تزوير الربيع العربى.. سقوط الجمهوريات الملكية يزكى ملكيات النفط.. الديمقراطية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 19 أكتوبر 2011 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

من طرائف عصرنا، أن الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف وكأنها القيادة المركزية لحركة التغيير التى تجتاح منطقتنا العربية، مشرقا ومغربا، فتسقط الدكتاتوريات التى كانت تحظى بالدعم الأمريكى المفتوح وتكاد تصنف فى خانة «الأصدقاء الكبار»، وتعتبر من «ضمانات الاستقرار» فى هذه المنطقة، ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى.

 

يتصل ذلك بأن الملكيات العربية ومعها المشيخات والإمارات والسلطنة تكاد تنتدب نفسها لحماية حركة التغيير هذه، فتتخذ موقع المبشر بانتصار إرادة الشعوب (خارج أراضيها طبعا) والساعى لضمان الاستقرار وتوفير مستلزماته مهما بلغت التكاليف!

 

وبديهى أن تتجمع الأنظمة المعادية بطبيعتها للجمهوريات والدساتير والديمقراطية والانتخابات والأحزاب خلف الإدارة الأمريكية للتهليل «للربيع العربى» وإنجازاته الثورية العظيمة، التى جعلتها المصادفات القدرية، تنحصر أو تحاصر فى فضح الأنظمة الجمهورية وإسقاطها، أو العمل للتخلص من تشابهها المريب مع الملكيات والسلطنات والمشيخات، حيث الملك لعائلة بالذات، يتوارثها الأبناء أو الأشقاء كابرا بعد كابر.

 

ولقد استخدمت موجات التغيير، التى أطلقها «الربيع العربى» وما تزال تتوالد بالتتابع فى مختلف الأقطار، مشرقا ومغربا، لتزكية الأنظمة الملكية أو شبه الملكية فى الأرض العربية وكأن الخطأ فى النظام الجمهورى ذاته وليس فى الممارسات الدكتاتورية لمن ساقته المقادير إلى سدة السلطة فى الجمهوريات.. أو لكأن الثورة تختص بالجمهوريات، علما بأن أنظمتها التى تتوالى سقوطا، قد أخذت من الملكيات أسوأ ما فيها، لتصبح من بعد مصدر التشهير بالنظام الجمهورى ذاته، ومصدر تزكية لأنظمة السلاطين ومشايخ النفط التى عرفت ــ بالتواتر ــ عن الانتخابات وافترضت انها محصورة بالبلديات الممتازة فقط، وأن حق ممارستها يخص الرجال وحدهم، أما الحريم فللإنجاب وامتاع الذكور والخدمة فى المنازل.

 

من باب إنعاش الذاكرة لابد من الإشارة إلى أن الأنظمة الجمهورية التى زلزلها فأسقطها الربيع العربى، أو كاد، كانت بمجملها موضع إشادة وتنويه من طرف واشنطن.. لقد ظلت الإدارة الأمريكية ترعاها وتساندها وتنحاز اليها ضد انتفاضات شعوبها حتى تيقنت من أن سقوطها حتمى، فإذا بها تتخلى عنها قبل صياح الديك، بل وتبالغ فى إدانتها بعدم الاستماع إلى إرادة شعوبها، نفاقا للجماهير الثائرة وإيحاء بأنها راعية الثورات وقائدة مسيرة الشعوب إلى التحرير والعزة والكرامة و.. الديمقراطية!

 

●●●

 

وكلنا يذكر أن الإدارة الأمريكية، برئيسها ووزيرة خارجيتها وكبار رجالات المخابرات فيها، ظلت على تواصل مع الرئيس المخلوع حسنى مبارك تسانده وتؤكد دعمها له، حتى اللحظة الأخيرة، مشيرة عليه بتلبية بعض المطالب، ومنها التخلى عن فكرة أو مشروع التوريث، فتحميه وتضمن له أن يكون له رأى فى «خليفته» حتى لا يأتى من يحاسبه على ما ألحقه بمصر من أذى معنوى خطير ومن تدمير مادى نتيجة النهب المنظم ــ بإشرافه ورعايته ــ لخيرات هذا البلد العظيم!

 

كان هم الإدارة الأمريكية إلا يمس التغيير المصالح الأمريكية، وألا يقارب صلح الإذعان مع إسرائيل، ومن ضمنه ضمان استمرار ضخ النفط والغاز اليها وبالأسعار المتدنية إلى حد الإهانة.. وربما لهذا عملت واشنطن على التعجيل بالتغيير من فوق، وقبل أن يفرض «الميدان» التغيير بشروطه فيسقط النظام برموزه جميع ومعها اتفاقات الإذعان التى كانت تسترهن إرادة الشعب ومقدرات بلاده.

 

وفى تونس تركت الإدارة الأمريكية لرعونة الرئيس الفرنسى ساركوزى أن يستعجل «احتواء» الانتفاضة، بينما هى فى ذروة اشتعالها، ثم تقدمت بهدوء للتثبت من أن الثوار تحت راية البوعزيزى ليس لديهم مشروع للتصادم المباشر مع الخارج لأن همومهم فى الداخل ثقيلة، وهى تحتاج جهودهم بالكامل، وبعدئذ يمكن الالتفات إلى العلاقات مع الدول، مع الحرص على تجنب استعداء أى منها، وبالتحديد الإدارة الأمريكية.

 

ولعل بين مصادر اطمئنان واشنطن أن الثورة التى لم تكن قيادتها الحقيقية قد ولدت ــ بعد ــ فى الميدان، سرعان ما أسلمت قيادها إلى رجال العهد الذى أسقطته، مكتفية بأن تسمع منهم إعلان البراءة من الطاغية بن على، ريثما تتفق أطرافهم على إعادة صياغة النظام جميعا بما يسمح بتسليم السلطة إلى الثورة.. ديمقراطيا.

 

أما فى ليبيا، حيث الثروة النفطية الهائلة فلم يكن مسموحا أن يترك الأمر للمصادفات أو للهواة من الشبان الطيبين الذين أمدتهم بالأمل انتفاضة تونس ثم ثورة مصر.. وهكذا كان لا بد من فتوى عربية بالتدخل، ثم من ضمان خفوت أصوات المعترضين دوليا، تحت الإغراء بنيل حصة من الثروة، فتقدمت جامعة الدول العربية عائدة إلى الحياة لكى تصدر تلك الفتوى التى أباحت ليبيا للدول القادرة على أخذها حربا، مع تغطية يوفرها ضحايا عهد الطغيان القذافى.

 

ومع أن أمر الانتفاضات فى المشرق العربى مختلف نوعا لأسباب تتصل بموقع هذه الدولة أو تلك أو بدورها أو بمخاطر التفكك والتشظى فى أتون حروب أهلية لا تبقى ولا تذر، فان موقف الإدارة الأمريكية منها يثير المزيد من الريب والشكوك فى الهدف من الإبهام الذى اعتمد كسياسة تعلن «إفلاس» هذا النظام أو ذاك، ثم «تنصح» بترك الزمن يفعل فعله، لأن المعارضات غير جاهزة وغير قادرة على الوصول بالثورة إلى سدة الحكم.

 

●●●

 

بالمقابل، فان الأنظمة الملكية والسلطانية، تندفع فى تأييد الانتفاضات العربية إلى حد تبنيها، ولعلها فى لحظات قد أعلنت أنها هى التى حركت الجماهير المقهورة والمسحوقة بالقمع وحرضتها على الثورة، مع وعود بأن تجزل لها العطاء وأن تضمن تسويقها فى العالم اجمع، وانطلاقا من واشنطن التى لا يسمح لها دورها الكونى بإعلان موقف صريح إلا أن أجهزة مخابراتها بالتصرف!

 

وما من شك أن الخطايا المميتة التى ارتكبها العديد من الأنظمة الجمهورية قد وفرت للأنظمة الملكية والسلطانية، ليس فقط أن تستعيد اعتبارها، بل وأن تتصدى لادعاء دور قيادى فى إشعال الثورات العربية وفى تأمين شروط النصر لها على الطغاة.

 

على هذا فقد انتقلت الأنظمة الملكية من الدفاع إلى الهجوم مستفيدة من السقوط السريع لدكتاتوريين وصلوا إلى السلطة بالمصادفة أو بالمؤامرة أو بخيانة من ولاهم. بل إن هذه الأنظمة قد عاشت فى نشوة عارمة وسعادة بالغة، وهى ترى الرؤساء يحولون جمهورياتهم إلى إقطاعيات عائلية، مقتدين بالممالك والإمارات والمشيخات، مع الفارق بين الأصيل والمقلد. فالرأس جمهورى، شكلا، وملكى بل إمبراطورى بالاستفتاء الذى أوله نعم وأخره الحكم مدى الحياة. ومن جاء بالتزوير يخرج من الجمهورية ليدخل نعيم الملكيات، ولو أن نظامه ليصبح أكثر هشاشة وموضع طعن فى شرعيته. ولكن من سوف يطعن، ومن سيفيد طعنه اذا كانت الإدارة الأمريكية ومعها الملكيات العربية حاضرة للإسناد معنويا وماديا؟ وهكذا يمكن للمطعون فى شرعيته أو فى شعبيته أن يشترى تأييد واشنطن بسيادة بلاده، وان يرهن بعض ثروة وطنه وأرضها ومعظم أمنه لإسرائيل، حتى تخرج من الصراع أو تخفى دورها فيه.

 

وهكذا بات سقوط الملوك الجمهوريين، المزيفين فى الحالين، مزورى الانتخابات، ناهبى ثروات البلاد، راهنى إرادتها لدى الأمريكى والإسرائيلى، تزكية لملوك «العائلات المقدسة» المطهرة بالنفط والحماية الأمريكية ــ الإسرائيلية.

 

●●●

 

إن الربيع العربى يتعرض لعملية تزوير هائلة.. فباسمه وعلى نيته منحت صكوك براءة وتزكيات مجانية للأسوأ من أهل النظام العربى.

 

على أن الأمل، أن الأصل فى حركة الثورة العربية ما زال يقاتل من أجل أهدافه الفعلية، وهو يعى أن أمامه الكثير من الألغام والمخاطر واحتمالات التطويق والإغراءات المذهبة للانحراف.

 

والثورة صناعة التاريخ، وهى مهمة جليلة لا يمكن إنجازها بسرعة الضوء، والمهم أن يكون الثوار مؤهلين وقادرين على حماية ثورتهم الباهرة، مصدر الأمل فى غد عربى أفضل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved