تعب القرار

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 19 أكتوبر 2011 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

تعلمنا أنه لا يجوز أن يتخذ صانع القرار قرارا وهو منهك أو مريض أو مكتئب أو مشوش الفكر . وقرأت منذ أيام أن باحثين متخصصين فى علم النفس الاجتماعى توصلوا من خلال دراسات ميدانية إلى أن صانع القرار أيا كان مستوى أو موضوع قراره، لا يجوز أن يتخذ قرارا فى نهاية يوم استنفد أغلبه يختار بين بدائل. ثبت لهم، وبالتأكيد كما يزعمون، أن إرادة الإنسان تضعف إذا انحسرت الطاقة التى يحتاجها المخ لاتخاذ قرار بين بدائل متعددة، فينتهى الأمر بصاحب الأمر إلى اتخاذ قرار غير ملائم أو غير لائق.

 

●●●

 

أعتقد أن كثيرين مثلى لم يفكروا قبل اليوم فى السبب الذى دفع بصاحب السوبر ماركت ليرص أمامك عندما تصل إلى « الكاشير» أنواعا شتى من ألواح الشيكولاتة والحلوى. لم نفكر كيف اجتمع كل أصحاب محال السوبر ماركت فى جميع دول العالم رغم اختلاف الثقافات على هذا الأسلوب لترويج هذا النوع من المأكولات. الآن وبفضل دراسات علم النفس الاجتماعى، صرت أعرف أن خبيرا نصحهم بأن الزبون الذى يقضى ساعة أو أكثر يختار بين بدائل يصل إلى مكان دفع الفاتورة، وقد هوت إرادته إلى الحد الذى يجعله بضعف أمام «المحرمات» أو المغريات فيشترى سلعا غير لازمة أو ضرورية.

 

دراسات أخرى أثبتت أن الطاقة التى يستخدمها الزبون أثناء الجهد العصبى الذى يبذله وهو يختار بين بدائل تكون قد استنفدت واحتاجت إلى إعادة شحن. يأتى التعويض وإعادة الشحن عن طريق الجلوكوز الموجود فى الحلوى والشيكولاتة التى اصطفت خصيصا.

 

من ناحية أخرى قام الباحثون بمراقبة الزبون الذى يدخل الى السوبر ماركت ليشترى سلعة واحدة من ماركة بعينها وبثمن بعينه ولاحظوا أنه لم يلتفت إلى ألواح الشوكولاته والحلوى عندما وقف أمامها ليدفع ثمن ما اشتراه.

 

●●●

 

قيل أيضا إن الأم عندما تيأس من إقناع رضيعها بتناول حليبه أو طعامه، فإنها تضع أمامه لعبا متعددة الألوان والأحجام ظنا منها أنها تلهيه، بينما هى فى حقيقة الأمر تجعله ينشغل باختيار ما يريد أن يلعب به فينهك ذهنيا وتضعف قدرته على المقاومة والرفض، أى تضعف إرادته، وعندها يسهل على الأم إطعامه، وقد تأكد للباحثين هذا الأمر حين اكتشفوا أن قبضة يد الطفل ترتخى وتضعف متزامنة مع ضعف عزيمة رفض تناول طعامه.

 

●●●

 

بعضنا يذهب إلى محل شراء الملابس الجاهزة ويقضى وقتا طويلا ليختار بين مقاسات وألوان وأذواق وموديلات تعديدة وتنوعة. أحيانا نشعر بالتعب الجسمانى ولكن فى غالب الأحوال يحل بنا التعب الذهنى بسبب ما فقدناه من طاقة أثناء عملية اتخاذ القرار. ينتهى الأمر عادة باللجوء للبائع نسأله الرأى والمشورة، وفى الغالب نأخذ بها. وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن البائع الماهر هو الذى ينهك ذهن الزبون فى الاختيار بين البدائل حتى تأتى اللحظة المثالية، لحظة ضعف الإرادة، فيفرض عليه ما يريد هو بيعه وليس ما يريد المشترى شراءه.

 

●●●

 

مارسناها فى الدبلوماسية قبل أن تصبح درسا نلقنه للأجيال الجديدة. الدبلوماسى الشاطر هو الذى يتفوق بصبره ودأيه على المفاوض من الطرف الآخر فيعرض عليه خيارات عديدة ليختار، من بينها نعرف جميعا أن الفائز فى النهاية هو من احتفظ بإرادته قوية وسليمة حتى اللحظة الأخيرة من التفاوض. ولا يحفظ الإرادة قوية وسليمة سوى التشبث بموقف أو موقفين ورفض الوقوع فى حبائل الاختيار المتعمد بين بدائل وخيارات متعددة . تأكد دوما أن المفاوض الذى ينتهى بالاقتناع برأى خصمه وموقفه إنما يفعل هذا لأن إرادته ضعفت تحت ضغط البحث عن أفضل الخيارات المطروحة عليه.

 

نصيحة ترددت كثيرا على مسامعنا ونحن فى أول الطريق: لا تتخذوا قرارات فى نهاية يوم حافل بمواقف استدعت دراسة اختيارات متعددة، حتى إن بعض أنظمة القضاء فى الخارج تمنع القضاة من إصدار أحكام، وهم منهكون وطاقتهم الذهنية مستنفذة فالحكم تعريفا هو قرار بين بدائل. و«إذا تكاثرت الاحكام خلال النهار لابد وأن يصل ذهن القاضى إلى حالة إنهاك لا يصح عندها إصدار حكم فى قضية معروضة عليه خاصة، وقد اتضح أن أحكاما ظالمة كثيرة هى التى يصدرها قضاة فى نهاية يوم حافل بالأحكام.

 

●●●

 

بعد أسابيع، سيجد المصريون أنفسهم وقد تعين عليهم اتخاذ قرار بشأن أى حزب يصوتون له ليمثلهم فى البرلمان. ويبدو من إحصاءات غير موثقة أن عدد الأحزاب فى ازدياد مستمر. بمعنى آخر ستكون مهمة الاختيار بين أحزاب عديدة مهمة مرهقة ومنهكة، مما يزيد الاحتمال بأن الناخب الذى أنهكه الاختيار سيكون هدفا سهلا للقوى الساعية للحصول على أصوات ناخبين ضعفت إرادتهم وفقدوا القدرة على المقاومة، ولم يعد يشغلهم سوى البحث عن من يخلصهم من الحيرة والتردد ويفرض عليهم ألواح الشوكولاتة والحلوى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved