لماذا يستذكر الناس جمال عبدالناصر؟

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 20 أكتوبر 2010 - 10:09 ص بتوقيت القاهرة

 أعظم ما افتقده اللبنانيون خلال زيارة الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد هو دور مصر الذى كان مصدر أمان جدى باعتبارها قيادة الأمة وحاضنة أطرافها جميعا، باكثرياتها وأقلياتها الدينية والطائفية والعرقية.. ومع مصر وبعدها المقاومة الفلسطينية التى استقبل شهيدها الأول بتظاهرة امتدت من الحدود إلى قلب العاصمة بيروت.

والحقيقة أن لبنان الجريح يفتقد مصر منذ عهد بعيد، وتحديدا منذ أوائل السبعينيات. فلقد تزامن انفجار الحرب الأهلية فى لبنان مع توقيع مصر اتفاق فك الاشتباك مع العدو الإسرائيلى (1974).. ثم تصاعدت الحرب شراسة وعنفا ملغمة الأرض تحت أقدام المقاومة الفلسطينية التى أخذت تغرق تدريجيا فى المستنقع اللبنانى بخلافاته السياسية التى لا تتورع عن استخدام الطائفية والمذهبية لتحسين مواقع هذا الطرف أو ذاك فى السلطة.

وعندما قام الرئيس المصرى أنور السادات بزيارته المباغتة والخارجة عن أى سياق سياسى فى المعتمد من قواعد العمل الوطنى عربيا فى 19/11/1977، كان حتميا أن تتجدد الحرب الأهلية، ودائما على قاعدة طائفية، بحيث يستدرج الجيش السورى ليكون طرفا فيها، بكل ما فى ذلك من خروج على مهمته الأصلية كقوة ردع وفصل بين الأطراف المقتتلة، لبنانية وفلسطينية.
وبعد عام وأربعة شهور من تلك الزيارة اجتاح جيش العدو الإسرائيلى جنوب لبنان وصولا إلى مشارف صيدا.. ثم ما لبث أن انشأ فيه «جيشا» من عملائه بعد استمالة مجموعة من الضباط والجنود فضلا عن بضع مئات من «الرهائن» والمرتزقة.

ولسوف تتردى الأوضاع أكثر فأكثر، ويتحول لبنان إلى غابة من السلاح، قبل أن يتقدم العدو الإسرائيلى إلى اجتياح الوطن الصغير وصولا إلى عاصمته بيروت، متكئا على «تحالف» شبه معلن مع بعض أحزاب «اليمين» اللبنانى لإيصال بشير الجميل، ابن مؤسس حزب الكتائب وقائد ما سمى آنذاك «القوات اللبنانية» إلى رئاسة الجمهورية فى عملية انتخاب تحت ضغط السلاح والمال وقوة الاحتلال وفى ثكنة عسكرية كانت تطوقها الدبابات الإسرائيلية.

لكن بشير الجميل سرعان ما اغتيل، فكانت المذابح فى مخيمى صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين اللذين تحولا إلى مقبرة جماعية وقد ذهب ضحيتها أكثر من ألف وخمسمائة شهيد.

كان خروج المقاتلين الفلسطينيين (أو الثورة الفلسطينية) من لبنان نتيجة بديهية للاجتياح الإسرائيلى... وبعدها سوف تتجدد الحرب الأهلية، ولو متقطعة، حتى يتم تفويض الجيش السورى، مرة أخرى، بإعادة الهدوء، والإشراف على تنفيذ اتفاق الطائف، الذى جاء خلاصة تفاهم عربى (أمريكى)... ثم سيتحول هذا التفاهم إلى تفويض مطلق لسوريا بالإشراف على إعادة صياغة النظام السياسى فى لبنان، وكانت مغامرة صدام حسين فى غزو الكويت نقطة الختام فى حياة النظام السياسى القديم فى لبنان، وإعادة إرساء دعائم «دولته الجديدة» ودائما بإشراف سورى مباشر، ومع رعاية أمريكية معلنة.

.. وكذلك فإن تلك المغامرة هى التى فتحت باب التفاوض المغلق مع إسرائيل، لكن فلسطين لم يكن لها ذكر إلا كعضو فى الوفد الأردنى... ولعل هذا الإهمال هو الذى دفع ياسر عرفات إلى الذهاب منفردا للقاء الإسرائيلى فى اوسلو، تحت الرعاية الأمريكية المضمرة.

كانت إسرائيل قد غدت ــ باحتلالها العسكرى معظم الجنوب ــ «طرفا» ضاغطا على التركيبة اللبنانية، تحاول استمالة بعض المتضررين من المقاومة الفلسطينية أو من التدخل السورى.
وكان طبيعيا أن تنشأ مقاومة وطنية للاحتلال الإسرائيلى. وهكذا بادر العديد من الأحزاب السياسية إلى فرز مجاميع من أعضائها ومناصريها لتشكل فصائل مقاتلة فى الجنوب، ولم تكن مصادفة أن كثيرا من هؤلاء إنما كانوا قد قاتلوا فى صفوف المنظمات الفلسطينية، لا سيما أبناء الجنوب منهم.

كان بينها أحزاب شيوعية وتقدمية ووطنية، كما كان بينها «تنظيم شيعى» له شعبية عريضة هو حركة «أمل» بقيادة الإمام موسى الصدر الذى اختفى فى ظروف غامضة خلال زيارة إلى ليبيا للقاء العقيد معمر القذافى فى أواخر (أغسطس) 1978.

فى أعقاب الثورة الإسلامية فى إيران 1979، بدأ تنظيم سرى جديد له طابعه الإسلامى يتنامى برعاية خاصة منها، ليقاتل ضد الاحتلال الإسرائيلى وضد مسانديه الكبار وتحديدا الأمريكيين والفرنسيين الذين أرسلوا قوات عسكرية إلى لبنان لتأمين انسحاب هادئ لقوات الاحتلال الإسرائيلى. وكانت البداية دموية ومدوية، عبر هجومين ناجحين الأول على قاعدة عسكرية فرنسية متقدمة، والثانية على السفارة الأمريكية فى بيروت.

كان التنظيم الجديد غاية فى العنف، فى بداياته.. وستمضى سنوات قبل أن يستقر على صيغة حزب سياسى له برنامجه المعلن، وله قيادته المعروفة، ومهمته الأولى والأخيرة العمل لطرد العدو الإسرائيلى من الأرض اللبنانية المحتلة. واتخذ هذا التنظيم اسم «حزب الله» استنادا إلى الآية الكريمة «ألا إن حزب الله هم الغالبون».

على أن هذا الحزب سرعان ما اكتسب رصيدا شعبيا عظيما عبر بطولات مجاهديه فى مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلى، حتى كان النصر المؤزر فى 25 (مايو) 2000 بجلاء إسرائيل عن الأرض اللبنانية، ما عدا بعضها المتصل بالجولان السورى.

وهكذا فإنه إذا كان المصريون قد استذكروا ــ قبل أيام ــ الرجل الذى جعل من القاهرة عاصمة عربية للعالم جمال عبدالناصر، فقصد بعضهم ضريحه للتحية، فإن الناس فى عواصم عربية أخرى قد استذكروه لأنهم لا يرون للأمة بعد غيابه مرجعية سياسية تقول فتكون كلمتها قرارا، ويصير القرار سياسة معتمدة يحترمها العالم، حتى لو كانت بعض دوله الكبرى لا تقره أو تحاول التقليل من أهميته أو الطعن فى حق القاهرة بأن تكون مركزه.

أما الفلسطينيون الذين يستشعرون اليتم ويرون أنهم متروكون للريح، فى حين تحظى إسرائيل بالتنازلات العربية عن حقوقهم فى أرضهم، وبضياع «سلطتهم» فى غمرة انهماكها بالحفاظ على ذاتها، فإنهم عادوا يحتمون من الضياع بموقف عبدالناصر الحاسم الذى قبل المفاوضات فى لحظة محددة، كسبا للوقت فى انتظار استكمال الاستعداد للعودة إلى الميدان بجهوزية أفضل وقدرة على تجاوز الدفاع إلى الهجوم مهما سمت التضحيات.. وهذا ما تم بجيشه، وبعد غيابه ــ فى العاشر من رمضان (6 أكتوبر 1973).

لقد كانت التحية لجمال عبدالناصر أمرا له دلالة مهمة جدا، وهو يصدر فى بيروت وعلى لسان قيادة المقاومة التى يحفظ لها اللبنانيون وسائر العرب أنها حققت إنجاز التحرير بالدم حين أجبرت العدو الإسرائيلى على الجلاء عن الأرض اللبنانية المحتلة منذ العام 1978، ثم واجهت الحرب الإسرائيلية ــ بالقيادة الأمريكية ــ على لبنان فى العام 2006، فانتصرت بصمودها العظيم.

ففى الخطاب الذى ألقاه الأمين العام لـ«حزب الله» ترحيبا بزيارة الرئيس الإيرانى محمود احمدى نجاد إلى بيروت، الأسبوع الماضى، استذكر السيد حسن نصرالله لاءات جمال عبد الناصر التى أطلقت من القمة العربية فى الخرطوم فى أعقاب هزيمة 5 (يونيه) 1967، وهى «لا مفاوضة، لا صلح، لا اعتراف»، داعيا العرب إلى استعادة كرامتهم وقدرتهم على رفض الإذلال بالعودة إلى تلك اللاءات.

مؤكد أن اللبنانيين عموما كانوا يتمنون، وما زالوا يأملون، أن يأتى إلى زيارتهم القادة العرب، ولا سيما أكبرهم وأغناهم، ليطمئنوا إلى أحوالهم وليعززوا صمودهم فى مواجهة عدوهم القومى، الذى يستمر فى تهديدهم بطلعات طيرانه اليومية فوق مدنهم وقراهم جميعا.

. فضلا عن استمراره فى إذلال العرب جميعا عبر اضطهاده للشعب الفلسطينى، وعبر مخادعتهم بالمفاوضات التى لا تنتهى حول «مساحة الأرض» التى ستبقى «لدولته»!
لقد كشف العدو الإسرائيلى عن خطته بإعلانه دولته اليهودية الديمقراطية التى لا مجال معها لدولة فلسطينية على ارض الشعب الفلسطينى... بل إن التفكير ذهب الآن إلى المليون ونصف المليون فلسطينى «فى الداخل» والذين كان يعتبرهم «مواطنين» من الدرجة الثانية، ولكنهم سيكونون غدا موضع مساءلة فى ولائهم «لدولة يهود العالم»، فإذا امتنع جميعهم أو بعضهم عن أداء قسم الولاء لهذه الدولة فلسوف يطرد منها شر طردة.

وقد تكون مقارنة أهل النظام العربى بجمال عبدالناصر ظالمة، ولكن بحقه وليس بحقهم.. وللتذكير فإن أكثر من نصف الشعب اللبنانى قد زحف إلى دمشق لتحية «بطل الوحدة» حين جاءها أول مرة.. ثم تكرر الزحف فى كل زيارة له إليها.

ليس فى الأمر عبادة شخصية، انه افتقاد للموقف الذى يحمى الأوطان ويمنع الهزيمة أمام العدو، بالعودة إلى الميدان مرة بعد مرة حتى يكون النصر، فإذا ما لاحت بشائره لم يضع عبر التنازل للإدارة الأمريكية أو عبر الصلح مع العدو الذى ينتقل فى هذه الحالة إلى الداخل.
من هنا يمكن فهم هذا لحضور المتجدد لجمال عبدالناصر فى الشارع العربى ابتداء بمصر وانتهاء بالحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة..

فغياب أصحاب القرار فى الحاضر هو من أعاد إلى الصدارة صورة البطل فى الماضى، الذى يظل برغم كل أخطائه أبقى وأنصع حضورا من القائمين بالأمر فى أيامنا هذه.. أشبه بحرس حدود لدولة يهود العالم.. الديمقراطية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved