من تونس إلى مصر وبالعكس

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 20 فبراير 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

يوما بعد يوم، يثبت الإخوان المسلمون، فى مصر وبعدها فى تونس، أنهم قد استولوا على السلطة أكثر مما وصلوا إلى السدة عن جدارة واستحقاق، وإنهم ما زالوا يتصرفون بمنطق التنظيم السرى الذى يخاف النور ولا يثق بالقوى السياسية الأخرى ذات التاريخ فى معارضة الطغيان، ولا يطمئن إلى الشراكة معها، ولو لفترة انتقالية.

 

إنهم يتناسون تاريخهم الطويل فى المعارضة، بل لعلهم يريدون تعويضه بالسرعة القصوى وبالتفرد المطلق حتى لو اقتضى الأمر التصادم الدموى مع المعارضين الآخرين، الذين كانوا الأسبق فى النزول إلى الميدان والثبات فيه والأعظم جذرية فى مطالبهم التى تتجاوز إسقاط الطغيان إلى محاولة رسم إطار لنظام ما بعد الثورة بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتقدم الاقتصادى.

 

بل إنهم يتصرفون تحت ضغط الخوف من الوقت، فيتعجلون السيطرة فى اللحظة التى جاءت أخيرا، ومن خارج التوقع فضلا عن التخطيط، فوفرت لهم الفرصة للقفز إلى سدة السلطة، معلنين أنهم لن يتخلوا عنها بأى حال، وحتى لو اقتضى الأمر التوغل فى الدم والتصادم مع «الشارع» الذى كانوا يزعمون انه مصدر قوتهم.

 

•••

 

البداية كانت مصر: مقتلة شباب الثورة فى الميدان وأمام أبواب قصر الرئاسة فى القاهرة، والتصدى بالعنف والتشهير للحرائر من الشابات والنساء، ثم كانت المذبحة فى بورسعيد وفرض حالة الطوارئ وإنزال الجيش فى مدن القناة، بعد إصدار الأحكام فى مأساة «شهداء الألتراس».

 

أما فى تونس التى تحايل الإخوان ممثلين بحزب النهضة فى السيطرة على السلطة عبر ائتلاف مع قوى سياسية أخرى، بهدف كسب الوقت للتمكن، فقد انفجر الوضع مع جريمة اغتيال المناضل التقدمى شكرى بلعيد.. وهكذا تحول تشييع جثمان الشهيد إلى ما يمكن اعتباره نقطة البداية لمرحلة سقوط حكم الإخوان.

 

ولم يكن أمرا عارضا أن يعلن رئيس الحكومة، وهو القيادى التاريخى فى حزب النهضة والخارج من سجن دام لأربعة عشر عاما، استقالة حكومته على الهواء ومن دون الرجوع إلى قيادته الإخوانية، والدعوة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط لفترة انتقالية تتوج بانتخابات نيابية. وكان رد فعل «الزعيم» راشد الغنوشى فاضحا: إذ سفه دعوة «رفيقه» وأصر على إعادة تشكيل حكومة سياسية، للإخوان فيها موقع الصدارة.. ربما لضمان النتائج فى الانتخابات العتيدة.

 

فى حالة مصر: يكابر الإخوان الذين أوصلتهم المصادفات وخلو الساحة من تنظيمات سياسية فاعلة وذات برامج وقدرة على المبادرة، إلى سدة السلطة، فيرفضون أية صيغة للشراكة مع القوى السياسية الأخرى فى المرحلة الانتقالية، ويصرون على الانفراد بالحكم ويتابعون تنفيذ خطتهم للسيطرة على مواقع القرار، أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا،

 

وكأن البلاد خلت من الكفاءات والقدرات وأصحاب التجارب الناجحة، ولم يعد فيها غيرهم من المؤهلين لقيادة البلاد فى الظروف الصعبة التى تعيشها.

 

وفى حين تصرفت قيادة حزب النهضة بقدر من الدهاء وهى تعقد الشراكة مع حزبين لهما قواعد شعبية فى تونس لكسر صورة المتفرد بالسلطة، فان «قيادة المرشد» فى مصر ترفض الشراكة، بل وتفتعل الأسباب لعرقلتها ومنعها بسلسلة من المناورات المكشوفة والعروض التى لا يمكن قبولها، متخذة من ذلك ذريعة للتفرد بالقرار فى دولة تهاجر الكفاءات من أبنائها، بمئات الآلاف إلى الخارج، أى خارج، بحثا عن فرص عمل لا تتناسب مع كفاءاتهم ولكنها تكفيهم ذل السؤال.

 

•••

 

إخوان مصر يرفضون الشراكة من حيث المبدأ، ويصرون على حكومة عجزت عن تأكيد حضورها الفاعل فى مواجهة الأوضاع الصعبة التى تعيشها البلاد.. ويسعون بكل طاقتهم للسيطرة على مختلف الإدارات الأمنية والتربوية والاجتماعية، حتى اذا ما انتهت الفترة الانتقالية (وهى مفتوحة) بالانتخابات الموعودة (وهى مجهولة الموعد) يكونون قد باتوا فى موقع القرار فى كل وزارة أو إدارة، لا سيما فى وزارة الداخلية والتربية والأجهزة الأمنية.

 

أما إخوان تونس الذين قبلوا بالشراكة اضطرارا وبهدف كسب الوقت من أجل التمكين فقد نزلوا إلى الشارع رفضا لاقتراح صاحب التاريخ النضالى من قيادييهم حمادى الجبالى بإقالة الحكومة الائتلافية وتشكيل حكومة تكنوقراط تمهيدا لإجراء الانتخابات النيابية وبعد ذلك يمكن العودة إلى الحكومة السياسية... بعد فترة تنفس أو تنفيس للشارع المحتقن.

 

يتجاهل الإخوان، فى مصر أساسا، ومن ثم فى تونس، تجارب الشعوب العربية الأخرى فى المشرق، تحديدا، والدروس المستفادة منها وأولها أن ليس من حزب واحد استطاع أن يقفز إلى السلطة، وغالبا بالاتكاء على الجيش، وأن يبقى فيها إلا بكلفة دموية هائلة، حتى لو موه تفرده بتركيب «جبهة وطنية عريضة» من أحزاب عفا عليها الزمن أو تنظيمات استولدها على عجل وحشر فيها بعض الذين لا تاريخ لهم وبعض منافقى السلطة واختار لهم قيادتهم ــ ديمقراطيا ــ من رجال الأمن أو بعض كوادره «السريين» فضلا عن الهامشيين الطامحين إلى أية شراكة مع الحاكم ولو من موقع التابع.

 

وهذه تجربة حزب البعث فى كل من سوريا والعراق تشهد ــ بنتائجها المأساوية ــ على فشل تمويه الانفراد بالسلطة من خلال تركيب «بقايا أحزاب» من الماضى فى «جبهة وطنية» لا دور لها فى القرار وإن تبرعت بتوقيعه التزاما «بأصول التحالف» من موقع الملتحق.

 

وفى الغالب الأعم فإن وظيفة هذه الجبهة هى أن تغطى التفرد بالقرار بخديعة مزدوجة: أن «القائد» قد عرض الأمر على «حزبه» ولكنه أصر على إظهار ديمقراطيته، شخصيا، والتزامه بموجبات « القيادة الجماعية»، وهكذا فانه لم يعلن قراره إلا بعد أن حظى بموافقة «المؤسسات الديمقراطية»، وهى مجموع الهيئات التى ركبها «القائد» داخل الحزب الحاكم بداية، ثم فى الجبهة الوطنية التى تظهر فى «الصورة» ولكنها لا تظهر فى القرار.

 

•••

 

إن تجربة «الأحزاب العقائدية» فى المشرق مريرة، إن لم نقل إنها مدمرة.. على أنها تثبت بعض الحقائق الأساسية فى مكونات مجتمعاتنا، من بينها:

 

1- إن هذه المجتمعات متعددة الدين والأصول العرقية والمناخات الفكرية والانتماءات السياسية. ومع أن الأكثرية تؤمن بدين واحد إلا أن فى هذا الدين مذاهب عدة ومدارس اجتهاد متباينة التفسير للنص الواحد، وها هى التنظيمات ذات الشعار الدينى فى مصر تختلف فى مواقفها إلى حد التهديد بالمواجهة فى الشارع.

 

2- إن معظم هذه المجتمعات متدنية عموما وإن ابتعدت بتدينها عن التحزب ومخاصمة الآخرين.. ويخطئ الإخوان، وأكثر منهم السلفيون، حين يفترضون أنهم مكلفون بأسلمة مجتمعات مسلمة بأكثريتها الساحقة، ومؤمنة بالإله الواحد جميعا، وبالتالى فان محاولات الأسلمة هى أسرع طريق إلى الحرب الأهلية وتدمير الدولة.

 

3- لا يمكن قسمة الشعب إلى «مناصرين» و«خونة». وبالتالى لا يمكن اتهام المعارضين لنظام استولدته المصادفات التاريخية فتسلم قيادته الحزب أو الاتجاه الأكثر تنظيما والأعظم ثروة، بأنهم من «الأعداء»، فضلا عن اتهامهم بالخروج على الدين.. فالدين رحب يتقبل التمايز والمحاججة فى النصوص وفى التفسير.. ثم إن الزمان متحرك يغير ويتغير، والعقل مفتوح على الاجتهاد ولا يمكن الحجر عليه.

 

4- لا يمكن تأديب الشعب بالقضاء على الأحزاب والتنظيمات والهيئات والجماهير التى تخرج إلى الشارع مجاهرة باعتراضها على قرارات جائرة أو مخالفة للدستور أو القانون. وأى عار أفظع من أن يتصدى بعض الدعاة ورجال الدين المشكوك فى علمهم لحق النساء فى المشاركة فى العمل العام، وأن يطالبوا ــ فى بدايات القرن الحادى والعشرين ــ بالحجر على المرأة التى قد تكون أكثر علما وثقافة وخبرة منهم، وحبسها فى المنزل باعتبارها شريكة الفراش.. ليس إلا؟.

 

•••

 

لكأننا نشهد نهايات مبكرة للتنظيمات الإسلامية ــ وبعضها عريق وصاحب خبرة ــ لأنها لم تستوعب تجارب الأحزاب القومية والتقدمية والوطنية عندما توفرت أمام بعضها فرصة القفز إلى سدة السلطة، فعجزت عن أن تسوس الحكم فخلعها.. ولو بعد حين.

 

إن تجربة الإخوان فى تونس لا تبشر بالخير، أما تجربة الإخوان فى مصر فإنها تأخذ إلى اليأس... لكن الشعوب لا تعرف اليأس، وسلاحها الأول والأخير هو «الميدان».

 

 

 

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved