المسيرة عسيرة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 19 يوليه 2012 - 8:45 ص بتوقيت القاهرة

هوايتى الجديدة متابعة السيدة هيلارى كلينتون صوتا وصورة. أعترف أننى أثرت فضول زميلات وزملاء لاحظوا اهتمامى المفاجئ بالوزيرة الأمريكية وإدمان ملاحقتها أينما حلت.

 

كانت إجاباتى عن تساؤلاتهم منطقية، فالسيدة كلينتون وزيرة خارجية فى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وواجبى المهنى أن أتابعها كما فعلت مع سابقتيها أولبرات ورايس. هذه المتابعة سواء كانت متقطعة أم مكثفة ومتواصلة، تكشف عن أمرين، أولهما اهتمام طبيعى من محلل سياسى بشخصية مؤثرة فى السياسة وصانعة لها، وثانيها رغبة فى الاطلاع على أحوال العالم بأسره من خلال زيارات ومقابلات تجريها السيدة كلينتون، فهى دائمة التجوال والترحال وغزيرة التصريحات والأقوال، وبالتالى تصبح متابعتها فرصة لا تعوض للتعرف على تطورات أزمات الدول ومشكلاتها والقضايا الدولية المعقدة.

 

هناك إجابة أخرى لا أتردد فى أن أفصح عنها لأنها الأقدر على تقديم  تفسير مناسب لظاهرة التركيز على هيلارى إلى حد الإدمان. لقد أذهلنى هذا التغيير الذى طرأ على السيدة كلينتون خلال العامين الأخيرين، وبتحديد أدق، خلال السنة الأخيرة. تغيرت شكلا وأقصد تفاصيل وجهها وتسريحات شعرها وأنواع الحلى الاصطناعية التى تستعملها. وبمناسبة الحلى التى تزين جيدها تذكرت أشكال «البروش» التى كانت السيدة مادلين أولبرايت تزين بها صدرها، وكيف أنها كانت ترتدى لكل مناسبة شكلا يعكس نيتها وينبئ عن موقفها حتى بات الدبلوماسيون يعرفون مقدما أنها تتعمد باختيارها البروش المناسب استفزاز محدثيها أو ترطيب أجواء لقاءاتها. عرفنا مثلا كم كانت تكره شخصا فتضع على صدرها دبوسا فى شكل ثعبان وأحيانا فى شكل عقرب.

 

نعود إلى السيدة كلينتون بعد أن تغير الكثير من تفاصيلها، تغير الوزن وتغيرت النظرة وتغيرت الخطوة، وكلها تغيرات مهمة بالنسبة لشخص مثلى تابع تطور هيلارى منذ كانت طالبة جامعية ثم محامية قبل أن تدخل مع زوجها البيت الأبيض لتعيش فيه سيدة أولى ويحدث ما حدث.

 

تلك الأيام فى البيت الأبيض كانت بمعنى من المعانى «تاريخية»، وبخاصة الساعات التى وقف فيها بيل أمام كاميرات تحقق معه فى قضية المتدربة لوينسكى. أرادت هيلارى فى تلك الأيام أن تثبت أن أعصابها من فولاذ لتستحق بها منصبا عالى المستوى. وبالفعل رشحت نفسها لمنصب الرئيس محل زوجها.

 

●●●

 

بالصدفة المحضة تبين أن جميع التغيرات التى طرأت مؤخرا على السيدة هيلارى تعكس بشكل من الأشكال التغيرات التى طرأت مؤخرا على الولايات المتحدة الأمريكية. الوجه المتعب وإن احتفظ بمسحة جمال لا يمكن إنكارها، آثار لا تخفى لعمليات تجميل تحدت الزمن أفلح بعضها فى البداية، وانهزم أكثرها فى النهاية، تسريحة شعر مقتبسة من تسريحات المزارعات الأمريكيات من عصر الهجرات الهولندية الأولى للقارة الأمريكية، وأطقم ملابس تناسب الحد الضرورى من ارتدائها لا أكثر، أى لا رفاهة ولا ادعاء ثراء وترف.

 

مرت أمريكا، مثل هيلارى، بظروف صعبة خلال السنوات الأخيرة. لا أردد ما يقوله محللون أمريكيون عن أن مستقبل كليهما، أمريكا وهيلارى أصبح مثل أساطير الهنود الحمر وراءهما، ولكنى أقول إن كثيرا مما كنا نعتبره إنجازات عظيمة معرض الآن لهزات عنيفة ونكسات قوية، نرى آثارها واضحة على وجه كل منهما، وجه أمريكا ووجه هيلارى.

 

لن أتطرق إلى التاريخ الشخصى للسيدة هيلارى، ولن أسرد إنجازاتها وعثراتها، أو العقبات التى وقفت أمام مسيرة طموحاتها، ولكنى أشير هنا إلى قضيتين أساسيتين تهمان الناس فى المجتمعات المتأثرة بأمريكا، سواء كانت مجتمعات ما زالت تحتفظ بإرادتها حرة أو مجتمعات تنازلت عنها.

 

أشير أولا، ولن أطيل فى الإشارة، إلى أزمة الاقتصاد العالمى. إذ يخيم على منطقة المتوسط كما يخيم على أمريكا شبح سقوط النظام الأوروبى، هذا النظام الذى بذلت الولايات المتحدة جهدا خارقا لتبنيه حجرا فوق حجر بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت تحميه بجيوشها حوالى نصف قرن. أمريكا تبدو متعبة وغير واثقة تماما من خطواتها القادمة، ليس فقط لأنها عاجزة عن تقديم يد العون لأوروبا كما فعلت قبل ستين عام، ولكن أيضا لأنها على وشك أن تدخل عامها الخامس، وهى مازالت تحاول إنقاذ اقتصادها من أزمة تزداد تعقيدا.

 

إن أخطر العلامات التى وجدت طريقا إلى وجه أمريكا هى تلك العلامة التى تكشف عن تفاقم عدم ثقة المواطن الأمريكى فى مستقبل بلاده. أمريكا، فى نظره، فقدت البريق والحلم والفرصة، ويتعين عليه لأول مرة فى تاريخه أن يتعلم ثم تتقن أساليب التأقلم مع واقع جديد، واقع دولة عادية وليس الدولة الاستثنائية التى لا غنى عنها.

 

●●●

 

أشير ثانيا، إلى الحماسة المتجددة لدى وزير الخارجية الأمريكية، ورفاقها من صناع السياسة الأمريكية، فى موضوع نشر الديمقراطية. لم أعش فى وقت مثل هذا الوقت حيث الديمقراطية فى قمة أمل الانتعاش وفى أدنى الأمل والإحباط. تجدد الأمل فى الديمقراطية فى الثمانينيات مع دخول دول أمريكا اللاتينية مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، وتجدد فى التسعينيات مع سقوط الشيوعية والنظم السائرة فى فلك الاتحاد السوفييتى ودخول دول شرق أوروبا مرحلة بناء الديمقراطية إن فوق هياكل النظم الاستبدادية، عاد الأمل وتجدد فى العامين الأخيرين على أصداء ثورات الربيع العربى.

 

المحصلة، وبمختلف المعايير، مازالت إيجابية. ولكن ما زالت تطورات المسيرة الديمقراطية صعبة ومعقدة، ومازالت قائمة احتمالات توقف المسيرة بل وعودتها إلى الوراء فى عدد كبير من الحالات. المشكلة الأخطر من وجهة نظرى ليست فى سقوط الديمقراطية فى تجربة أو أخرى، ولكن فى «تشويه» الديمقراطية بالالتفاف حولها أو بتشديد الخناق عليها. وقد رأينا خلال الأسابيع الأخيرة أساليب عديدة تستخدم فى تشويه الديمقراطية أو الالتفاف حولها أو إسقاطها.

 

رأينا فى بعض الدول حملات ضد المؤسسات الديمقراطية، حتى بتنا نعيش مرحلة انحدار سريع للمؤسسات، تتراوح بين انهيارات كاملة لجميع المؤسسات مثل الحالة الصومالية وبين الانقلابات غير العسكرية بالضرورة مثل الانقلاب التشريعى الذى وقع مؤخرا فى الباراجواى ضد السنيور لوجو رئيس الجمهورية، والانقلاب التشريعى فى بوخارست ضد الرئيس ترايات بيسسكو ومحاولة رئيس الحكومة فيكتور بونتا «تفكيك» مؤسسة القضاء عندما أصدر قانونا استثنائيا يقضى باستبعاد سلطة المحكمة الدستورية لصالح هيمنة تحالف الأحزاب اليسارية. تجرى هذه المحاولات فى رومانيا بعد أن جريت فى المجر، وأظن أن ما يحدث فى مصر ضد المؤسسات يعبر بصدق عن حال فوضى سائدة فى عديد المجتمعات.

 

●●●

 

هناك أيضا هذه الظاهرة الملفتة. مظاهرات واعتصامات تحاصر رموز الدولة ومؤسساتها فى عدد متزايد من الدول. فى المكسيك مثلا فاز فى الانتخابات الرئاسية «إنريكى بينيا نييتو»، المنتمى إلى الحزب الجمهورى الثورى الذى حكم المكسيك قرابة تسعين عاما بالحديد والنار والفساد، حتى أسقطته انتخابات رئاسية أجريت تحت رقابة خارجية. لم يرض اليساريون عن فوز السنيور نييتو فخرجت المظاهرات وفى النية إثارة الفوضى السياسية فى المكسيك، وبخاصة بعد سبتمبر القادم عند إعلان النتائج النهائية. فى المكسيك كما فى غيرها تختفى وراء الشعارات السياسية حقائق أخرى يصب أغلبها فى خانة ثورة اجتماعية عالمية فى مرحلة الإعداد.

 

جاءت هيلارى كلينتون إلى القاهرة بعد أن نقلت إلى الآسيويين القلق الشديد الذى يساور أمريكا فى شأن مسيرة الديمقراطية فى آسيا، ألقت خطابا فى عاصمة منغوليا استخدمت لفظ الديمقراطية أربعين مرة، وتعمدت الإيحاء بأن منغوليا يمكن أن تكون نموذجا تستوحى منه الصين مزايا الديموقراطية، باعتبار الرأى الأمريكى القائل بأن الصين تمثل العقبة الرئيسية أمام تقدم مسيرة الديمقراطية الغربية. قد يكون فى هذا التصرف من جانب السيدة كلينتون نوع من السذاجة، ولكنه قد يكون أيضا علامة من علامات التعب البادية على وجه أمريكا والديمقراطية الغربية وهيلارى كلينتون ذاتها. أن تكون منغوليا أو ميانمار نموذجا للديمقراطية لهو دليل على حجم الصعوبات التى تواجهها مسيرة الديمقراطية. تأتى فى مقدمة هذه الصعوبات الموقف العنيد والشرس من جانب الصين وروسيا فى التصدى للتدخل الأمريكى. تأتى أيضا جاذبية النموذج الصينى للدول الناهضة حديثا وبخاصة البرازيل، ومدى التهديد الذى تمثله هذه الجاذبية الزاحفة على إفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول شرق أوروبا.

 

نقرأ عن التخبط فى السياسة الخارجية الأمريكية وهناك ما يبرر هذا التقييم. هناك التدخل فى شئون روسيا والصين الداخلية وما يقابله من ردود فعل تدفع ثمنها شعوب كثيرة. هناك عسكرة إفريقيا وصعود حركات مقاومة للتدخل العسكرى الأمريكى وكلها تداعيات ترفع من درجة حرارة القارة فى أوقات عصيبة. هناك أيضا غضب فى ألمانيا ودول أوروبية أخرى بسبب ضغوط وسياسات أمريكية متناقضة تجاه الأزمة الاقتصادية. وهناك هذه المواقف غير المدروسة التى كشفت عنها زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لمصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved