موازنة العام المقبل.. تحديات وتساؤلات

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين

آخر تحديث: الإثنين 20 يونيو 2016 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

يناقش مجلس النواب خلال الأسبوع المقبل مشروع الموازنة العامة الجديدة تمهيدا لإقرارها وبدء العمل بها للعام المالى الذى يبدأ فى أول يوليو ٢٠١٦ وينتهى فى اليوم الأخير من يونيو ٢٠١٧. وبرغم ضيق الوقت المتاح لهذه المناقشة وبالتالى عدم إتاحة فرصة حقيقية للمراجعة والتعديل من جانب المجلس خارج حدود ضيقة، فإن مناقشة الموازنة العامة داخل البرلمان وخارجه تعتبر فرصة مهمة لتقييم وفهم برنامج الحكومة الاقتصادى وتوقعاتها ونواياها، وهو أمر مطلوب فى ظل حالة الغموض المحيطة بالسياسات والتوجه الاقتصادى بشكل عام.


ولكى يكون الحوار متاحا لجمهور يتجاوز دائرة الاقتصاديين والمتخصصين فإن هذا المقال سوف يسعى إلى إلقاء الضوء على الملامح الرئيسية لموازنة العام المقبل وما تنطوى عليه من تحديات، كما يطرح أسئلة ملحة، تاركا التعقيب والتحليل وإبداء الرأى لمناسبة أخرى. والأرقام الواردة هنا هى المعلنة من الحكومة فى ٢٢ مايو ٢٠١٦ مع مقارنتها بالتقديرات التى جاءت فى مشروع موازنة السنة المالية الجارية (٢٠١٦/٢٠١٥)، والتى تنتهى بعد أيام قليلة.


بشكل عام يبلغ حجم المصروفات العامة بالموازنة التقديرية للعام المقبل (٢٠١٦/ ٢٠١٧) ٩٣٦ مليار جنيه، بزيادة ٧٢ مليار جنيه عما كانت الحكومة قد قدرته للعام الحالى، وهذا يعنى زيادة ما تتوقع الدولة إنفاقه بنسبة ٨،٣٪‏ عما كان مقدرا لهذا العام. وينقسم إنفاق العام المقبل إلى ٢٩٢ مليار جنيه لخدمة الدين العام، وهى تمثل ٣١٪‏ من مجموع المصروفات العامة، و٢٢٨ مليار جنيه لأجور العاملين فى الدولة وتمثل ٢٤٪‏، و٢١٠ مليارات جنيه لكل بنود الدعم بنسبة ٢٢٪‏.

ومعنى هذا أن البنود الثلاثة السابقة تمثل وحدها ٧٧٪‏ من الإنفاق العام بينما يتبقى لكل المجالات الأخرى بما فيها البنية التحتية والاستثمار ما لا يتجاوز ٢٣٪‏ من حجم الموازنة.

وبرغم أن نسبة هذه البنود الثلاثة مجتمعة كانت تبلغ ٨٠٪‏ فى الموازنة التقديرية للعام الحالى، وأنها بذلك قد انخفضت قليلا، إلا أنها تظل تعبر عن الخلل الهيكلى العميق فى مالية الدولة، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار أن أحد أسباب هذا الانخفاض هو تراجع نسبة الدعم إلى مجموع الإنفاق العام بحوالى ٤٪‏ نتيجة لانخفاض سعر البترول العالمى وبالتالى تكلفة دعم الطاقة.

أما نسبة الأجور إلى الإنفاق العام فلم تكد تتغير إذ تراجعت بنسبة ١٪‏، بينما ارتفعت نسبة خدمة الدين العام ٣٪‏ عن تقديرات العام الحالى. وباختصار فإن ما تم توفيره نتيجة لانخفاض سعر البترول العالمى قد ضاع فى زيادة تكلفة خدمة الدين العام، والتى سوف تزيد مرة أخرى فى ضوء ارتفاع الفائدة المصرفية التى قررها البنك المركزى الأسبوع الماضى.


أما فى جانب الإيرادات العامة فتتوقع الحكومة أن تبلغ مواردها الضريبية فى العام المقبل ٤٣٣ مليار جنيه بنسبة ٦٩% من إجمالى حجم الإيرادات العامة، والموارد غير الضريبية ١٩٥ مليار بنسبة ٣١٪‏، ومجموع الرقمين ــ أى ٦٢٨ مليار جنيه ــ يزيد عما كانت الحكومة قد قدرته للعام الحالى بنسبة ٢٪‏ فقط، وهذا تقدير واقعى.

ولكن ما يبعث على القلق أن توقعات الحكومة لإجمالى الحصيلة الضريبية الفعلية للعام الحالى قد انخفضت بنسبة ١٥٪‏ عما كان مقدرا، بينما انخفضت الحصيلة غير الضريبية بنسبة ٢٠٪‏، بما دفع نسبة العجز الكلى إلى الناتج المحلى الإجمالى للارتفاع فى العام الحالى من ٨٫٩٪‏إلى ١١،٥٪،‏ وهو ما يدل على أن تقديرات الموازنة فى العام الماضى كانت مفرطة فى التفاؤل على نحو ما حذر منه الكثيرون.


نتيجة ما تقدم أن العجز الكلى المستهدف للعام المقبل والذى سيجرى تمويله بمزيد من الاقتراض سوف يبلغ ٣١٩ مليار جنيه، أى ٣٤٪‏ من مجموع الإنفاق العام و٩٫٨٪‏ من الناتج المحلى الاجمالى، كما ان رصيد الدين العام سوف يصل بذلك إلى ١٠٠٪‏ من الناتج المحلى الإجمالى. وما تقدم يعنى باختصار شديد أن الدولة خلال العام المقبل سوف تقترض ثلث ما تنفقه، وأن ثلث ما تنفقه سوف يتجه لخدمة الدين وحده، وأن حجم الدين المتراكم علينا سوف يساوى كل ما ينتجه البلد خلال العام، وهذا كله بفرض تحقيق الحصيلة الضريبية المنشودة، ونمو الاقتصاد بنسبة ٤٫٤٪‏، وعدم ارتفاع سعر البترول والمواد الأولية التى تستوردها مصر، وكلها افتراضات متفائلة.

وهذا وضع خطير سوف يدفع الشعب ثمنه فى مزيد من ارتفاع الأسعار، ويتحمل الشباب العبء الناجم عنه مستقبلا بسبب المزيد من الاستدانة.


الوضع الحالى ليس مسئولية الحكومة الحالية وحدها لأن مشكلة ارتفاع الدين العام ترجع إلى سنوات عديدة، ولكنها تحولت مع الزيادات المضطردة الأخيرة إلى قنبلة موقوتة تهدد استقرار البلد وفرصته فى التنمية وقدرته على جذب الاستثمار وعلى تحقيق السلم الاجتماعى.

ولذلك فعلى مجلس النواب ألا يستغرق الوقت القليل المتاح لمناقشة مشروع الموازنة فى تفاصيل ومواءمات بل فى طرح أسئلة محددة على الحكومة: هل يكون الخروج من هذا المأزق عن طريق الاستمرار فى الاستدانة داخليا وخارجيا دون قيود أم يضع البرلمان سقفا واضحا للدين العام ويلزم الحكومة به؟ وهل السبيل الوحيد للحد من العجز الهائل فى الموازنة العامة هو ضغط الانفاق الاجتماعى وزيادة الضرائب والرسوم على المواطنين أم الاهتمام الجدى بالاستثمار بما يساعد على زيادة النمو والتشغيل؟ وهل يستمر البلد فى تنفيذ المزيد من المشروعات العملاقة غير معروفة التكلفة والتمويل والجدوى الاقتصادية أم أن الوقت قد حان لمراجعة أولويات الانفاق العام؟ وهل لدى الحكومة تصور واضح، ولو كان بعيد المدى، للخروج تدريجيا من هذا الوضع الحرج؟


أسئلة مشروعة وضرورية والسكوت عليها يعنى تنازل البرلمان عن واحد من اهم واجباته. ولنا عودة إلى موضوع الموازنة العامة فى ضوء ما تسفر عنه مناقشات الأسبوع المقبل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved