أن تعيشى مع ذواتك

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

أتذكرها فى الملاهى ممتطية حصانا خشبيا يدور بها دورة بعد دورة على أنغام طفولة صاخبة. أتذكر شعرها الأسود وقد امتطى الريح بعد أن حررته من أسر شريط حريرى أحمر كان هناك واختفى. أتذكر نظرتها الملحة وقد توقفت الأحصنة عن الدوران لأهرع اليها أحملها من فوق ظهر حصانها وأنزل بها من « الكاروسيل». أتطلع إليها لأنعم ببعض ما يفيض من سعادتها فأرى انتباهها وقد راح فى اتجاه العجلة الحديدية العملاقة. اشتهرت العجلة منذ اختاروها لتزين الصور السياحية لهذه المدينة الرائعة المطمئنة دائما إلى مزايا موقعها فى وسط أوروبا وإلى تاريخها الخلاب.
***
تنقلت صغيرتى حتى كبرت بين مدارس فى مدن كثيرة، مدارس تتحدث لغات مختلفة وتلاميذها من شعوب متباينة فى اللون والشكل وفتلات الشعر ونعومة الجلد واتساع العيون. انتقلت إلى الجامعة ثم أخرى لتضيف إلى ما اكتسبته فى السابق خبرات أكثر فى الحياة وخلاصات من تجارب شبابها وشباب زملائها. تخصصت ثم تزوجت ثم أنجبت ثم التقينا بعد غياب طويل. 
هنأتها على ما حققت على الصعيدين، صعيد الفعل وصعيد العمل. علقت على تعمدى الفصل بين الفعل والعمل. قالت لعلك أحد القلائل الذين يوجهون الشباب حديثى التخرج نحو تكثيف جهود البحث عن ذواتهم ولو على حساب البحث عن عمل. ما يحدث فى معظم الحالات هو أن شبابنا يتخرجون وفى اللحظة التالية تجدهم فى سوق العمل. لا شك فى أن الأكثرية العظمى فى أمس الحاجة، ماديا واجتماعيا، إلى الارتباط بعمل. ولكن لا شك أيضا فى أن الشاب نفسه والوظيفة التى شغلها فور تخرجه والوطن الذى استثمر كثيرا فى تعليم هذا الشاب وحمايته، كلهم حصلوا على شخص لم يتعرف بعد على ذاته، وبمعنى أدق لم يتعرف على كل «ذواته».

***
معظم الشبان الذين عرفتهم إذا سئلوا عما يفعلون فى حياتهم وبحياتهم يجيبون، نعمل فى شركة كذا أو وزارة كذا أو لدى عملى الخاص، لا يميزون بين الفعل والعمل لأنهم نشأوا فى بيئة تعتبر الشاب اكتمل يوم توظف. قليلون، ولكن يزدادون مع الوقت، الشبان الذين يستمرون فى البحث عن الذات. يشعرون، وربما يعرفون عن ثقة، أنهم غير مكتملين. هؤلاء القليلون يعرفون أن ذواتهم كثيرة جدا وبعضهم أظنه قرأ ما كتبه فى عام 1977 بابلو نيرودا، الشاعر الشيلانى الرائع، تحت عنوان «نحن كثيرون». يقول نيرودا ما معناه إنه «عندما أكون قد رتبت نفسى على أن أبدو أمام الآخرين مثقفا وذكيا، يفاجئنى الأبله والغبى الذى يسكن داخل شخصى فإذا به يقفز ليتصدر الحديث باسمى ويقول كلاما تافها وعبيطا وغبيا».
كلنا شهود على حالات من هذا النوع أو شركاء فيها. كم مرة دخل كل منا امتحانا شفهيا فجاءت إجاباته دون مستوى ما عرف وما حفظ. مرات عديدة تخرج من داخلنا ذات أخرى لا نعرفها تبهر الحاضرين بطلاوة لسانها وسعة مداركها وخفة ظلها. كثيرا ما أسر لى شبان، من الجنسين، أنهم ذهبوا إلى لقاء عاطفى بعد سعى طويل وجهد كبير واستعداد وتدريب، فإذا باللسان يعجز فيتلعثم وبالدم المتدفق بغزارة فى عروق الرقبة والوجه يفضح الخجل، وقطرات العرق فى عز الشتاء تنهمر وإذا بالنظرات تزوغ. هذا كله من فعل ذوات أخرى تسكنهم.
***
لا تسخر من كهل أو شاب يجد ويجتهد فى البحث عن الذات. الرئيس السادات نشر كتابا بعنوان البحث عن الذات. هذا الرجل اختار وهو شاب العسكرية مهنة والنضال السياسى عقيدة والتمثيل هواية والثورة هدفا. وفى مرحلة أخرى من عمره اختار الصحافة والإعلام وظيفة والعمل الإسلامى تكليفا وواجبا وتمثيل الشعب فى مجلس للأمة دورا، وفى مرحلة لاحقة قاد البلد نحو حرب ضد عدو لدود ثم فجأة إلى صلح معه. ذوات عديدة كشفتها أعماله وهواياته ومع ذلك عاش إلى آخر حياته باحثا عن ذوات لم تعلن عن نفسها. كلنا هذا الإنسان. لا أقصد السادات طبعا ولا غيره تحديدا إنما استعنت به لأنه أحد قليلين مستعدين للاعتراف بأن جدول هوياتهم ظل مفتوحا، وأنهم ربما عاشوا إلى نهاية العمر غير راضين تماما عما حققته ذواتهم غير المكتملة.
سومرست موم كان يقول إن شخصيته حصيلة اجتماع أشخاص عديدين فى شخص واحد. قال ما معناه إن الشخص الموجود الآن أمامكم له اليد العليا فى تصرفات الأشخاص الآخرين غير الظاهرين لكم وسوف يترك مكانه إن عاجلا أو آجلا لشخص آخر منهم. وفى هذا الشأن يقول سكوت فيتزجرالد إنه لا يعرف روائيا جيدا كتب سيرة حياة جيدة. ولن يحدث. الروائى الجيد هو أشخاص عديدون فى شخص واحد، فسيرة أى شخص من هؤلاء سيكتب؟ إنها الفوضى الشاملة. كتب الكاتب البرتغالى فرناندو باسوا يقول إنه عاش حياته من خلال خمسة وسبعين شخصية، كان يشعر مع كل منها أنه ولد من جديد. أعرف ناقدا عاش يعتقد أن كاتب السيرة الذاتية، أيا كانت مهنته وتاريخه، هو روائى لأنه اصطنع أو اكتشف أكثر من شخصية لنفسه خلال كتابته سيرته الذاتية وبعضها لم يكن يعلم بوجوده. 
***
عقبت صغيرتى التى لم تعد صغيرة بقولها، كثيرا ما كنت أتوقف أمام صديقة أو زميلة تقول، وجدت نفسى. كدت فى كل مرة أسال هذه الصديقة وتلك الزميلة «أين وجدت نفسك، متى ضاعت منك، وكيف ضاعت، هل أسأت إليها، إلى نفسك أعنى، أم قررت نفسك من تلقاء ذاتها التخلى عنك لأنك صرت تفضلين نفسا أو هوية أخرى عليها؟ هل خنت عهدها فتركتك إلى غيرك؟ أنت حين تبحثين عن النفس أو الذات فأنت تعترفين فعلا وحقيقة أن ما لديك من هويات لم يعد يكفى للتعامل مع التغيرات العديدة التى تلحق بك وبنا جميعا. الحياة موجة أحداث. تلاحقنا الأحداث ونحن نكبر فى العمر. نكبر ونتغير فى الوقت نفسه، ومع كل تغيير قد نحتاج إلى إدخال تعديل على ترتيب ذواتنا أو نبحث عن ذوات جديدة. 
***
فى بلادنا يهتمون بالأصل للتعرف على ذات أو أهم ذوات الشخص. الأمريكيون يرفضون العودة إلى الماضى، وهو الرفض المستند إلى التقدير الكبير فى الثقافة الأمريكية الذى يولونه لمبدأ العصامية. هناك فى أمريكا لا يسألون من أبوك، فى أوروبا يسألون. يقول الأمريكى، أنا أنشأ من لا شىء. أنا بلا ماضى. أنا برئ من الماضى، أحمل فى داخلى تراث البراءة والطهارة من أسطورة آدم وحواء. أسطورة البراءة الكاملة. بمعنى آخر أنا أصنع ذواتى ولا أرثها، لا يهمنى فى حياتى إلا المستقبل. لا أنظر ولن أنظر إلى الخلف. 
***
أعود إلى المرأة « المكتملة» التى جلست معى لتذكرنى بنفسها طفلة تدور بحصانها فى عالم من الملاهى البريئة. قالت ترانى اكتملت وأنا لم أكتمل. فى داخلى ما زالت تعيش هذه الطفلة التى رأيها وحملتها ذات يوم بين ذراعيك. تدفعنى دفعا فى أحيان كثيرة لأعيش عيشتها. وبالفعل أفعل. أنا أعيش سعيدة مع ذواتى، لا أغفل حق واحدة منها ولا أخجل من أخرى وأعرف أن هناك فى داخلى ذوات أخرى لم أعشها بعد وسوف أظل أبحث عن ذوات وأصنع هويات. صديقى، صارت متعة حياتى البحث عن ذواتى.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved