سباق تقاسم «قالب الحلوى» السورى

ناصيف حتى
ناصيف حتى

آخر تحديث: الثلاثاء 20 فبراير 2018 - 11:03 ص بتوقيت القاهرة

من ينظر إلى تطورات الوضع السوري على الأرض، ومن خلال كثافة وحدة التفاعلات الدبلوماسية المحيطة بذلك الوضع من قبل الأطراف الدولية والإقليمية الأساسية على المسرح السوري قد يصاب بالدوار.

فهنالك تعاون بالقطعة وسيولة في المواقف التي قد تبدو أحياناً متناقضة عند كل طرف في لحظات مختلفة أو تجاه أحداث مختلفة. إنه منطق التسابق بغية الإمساك بأكبر عدد ممكن من الأوراق في الصراع حول سوريا، في الربع ساعة الأخيرة من الصراع والتي مازالت مفتوحة في الزمان.

أولاً: هنالك تغيير في قواعد اللعبة من خلال التصعيد الكمي والنوعي في القتال والانتقال التدريجي من الحروب بالوكالة إلى الحروب المباشرة، وللتذكير، فإنها المرة الأولى التي يحدث فيها نوع من الصدام المباشر الإسرائيلي الإيراني. حروب قد تؤدي إلى صدام إقليمي ودولي في المسرح السوري، مقيّد أو مفتوح على كافة الاحتمالات، بعد إسقاط مقاتلة روسية وأخرى إسرائيلية ومروحية تركية وقصف جوي إسرائيلي لأكثر من ١٢ موقع سوري وإيراني.

ثانياً: جاء ذلك نتيجة حربين جديدتين مباشرتين: حرب تركية في الشمال لمنع تبلور مشروع حكم ذاتي كردي على الحدود التركية السورية يشبه نموذج كردستان العراقية، وهذا بمثابة خط أحمر لتركيا. وحرب إسرائيلية في الجنوب لمنع قيام أو تعزيز قواعد إيرانية وأخرى لحلفاء إيران في المسرح السوري ذاته تشكل بالمنظور الإسرائيلي تأسيساً لنفوذ إيراني مستقبلي و"مستقل" في سوريا الغد بعد أن كان النفوذ الإيراني قبل الانفجار السوري في ٢٠١١ يخضع كلياً للاعتبارات التي تحددها السياسة السورية الرسمية.

وكان من السهل التعامل معه مقارنة مع الوضع الحالي والمستقبلي من المنظور الإسرائيلي.

كل من القوتين يعتمد على حلفائه: تركيا تعتمد على إيران وروسيا وإسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة التي لا تقل عنها حماسة في محاربة النفوذ الإيراني. أضف إلى ذلك أن القرار السوري بالردّ على الغارات الإسرائيلية كان لإيران دون شك تأثير كبير في بلورته.

ثالثاً: هنالك ارتباك عند من هم أصدقاء طرفي الصراع في الحالتين. الولايات المتحدة، رغم أنها تقيم علاقات تعاون وثيقة وتشاور عسكري مع الحليف الاستراتيجي التركي العضو في الحلف الأطلسي، تقف في مواجهة تركيا في حرب الشمال متمسكة بالورقة الكردية فيما تدعوها تركيا إلى التشارك في التمركز لقوات تركية وأميركية في منبج، حيث يوجد جنود أميركيون وسيطرة كردية. تركيا تحث الولايات المتحدة على دفع وحدات حماية الشعب الكردية للانتقال إلى شرق الفرات.

فمعركة واشنطن الأساسية، وهي التي تسيطر على ٣٠ بالمئة من الأراضي السورية وحقول النفط، كما يذكر وزير خارجيتها، تكمن في العمل على منع إيران من الإمساك كلياً بالمعابر الحدودية العراقية السورية التي هي خط عبور إيران إلى البحر الأبيض المتوسط.

من جهة أخرى، يبدو أن لعبة التوازن التي أجادها "المايسترو" الروسي بين صديقيه الإسرائيلي والإيراني قد اهتزت بقوة، والبعض يقول إنها سقطت مع إسقاط الطائرة الإسرائيلية الذي تم بموافقة روسية كما يرى ذلك البعض. ويبدو أن الطمأنة الروسية لإسرائيل بشأن النفوذ الإيراني في سوريا لم تعد تفيد بعد أن دخلت إسرائيل لتضرب بشكل مباشر أعدائها في المسرح السوري.

الاختيار الروسي لن يكون بالمطلق بالطبع بين "الصديقين": مشكلة روسيا تكمن في ضبط إسرائيل حالياً حتى لا تفجر الموقف كلياً في سوريا، الأمر الذي يطال المصالح الحيوية الروسية. وهو ما يستدعي إبقاء القدرة على طمأنتها بأن لا يتحول جنوب غرب سوريا إلى منطقة نفوذ إيرانية، مقابل البقاء إلى جانب الحليف الإيراني فيعز المعركة ولو أن الأهداف النهائية للصراع وطبيعة التسوية وتقاسم "قالب الحلوى" السوري تشكل كلها نقاط خلاف مؤجلة بين الطرفين الروسي والإيراني.

"الصراع على سوريا" اليوم وازدياد حدته، كمّاً ونوعاً، يضع المشهد السوري أمام احتمالات ثلاث:

أولاً: أن تبقى الحروب المباشرة الجديدة بمثابة رسائل تحذير وتذكير من طرف أصحابها للطرف أو الأطراف الأخرى في الصراع، بالخطوط الحمر الواجب احترامها في لعبة الردع المتبادل أو عضّ الأصابع تحت سقف عدم حصول انفجار مفتوح. يساعد في ذلك دور الطرف الثالث الصديق للمتصارعين أو خوف المتصارعين من الذهاب نحو المجهول.

ثانياً: أن تخرج هذه الحروب/الرسائل، خاصة في ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الإيراني، عن السيطرة باتجاه تصعيد مزدوج، عسكري أولاً، يؤدي إلى التصعيد الجغرافي لاحقاً، كأن يمتد إلى الجنوب اللبناني الذي يصبح عند ذلك جزءً من المسرح الصراعي السوري الذي يتقاتل عليه اللاعبون الإقليميون والدوليّون.

ثالثاً: إن ازدياد حدة الصراع والمخاوف من توسعه وخروجه عن السيطرة، وهو ما يهدد مصالح الجميع، قد يحفّز الأطراف الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، الأقل صراعاً فيما بينها من الأطراف الإقليمية في سوريا، للضغط الفعلي والفعال على الأطراف الإقليمية بسبب الخوف من المجهول ومن الخسائر المحتملة لكل طرف إقليمي، للذهاب نحو الحل الشامل. الحل الذي يقوم على مشاركة كافة الفاعلين الإقليميين والدوليين: هنالك صيغة"دايتون سوري"، وهو ما أشار إليه ميشال دوكلو، سفير فرنسا السابق في سوريا ( الشرق الأوسط، ١٧ فبراير ٢٠١٨).

والجدير بالذكر إن اتفاق دايتون لعام ١٩٩٥ وضع الحل لحروب تفكك يوغسلافيا. ونذكر هنا بصيغة "طائف إقليمي" يؤدي إلى "طائف سوري" كما حصل بالنسبة لتسوية الحروب اللبنانية في الطائف عام ١٩٨٩.

وهو ما سبق وأشرنا إليه في مقالة في شهر أغسطس ٢٠١٢، واستمرينا في التأكيد عليه. والجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي قد طرح منذ أشهر قليلة فكرة إنشاء مجموعة اتصال خاصة بسوريا تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والقوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط. لم تقلع هذه الفكرة بسبب الحرب الباردة الدائرة في الإقليم الشرق أوسطي بين طرف عربي أميركي وإيران.

ذلك يبقى إطار الحل الذي يمكن أن يتبلور على أساس الأفكار التي قدمتها مجموعة القوى الخمس الدولية والعربية في "بيان باريس"، وكذلك ما جاء في بيان مؤتمر سوتشي والأفكار التي طرحها مبعوث الأمم المتحدة ديميستورا. أنه الحل الوحيد تلافياً لتصعيد عسكري محسوب أو غير محسوب يؤدي إلى الانفجار الكبير في الشرق الأوسط.

كاتب سياسي لبناني

الاقتباس

إن ازدياد حدة الصراع والمخاوف من توسعه وخروجه عن السيطرة، وهو ما يهدد مصالح الجميع، قد يحفّز الأطراف الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، الأقل صراعاً فيما بينها من الأطراف الإقليمية في سوريا، للضغط الفعلي والفعال على الأطراف الإقليمية بسبب الخوف من المجهول.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved