سقوط الدولة العربية بين «داعش» وإسرائيل

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

بقدرة قادر، أو بسحر ساحر، أخرج «العرب» أنفسهم من ميدان المواجهة مع تنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» واسم الشهرة «داعش»، وتركوا الأمر لصاحب الأمر حامى حمى الإسلام (والعروبة؟): الولايات المتحدة الأمريكية، ومن تختار من حلفائها الغربيين (وبعض العرب) ممن يرغب فى تخليص عالم القرن الحادى والعشرين من هذه الآفة الخطيرة التى تهدد الحضارة الإنسانية، وتسعى لتدمير التاريخ وإعادة العالم العربى الإسلامى إلى الجاهلية.

من قبل، حدثت تجربة مماثلة وحققت نجاحا باهرا: أخرج العرب أنفسهم، بأكثريتهم الفاعلة (جيوشا ومالا وخبرات) من ميدان الصراع العربى ــ الإسرائيلى، وتركوا لصاحب الأمر حامى السلام والاستقرار فى «العالم الحر»، قضيتهم المقدسة، فلسطين، يقضى فيها بما تشاء عدالته، وجلسوا ينتظرون... ولأن إجراءات العدالة الدولية بطيئة والعدو الإسرائيلى يعرف أهمية الوقت، بينما العرب يؤمنون بالمقادير، فقد انتهى الأمر بأن خرج العرب من فلسطين نهائيا وتركوها للعدالة الدولية التى تحرسها العين الأمريكية الساهرة معززة بالسلاح الإسرائيلى المتفوق، حتى من قبل مفاعل ديمونة النووى.

أين وجوه التشابه فى الميدانين؟

إنها أكثر من أن تُحصى! ليس أولها الغفلة العربية التى تتمثل فى ألف وجه ووجه، قد يكون أهمها أن «الدولة» بين أنظمتهم الحاكمة نادرة الوجود، وأنها حيثما وجدت فهى «مصادرة» من حاكمها وحاشيته أو من أصحاب المال... والمال صاحب نفوذ لا يحد، ثم أنه يملك «مشروعه»، ولديه القدرة على تطويع «النظام» الآتى من خارج الإرادة الشعبية، أى تلك اللعنة المسماة بـ«الديمقراطية»، لمصالحه التى يمكن أن تصبح شركة مساهمة لكل قادر فيها نصيب بحجم قدراته!

<<<

وفى العودة إلى «داعش» وقدراتها غير المحدودة فى خلخلة ما كان يسمى قديما «النظام العربى»، والذى كان قد باشر مسيرة انهياره عبر انتفاضات الميدان، انطلاقا من تونس، قبل أربع سنوات، فإن مصدر قوتها الأساسى كما دلت التجربة تمثلت فى ضعف الأنظمة التى واجهتها أكثر مما فى جحافل غزوها الآتى من الجاهلية بسيارات يابانية وآليات تواصل أمريكية وتسهيلات تركية وتشكيلة سلاح «أممية».

كانت السماوات العربية مفتوحة والأرض تمتد أمامهم بلا حدود ولا من يحرس الحدود، لأن الجيوش كانت مشغولة ومبعثرة ومنهكة بصراعات الداخل التى لم توفر أى سلاح، بما فى ذلك المحرمات كالطائفية والمذهبية والجهوية والعشائرية فى «حروبها» على السلطة... وبالتالى فقد كانت «الدول» مغيبة ومتهالكة، تتوزع أرجاءها تنظيمات مسلحة هى انعكاس للصراع على السلطة بين «المكوّنات الفاعلة» التى استدعت «التدخل الدولي» سياسيا، فى البدايات، ثم مخابراتيا، إلى أن تلاشت «الدول» المعنية وبرزت إلى السطح صراعات القوى الفاعلة وذات القدرة على التأثير، على أطراف السلطة، خصوصا وأن «المال العام» قد صار منهوبة مفتوحة، فصارت الطريق سالكة وآمنة أمام «التدخل من فوق» أى بالطيران الحربى، ثم تبدت الحاجة إلى العمل العسكرى على الأرض، فاستُقدم «الخبراء» ثم «الأدلاء» وبعدهم المدربون أصحاب الخبرات فى «الحروب الأهلية»، وقد نظموا أو شاركوا فى الإشراف على العديد منها فى مختلف أنحاء العالم.

<<<

اختلف الزمان وتبدلت المعايير... وهكذا فتح العرب سماواتهم وأرضهم أمام طيران «الحلفاء الجدد» ممن كانوا يوصفون بـ(الامبريالية) أمريكا والاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) ومعهم من رغب فطلب من أصدقائهم (أهل الأرض) الحكام العرب، ففتح هؤلاء خزائن الذهب، وتحملوا الخسائر المقصودة فى مداخيلهم من النفط والغاز... بل إن هؤلاء «المحررين» قد طلبوا فاستجيب إلى طلبهم بأن يشارك بعض طيرانهم الحربى بأعلامه العربية المميزة بطيارين وطيارات (كان ظهورهن أمرا مفرحا..) من أبنائهم وبناتهم، فلذات أكبادهم المتحدرات من «قحطان»، فى هذه الحرب المقدسة ضد مشوّهى الدين الحنيف.

لقد جمع «العدو الجديد» الآتى من أعماق الجاهلية، معززا بأحدث الأسلحة وآخر ما تم ابتكاره فى عالم الاتصالات، أشتاتا من الناقمين والغاضبين والمحبطين والمغامرين فى أربع رياح الأرض العربية، وكذلك فى المغتربات الأوروبية على وجه الخصوص، ثم الأمريكية، تحت لواء «القاعدة» فى البدايات، ثم بالاستقلال عنها بعدما انتبه المنظمون الجدد من أعضاء ذلك التنظيم الذى باغت العالم كله بقدراته، إلى ابتعاد «القاعدة» عن الشئون والشجون فى البلاد العربية وأولها وأخطرها: إسرائيل.

<<<

فى الماضى القريب، وإلى ما قبل اتفاقات الصلح مع من كان يحتكر صفة «العدو» بالنسبة للعرب، إسرائيل، كانت فلسطين هى «القضية»... فى ظلال الكفاح من أجل تحريرها يتلاقى «المجاهدون» مع الأنظمة التى وصل رجالها إلى السلطة باسم «فلسطين» وحكموا طويلا باسمها.

أما وقد تراجعت «القضية المقدسة» عن موقع الصدارة فى اهتمامات النظام العربى الذى قامت «شرعيته» على أساس «أنه ذاهب إلى فلسطين»، ثم وجد من الأعذار ما يشغله عنها: فلا بد من بناء «الدولة» بجيشها أولا، ثم بمؤسساتها المؤهلة والقادرة على الإسهام فى بناء الدولة القوية والمؤهلة للانتصار... وعلى هذا فلا بد من «تصفية كل القوى المعادية التى ترتبط بالإمبريالية والاستعمار»، ولا بد من العمل على توحيد العرب وبناء قدراتهم المؤهلة لمواجهة هذه «الدولة العصرية» التى يحتضنها الغرب كله ويحرص على جعلها الأقوى من العرب مجتمعين..

كانت العقبة تتمثل فى القوى السياسية المنظمة، قومية، تقدمية، وطنية. وكان لا بد من استيعابها بمختلف الوسائل، الرشوة بالوظيفة أو بإشراكها فى المغانم، وإلا فالسيف والسجن.

وعبر صراع الأنظمة مع المجتمعات التى حكمتها، تمت تدريجيا إعادة الاعتبار إلى الشعار الدينى، باعتباره قد يكون طريق الخلاص... ولقد ساهمت هذه الأنظمة فى تعزيز بعض التنظيمات الإسلامية، سواء عن طريق إشراكها فى السلطة بموقع خلفى، أو عن طريق تشجيعها على العمل فى الأرياف لاستقطاب المتدينين وضمان ولائهم للسلطة.

تعددت الرايات الإسلامية بتعدد الأحزاب والحركات السياسية التى رفعت شعار «لا إله إلا الله».. وسُفكت دماء غزيرة فى العديد من الأقطار العربية (والإسلامية) باسم الدفاع عن الدين أو تحت راية إعادة الدين إلى مواقع الحكم، وبالخلافة أساسا.

ارتدى عسكريون يحكمون شعوبهم بالانقلاب ملابس الأولياء الصالحين، وتقدموا الصفوف يؤمون صلاة الجمعة ويخطبون موظفين الآيات البينات لأغراض سياسية مباشرة.

نبت فجأة مشايخ بعمامات بيضاء أو سوداء، تديّنهم محدث... واتُّهم ملايين الملايين من المسلمين البسطاء بالكفر أو الزندقة، وصار الحكم على التدين «سياسيا» من خارج منطق الإيمان.

سقطت رايات النضال الوطنى والقومى والتقدمى لأن حملتها اشتبكوا فى ما بينهم، وانقسموا فاشترت «الأنظمة» بعضهم ووظفتهم فى خدمتها وفى محاولة تبييض سجلها أمام «رعاياها».

سقطت الحصانات المعنوية (والمادية) للأنظمة، التى بشكل أو بآخر عادت إلى «بيت الطاعة»، فأوقفت حربها على «الامبريالية» بمعاهدات الصلح مع إسرائيل أو بمهادنة العدو القومى.

دُمّرت غزة مرات ومرات، والرايات الاسلامية خفاقة فوق بيوتها التى جعلها القصف الإسرائيلى المنهجى أثرا بعد عين.. فلم يتحرك نظام عربى للدفاع أو للتهديد بقطع العلاقات، أو لمطالبة الصديق الأمريكى الكبير بالتدخل.. ولو لمنع المزيد من الإحراج!

برغم ذلك، رأى «الخليفة» الآتى من سجن طويل فى بغداد، أن الوقت قد حان لإعلان «الدولة الإسلامية فى العراق والشام»، فالكل مشغول عنه... والصراعات السياسية التى اتخذت مضمونا طائفيا قد تفجرت حروبا فى كل من سوريا والعراق، ورمت بانعكاسات ثقيلة الوطأة، على جوار هاتين الدولتين وصولا إلى اليمن، مما أكد تهمة التدخل على إيران، بما تستثيره من ذكريات الماضى البعيد بصراعاته المذهبية..

ولقد وجد «الخليفة» فى موقف العداء التركى لسوريا، والخلافات التركية مع العراق والسعودية، ما يشجعه، فانطلق بغزوته مفيدا من نقاط الضعف قاتل الدولتين فى كل من سوريا والعراق..

وهكذا فتح «الخليفة»، بالتواطؤ من موقع التضاد مع الأنظمة الحاكمة، الباب على مصراعيه أمام عودة الاستعمار بالطلب، بل بالرجاء، وبشروطه، لترفع اسرائيل رايات الانتصار خفاقة على العرب والمسلمين مجتمعين... لا سيما وقد مد الإرهاب نفوذه الدموى فى اتجاه مصر ليشغلها فيصرفها، ولو إلى حين، عن دورها القيادى الذى لا يعوض: عربيا وإسلاميا.

ابحث عن تركيا، بحكمها الإسلامى، داخل حلف الأطلسى، وتحالفها الاستراتيجى مع إسرائيل، و«التسهيلات» التى قدمتها وما تزال لجيوش «الخليفة» الذى يبيع النفط المصادر من أهله لـ«السلطان» التركى بأقل من سعر الكلفة.

... والكفاح دوار!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved