دعم البشر.. أم الحمير؟!

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الإثنين 20 يوليو 2009 - 8:44 ص بتوقيت القاهرة

أيهما أفضل للاقتصاد القومى: أن تشجع الدولة زراعة القمح وتتسلم الطن من الفلاح بسعر 420 جنيه، أم تستورده من الخارج بسعر 220 جنيها فقط؟. الإجابة عن هذا السؤال قد تكون سهلة وسريعة وهى اختيار الأقل تكلفة أى الاستيراد بسعر أقل من تكلفة الإنتاج.

لكن من حسن الحظ أن الاقتصاد السياسى والأمن القومى للبلدان لا يتم تقديره فى أحيان كثيرة بهذا التبسيط المخل.. بمعنى إذا كان الاستيراد يوفر لى جنيها فقط فيكون أفضل من الإنتاج المحلى.

قبل سنوات استغرب كثيرون قيام السعودية بزراعة القمح بتكلفة أعلى كثيرا من تكلفة استيراده، وقتها استغرب كثيرون هذا التوجه، واندهشوا، وبعضهم وصل به الأمر إلى السخرية من التصرف، لكن غالبية هؤلاء الساخرين تفهموا الخطوة لاحقا، بل عادوا ليشيدوا بمثل هذه الخطوة.

مصر ليست السعودية من جوانب متعددة.. فنحن لدينا أراضٍ زراعية والأهم لدينا مياه النيل، وعادات غذائية غربية تجعلنا أكبر شعب تقريبا استهلاكا للخبز، قد لا نملك فوائض مالية مثل تلك التى تملكها السعودية، لكن كثيرا من البلدان لديها نفس ظروفنا وتحقق التفاعل ذاتيا بل وتصدر القمح أحيانا مثل سوريا وتونس.

الغرائب والعجائب فى مصر كثيرة.. من بينها وجود لوبى يشجع استيراد القمح ويحارب التوسع فى زراعته محليا.. هذا اللوبى المتنفذ يتحدث ليل نهار عن الليبرالية واقتصاد السوق.. لكنه لا يلتفت أبدا إلى أن قلاع اقتصاد السوق عالميا مثل الاتحاد الأوروبى وأمريكا يتنافسان فيما بينهما على دعم المزارعين وتقديم جميع التسهيلات حتى يزيد التصدير للخارج. وخناقات الدعم بين الجانبين بند ثابت فى مناقشات منظمة التجارة العالمية.

هكذا يتصرف الليبراليون والرأسماليون، أما نحن الذين لا تتوقف حكومتنا عن عزف أسطوانة الدعم ومحدودى الدخل، فقد تراجعت حكومتنا عن وعدها لمزارعى القمح بتسلم الطن بسعر 420 جنيها بغض النظر عن سعره فى السوق العالمية وعادت إلى سعر 220 جنيها فقط.

والنتيجة المنطقية أن الفلاح لن يفكر فى زراعته مرة أخرى مادام أنه سيخسر وينصرف إلى زراعة البرسيم مثلا لأنه محصول تجارى مضمون ومربح جدا باعتبار أن المواشى والحمير تحتاج إليه دائما.. وهكذا يتحول الأمر سواء بحسن أو سوء نية إلى أن الحكومة تدعم الحمير على حساب دعم البشر وقوت يومهم الرئيسى.

سياستنا الزراعية تعانى خللا خطيرا، جعلنا الدولة الأولى فى العالم استيرادا للقمح، والأكثر مأساوية أن هناك من يتباهى بذلك.

القضية ليست لها علاقة بالإمكانيات سواء عجزا أو تمويلا.. فالسعودية زرعت القمح وهى تملك الكثير من الأموال، ونحن نستورد القمح رغم أننا نهدر الكثير من الأموال على أمور لا تستحق.

لا مانع من دعم الحمير بالتوسع فى زراعة البرسيم، لكن علينا التفكير فى البشر أيضا!. 
 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved