تركيا.. أين المفر؟

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 19 مارس 2015 - 9:30 ص بتوقيت القاهرة

الشرق الأوسط معين مفاجآت لا ينضب. دائما وأبدا يحتفظ لشعوبه والعالم بحدث أو آخر يقلب به موائد الاستراتيجية الدولية رأسا على عقب.

أكتب هذه المقدمة وفكرى معلق بمقارنة أجريتها بين حال السياسة الخارجية التركية قبل، وفى مطلع، ثورات الربيع العربى، وحالها هذه الأيام.

أذكر جيدا، ويذكر كثيرون، الأحلام الوردية التى جرت صياغتها فى عبارات أكاديمية حالمة وغائرة فى التفاؤل، لتتحول سريعا إلى سياسات واستراتيجية جديدة لتركيا. أذكر أحاديث أجريتها فى دمشق مع مسئولين كانوا سعداء ومرحبين بالاستثمارات والنصائح التركية ومستبشرين خيرا وفيرا. وأذكر تفاؤلا منقطع النظير بين فئات مختلفة من شعب مصر بعلاقة ودية ومثمرة تتقدم بسرعة بين مصر وتركيا، غلب على هذه الفئات الظن وقتها بأن ما تتشابه فيه الدولتان أهم كثيرا مما تختلفان فيه أو حوله.. أذكر كيف تلقف المحللون السياسيون والأكاديميون تطورات السياسة التركية بالتنظير تارة والترحيب تارة والترهيب تارة ثالثة، وكيف شعر دارسون خبراء فى العروبة وفى شئون العرب وطقوس نزاعاتهم وخصوصياتهم وبعض خواصهم الاستثنائية، شعروا بواجب تنبيه زملائهم الأتراك من عواقب تفاؤلهم المبالغ فيه بدور متعاظم وحتمى لتركيا فى النظام الإقليمى العربى، ثم فى الشرق الأوسط عموما.

***

كان هناك فى مطلع الربيع العربى إعجاب فى العالم العربى بالزعيم التركى، وليس فقط بسياساته، وإعجاب بتركيا النموذج. وإعجاب فى تركيا بثورات الربيع، وكان الأمل أن يتبنى الطرفان العربى والتركى مشروعا لانطلاقة تنموية وسياسية جديدة اعتمادا على هذا الإعجاب المتبادل. كان الإعجاب فى حد ذاته مفاجأة فى إقليم ظل يحمل أسوأ الذكريات عن هيمنة الإمبراطورية العثمانية. كان أيضا مفاجأة الانقلاب على هذا الإعجاب فى مدة لا تتجاوز أربع سنوات. الآن يتحدث الخبراء عن حاجة ماسة لدى النظامين الحاكمين فى القاهرة وأنقرة لفترة سماح ينتقل خلالها الطرفان من حالة التراشق بالتصريحات النارية والإعلام المتدهور فسادا وعلما وفنا إلى حالة سكون تكتيكى ومنه إلى حوار استراتيجى.

***

مسئولية تراجع العلاقات المصرية ــ التركية يتحملها الطرفان، لاشك فى هذا. ولكن الجانب الأكبر فى هذه المسئولية يجب أن يتحمله الطرف التركى لأسباب أراها عديدة وهامة. فقد كان للأتراك موقع قدم فى مصر فى بداية الثورة يسمح لهم بلعب أدوار إيجابية، هذا الموقع لم تتمتع بمثله دول إقليمية ودولية أخرى. كان يمكن لتركيا من خلال الموقع المتميز فى نفوس الثوار والشعب عامة أن تمارس درجة معتبرة من عدم الانحياز بين تيارات متناقضة ولم تكن قد تصارعت بعد. ولكن انحازت تركيا بصلف وعناد لتيار بعينه، وهى تعلم، وأنا أعلم أن مسئولين وخبراء كبار فى تركيا كانوا يعلمون علم اليقين، أن هذا التيار لن يحظى بالرضا الشعبى العام ولن يحظى بدعم المؤسسات صاحبة النفوذ فى مصر ولن تهادنه قوى الإسلام الرسمى فى دول الخليج. يبدو واضحا الآن أن القادة الأتراك وقعوا هم أيضا فى حبائل النظرية البريطانية ــ الأمريكية الساعية لوضع الشرق الأوسط تحت هيمنة شكل من أشكال ما أطلقوا عليه الإسلام السياسى الوسطى فى ظل اعتقاد بأن الغرب اختارهم للمشاركة فى قيادة الإقليم. انتظر الكثيرون فى مصر ممن لا يعلمون بحقيقة النوايا الغربية أن تفلح تركيا فى لجم تصرفات غير متزنة للحكومة الإسلامية المصرية، ولكن لم تفلح تركيا، وفى الغالب لم تحاول حتى تفلح أو لا تفلح. أضف إلى هذا الموقف السلوك التركى تجاه نظام الحكم الجديد وبخاصة تهافت المسئولين الأتراك، وعلى رأسهم زعيم الحزب الحاكم وزملاؤه على الإدلاء بتصريحات مثيرة وغير مسئولة أو مدروسة. أضف أيضا ما تسرب إلى المسئولين الجدد فى مصر وخارجها عن جهود تركية مكثفة طالبت على اتساع الشرق الأوسط ودول الغرب بالعمل على عزل نظام الحكم الجديد الذى أطاح بحكم الإسلاميين، أو على الأقل تجاهله، تمهيدا لإسقاطه واستعادة حكومة إخوانية، تجدد التزامها التعاون مع تركيا على مستوى الإقليم والإنصات إلى نصائح وإرشادات الحزب الإسلامى الحاكم فى تركيا.

***

لا أزعم، أو أتصور، أن الخلاف المصرى ــ التركى مسئول وحده عن هذه الموجة من خيبات أمل وإجهاض أحلام عديدة راودت قيادات حزب العدالة والتنمية، والمسئولين عن السياسة الخارجية. سقط حلم الاستفادة من تراث الإمبراطورية القديمة ومكانتها لإقامة مكانة مماثلة لتركيا فى الشرق الأوسط. فقدت تركيا، خلال السنوات الأخيرة، أصدقاء قدامى تقليديين فى الشرق الأوسط، وفقدت أصدقاء كسبتهم خلال سنوات صعود النموذج التركى، أى قبل حلول موعد ثورات الربيع. فقدت مثلا إسرائيل، ومع فقدانها إسرائيل فقدت دعم جماعات الضغط الصهيونى فى الولايات المتحدة، وفقدت مكانتها المتميزة داخل الكونجرس. بل إن تركيا لا تستطيع الآن، وربما لمدة غير قصيرة الادعاء بقدرتها على استخدام نفوذها وعلاقاتها الخارجية والإقليمية للتوسط بين العرب وإسرائيل لتحقيق سلام نهائى فى الشرق الأوسط، هذه القدرة التى يبدو أن إسرائيل تسعى لإقناع الحكم الراهن فى مصر بحقه وصلاحيته امتلاكها وممارستها، ليحل محل تركيا فى وقت تبدو فيه كل أطراف الصراع جاهزة لتصفية القضية الفلسطينية.

من ناحية أخرى، تدخلت ظروف عديدة لتحرم تركيا من موقعها الممتاز الذى كانت تتمتع به لدى حكومات الشرق الأوسط وأوروبا الغربية على حد سواء، وتمنحه لإيران. كانت الفترة الأخيرة فرصة رائعة لتحل فيها إيران مكان تركيا بدمشق. والآن تقترب إيران من التوقيع على اتفاق مع الدول الكبرى أعضاء مجلس الأمن لتسوية أزمتها مع الغرب. لقد كان مجرد إجراء مفاوضات طويلة الأجل بين إيران والدول الخمس الكبرى كسبا معتبرا لإيران ودعما غير مباشر لنظام الحكم فيها وإضافة قوية لشرعيته الدولية. كانت هذه المفاوضات الناجحة بحساب معايير عديدة بالإضافة إلى تطورات وتغيرات جوهرية فى توازنات القوة الداخلية فى سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا، عناصر كافية لتبرير نجاح إيران فى احتلال موقع فى قائمة ترتيب النفوذ الإقليمى يتقدم كثيرا عن مواقع النفوذ التركى .

يتراءى لنا أحيانا خلال متابعتنا تفاصيل السلوك الخارجى التركى أن الحكومة التركية لم تضع فى اعتبارها ضرورة أن ترتفع فوق النزاعات التقليدية بين الدول العربية، ولم تدرس جيدا مثلها مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، حقيقة قوة الإخوان المسلمين فى السياسة الداخلية لمصر ودول الخليج وليبيا. تدخلت طرفا فيما لا يجوز أن تتدخل فيه وهى الزائر الضيف فى منطقة لم يختبر بعد دهاليزها ولم يحسب جيدا حسابات القوة فيها. فى الوقت نفسه نسيت أو لعلها تناست أمر داعش وغيره، هنا أيضا كان واضحا أنها انزلقت فى طريق السياسات الانتهازية التى تنتهجها دول عربية وغربية فى التعامل مع منظمات الإرهاب، لتكتسب خبرة وتجارب من سبقها فى هذا المضمار من هذه الدول. كان الظن فيما يبدو أنها تستطيع مقايضة أمنها وسلامتها والقضاء على نظام حكم بشار الأسد بفتح حدودها وتحويلها إلى ممرات لتمرير السلاح والإرهابيين.

تزامنت هذه التطورات السلبية فى مجملها مع تطور آخر لا يقل أهمية، إذ بدا جليا أن وضع العضوية المعلقة لتركيا فى الاتحاد الأوروبى ازداد سوءا فى هذه السنوات الأخيرة، وبخاصة بعدما اتخذت تركيا مواقف ضد سياسات أوروبية، مثل فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا، ودعمها لإجراء الرئيس بوتين ضم شبه جزيرة القرم إلى بلاده وتدخله فى أوكرانيا. لم يكن خافيا أنها تسعى لعضوية فاعلة فى التجمعات الجديدة التى بدأت تنشط فى آسيا وفى دول الجنوب، تعويضا عن عضوية فى الاتحاد الأوروبى لن تحصل عليها. وفى قول آخر ورد على لسان أحد كبار المعلقين الغربيين، أن حكومة الرئيس أردوغان تسعى للقفز من مركب الاتحاد الأوروبى المهددة بالغرق فى الأزمات والخلافات والعجز الأمنى فى مواجهة التوسعية الروسية الجديدة وزحف الإرهاب.

يعزى بعض أعضاء الحزب الحاكم والإعلاميين فى تركيا أنفسهم بتكرار الإشارة إلى إخفاقات فى جميع أقاليم ودول الجوار أكثر كثيرا أو أخطر من إخفاقات السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة. يشيرون بشكل خاص إلى الشكوك التى استجدت حول «المشروع الأوروبي»، وإلى أن تجربة الاتحاد الأوروبى ومنطقة اليورو ربما قاربت درجة الانهيار. هناك دول أوروبية تتحدث الآن عن «الخروج» من الاتحاد أكثر من دول تتحدث عن الانضمام. هناك أيضا فجوة تزداد اتساعا بين دول الشمال الأوروبى ودول الجنوب، وهناك صحوة خطيرة لدى أنصار السياسات الشعبوية والنعرات القومية والعنصرية.

يشيرون أيضا إلى أوضاع دول تقع فى الجنوب من تركيا حيث يعيش العالم العربى مرحلة عدم استقرار فرضته ثورات الربيع العربى. وقد تأكد الآن لجميع الأطراف الدولية والإقليمية أن الدول المناهضة للربيع العربى فشلت هى الأخرى فى فرض استقرار سياسى فى الإقليم، بل وفشلت فى تقديم ضمانات بوقف عمليات الانفراط وعرقلة مسيرة «نهاية الدولة» فى الشرق الأوسط. هذا الجنوب كان يمثل قبل أربع سنوات بالنسبة للمسئولين الأتراك حزام الأصدقاء الذى كانت تحلم به حكومة العدالة والتنمية فى تركيا. هو نفسه يمثل لهم الآن «حزام نار» واقتتالا وإرهابا.

***

تركيا، فى رأيى، تقترب من لحظة اكتشاف أن الاتحاد الأوروبى وحلم ماضيها البعيد، أضعف من أن يحقق لها «الأوربة»، أى الاندماج فى أوروبا، واكتشاف أن العالم العربى، غير جاهز أو صالح، أو قابل ليكون القاعدة الضرورية لإقامة نظام إقليمى جديد تحظى فيه تركيا بالزعامة أو القيادة والتوجيه. فى الوقت نفسه يدرك صانعو السياسة الخارجية التركية أن أوروبا لا تملك رفاهة الاستغناء عن تركيا فى وقت يتجدد فيه التهديد الروسى. يدركون أيضا أن الطلب العربى على دور قيادى لتركيا فى الإقليم يتكثف يوما بعد يوم، وأن تركيا فى يوم قريب سوف تجد نفسها أمام خيار رفضته طويلا، وهو أن تتولى قيادة، أو المشاركة فى قيادة، تحالف مذهبى فى الشرق الأوسط. دور لم تسع إليه ولم يكن واحدا من أحلام تركيا المعاصرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved