فى القاهرة بانتفاضة 25 يناير 1972، فى القاهرة أيضا ضد إضعاف الجيش بطرد الخبراء الروس وكان شعارها «ح نحارب!» أم هى لحقت بانتفاضة الخبز فى العام 1977؟.
•وهل الخيار الوحيد المتاح: الحرب الأهلية أو تجديد النظام من داخله، بما يغتال حلم التغيير الجذرى.
إن أخطر إنجاز للانتفاضات العربية المتوالية التى بدلت فى الخريطة السياسية لهذه المنطقة، أنها كشفت غربة الأنظمة الحاكمة عن فهم شعوبها بهويتها الأصلية غير القابلة للتعديل أو التغيير، وطموحاتها إلى مستقبل أفضل، وعن تلبية مطالبها فى حياة مقبولة، كرامة المواطن فيها محفوظة وحقه فى وطنه وبناء مستقبله مؤكد ومضمون.
فعلى امتداد دهر الضياع والفساد تم طمس الهوية الجامعة لأبناء الشعب الواحد، فكيف بهوية الأمة الواحدة.
لقد تمت ضروب من الممارسات بهدف طمس الهوية الجامعة لشعوب هذه المنطقة العربية: جرى تنميه الإقليمية الكيانية التى تنتهى بعدائية مطلقة للعروبة، من نماذجها ما كان يقال ويجرى تعميمه من شعارات كيانية تخدم المستعمر والمحتل، كمثل القول: «اصرف فلوسى على ثورة الجزائر ؟! ليه ؟! أنا عايز أعيش أحسن !..».
بالمقابل فإن ممارسات خاطئة، صادرة عن الجهل أو عن نقص فى الوعى طالما ترددت خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا فى «الجمهورية العربية المتحدة» والتى فرضت على الكثير من القوى المؤمنة بالوحدة (إذا ما استبعدنا الانتهازيين والهاربين بمشاكلهم إلى الغير): «نتعامل مع الوحدة كاستعمار مصرى لسوريا أو نخربها بالانفصال... وهكذا نستعيد سوريا ضعيفة بحيث نستطيع حكمها، ونترك عبدالناصر ضعيفا بحيث يمكن إسقاطه!».
بل إن الهرب من الهوية الجامعة ومسئوليتها الطبيعية لحق حتى بالقضية المقدسة، فلسطين: «أتريدنى أن أحارب من أجل فلسطين وأنا بحاجة إلى الرغيف لإطعام أطفالى ؟!».
***
كذلك تم بعث الطائفية (والمذهبية) من رقادها، بعد تهاوى «العلمانية» – وقد كانت هشة وطارئة، بعد، لأن الأحزاب القومية العلمانية (من حيث منطلقاتها) تطأفأت وهى تسعى إلى السلطة، مستعينة دائما بالعسكر. صار حزب البعث فى العراق «سنيا» بمعنى قوى السيطرة، بعيدا عن المبادئ – أما فى سوريا فقد صار حزب البعث «علويا» فى حين ظلت الأحزاب الشيوعية أحزاب أقليات: أكراد، أرمن، مستعربون متمصرون... إلخ.
ولقد قامت أنظمة عاتية على قاعدة الكيانية والطائفية تحت الشعار القومى. كذلك فقد أتمت القيادات الحزبية (التى كان العسكر قد استولى على قرارها..) السيطرة على السلطة برفع رايات حزب البعث العربى الاشتراكى، كما فى العراق وسوريا، أو راية حركة «القوميين العرب، كما فى اليمن الجنوبى... والطريف أن القوميين العرب فى جنوب اليمن قد تحولوا – فجأة – إلى ماركسيين لينينيين عندما حوصروا (من الداخل والخارج) فلم يجدوا الحماية إلا فى الاتحاد السوفييتى.
لقد تلاقت تحالفت الكيانية والطائفية، وغالبا مع العسكر، تحت الشعار القومى. وهكذا فقد لعب العسكر دورا أساسيا فى تخريب اللعبة السياسية وضرب التجربة الديمقراطية النامية، والتى كان يحتضنها ويتاجر بها – كشعار – الإقطاع السياسى، جديده والقديم. وسقطت العروبة ضحية القوى الطامحة إلى السلطة جميعا، والتى طالما رفعت شعاراتها كطريق للوصول.
لقد ضربت «سنية» البعث فى العراق، العروبة، بقدر ما ضربتها «علوية» البعث فى سوريا، و«شافعية» الماركسية فى جنوب اليمن. أما فى مصر فكانت الماركسية أضعف من أن تؤثر فى الشارع (المؤمن بطبيعته) خصوصا وأن المؤسسين وأوائل من اعتنقها من الأجانب أو من الأقليات وليس من الكثرة الغالبة بين المصريين.
***
إن «الميدان» الذى أٌخرج – بالتحايل – من موقع القرار، يحتاج ــ بقواه الفاعلة ــ إلى مراجعة جدية وشاملة، تتناول أساليب النضال وآلياته.
فمن المفجع أن تعيد الانتفاضة فى تونس إنتاج البورقيبية حتى بأشخاصها القياديين القدامى (عمر الرئيس التى حملته الثورة إلى سدة الحكم، الآن، يقارب التسعين عاما) وكل ذلك نتيجة عجزها عن إنتاج قيادة جديدة... من دون أن ننسى أن الإسلاميين، الممثلين بحزب النهضة، قد أفادوا من تجاربهم، كما من تجارب القوى السياسية الأخرى، فحاذروا أن يتصدوا لتحمل مسئولية العهد الجديد بعد تجربة قصيرة سرعان ما فتحت عيونهم على مخاطرها غير المحدودة (سيطرة الإخوان على السلطة فى مصر لسنة واحدة، بكل تداعياتها على الإسلاميين فى المنطقة العربية)..
ومن المفجع أن تسقط الانتفاضات أو مشاريع انتفاضات التغيير فى المـشـرق الـعربـى (العراق، سوريا، اليمن) فى فخ الطائفية التى هى استثمار عظيم لأعداء الانتفاضات والتغيير نحو الأفضل.
ولعل بين الدروس المستفادة من تجارب انتفاضات الشعوب أن «الإنترنت» – بمختلف تنوعات وسائل التواصل – لا يصنع ثورة. وأنه قد يظهر فيؤكد حالة الغضب ويربط ــ نظريا ــ بين أطرافها. لكنه لا يمكن أن يكون قيادة الثورة، ولا هو مؤهل لتجميع جماهيرها خلف شعارات موحدة ودفعها على مواجهة الرصاص، فى مختلف مواقع المتعاملين عبر أجهزة التواصل.
***
قد تلتقى جموع غفيرة على رفض القائم بالأمر، لكنها لا تملك تصورا موحدا للمستقبل: ماذا عن اليوم الأول بعد إسقاط الطغيان؟ !.
إن المنتفضين بالملايين، لكن أهدافهم شتى. كلهم يريد التغيير، لكن أكثرهم لا يعرفون الطريق، والوسائل، وأسباب التنظيم والضبط والربط وإدارة «العملية».
وليست مصادفة أن معظم إن لم يكن «كل» عمليات التغير فى الوطن العربى، مشرقا ومغربا، قد تولاها، أو سيطر عليها فقادها: الجيش (وغالبا من خارج قيادته الرسمية) ليس لأنه «خزان الثورة» بل لأنه «الحزب» الوحيد بقيادة محددة، وأجهزة اتصال وتواصل، ثم إنه يعتمد «الضبط والربط» بين مختلف وحداته ومهما تباعدت مواقع انتشارها.
أن التغييـر حتمى....
ولكن، المؤسف أن العرب يتبدون الآن متباعدين إلى حد التخاصم، مقتتلين إلى حد الحرب، ولقد ضيعوا يومهم بالتأكيد، وهم فى صدد إضاعة الطريق إلى مستقبلهم إلا إذا «استيقظوا وتنبهوا، أيها العرب» مرة أخرى.

رئيـس تحريـر جريدة «السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved